«الإسماعيلية الدولي للفنون».. يختتم استعراضات الشعوب

شهدت شوارع محافظة الإسماعيلية في مصر على مدار أيام، موسيقى تُعزف على أوتار الفرح، واستعراضات تحمل حكايات الشعوب، وألوان من التراث تتلاقى في مشهد استثنائي يؤكد أن الفن لغة لا تعرف الحدود. هكذا هيمنت أجواء مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية على الجمهور وظلت في مخيلته بعد إسدال الستار على دورته السادسة والعشرين، التي جمعت 15 فرقة فنية في احتفالية امتزجت فيها أصالة التراث ببهجة الجمهور، لتبقى الإسماعيلية على موعد متجدد مع الفن والحياة.في الإسماعيلية، لا تحتاج الشعوب إلى لغة مشتركة كي تلتقي، ولا تحتاج الحكايات إلى كلمات كي تُروى، إذ تتحدث الإيقاعات، وتحكي الأزياء قصص الأوطان، وتتحول خطوات الراقصين إلى رسائل محبة تعبر الحدود، لتلتقي ثقافات العالم على أرض مصرية تعرف كيف تحتفي بالفن وتفتح أبوابها للآخرين.على وقع الموسيقى الشعبية، وبين تصفيق الجمهور وابتسامات المارة، حملت إلى شوارع المدينة ألواناً متعددة من التراث الإنساني، وجمعت فنانين من بلدان مختلفة في احتفالية عنوانها التنوع، وروحها التواصل، ورسالتها أن ما يختلف في الشكل والإيقاع يمكن أن يلتقي في المشاعر.خمسة عشر فريقاً فنياً شاركوا في هذه الدورة، يحمل كل منها شيئاً من ذاكرة وطنه، وملامح بيئته، وعادات أهله وتقاليدهم. ثماني فرق من روسيا ورومانيا ولبنان وتنزانيا والسودان والجزائر والأردن وإندونيسيا، إلى جانب فرق مصرية تمثل الإسماعيلية والإسكندرية وبني سويف والعريش وكفر الشيخ وأسوان، فضلاً عن مشاركة فرقة أطفال الإسماعيلية للفنون الشعبية وفرقة القلوب البيضاء لذوي الاحتياجات الخاصة.وتبدو خشبة المسرح، في مثل هذه اللقاءات، أكبر من مساحة للعرض؛ إنها مساحة تتجاور عليها الحكايات، وتتعانق فيها الإيقاعات، ويقدم كل شعب نفسه بطريقته الخاصة. فمن رقصة تحمل ملامح البيئة، إلى زي تقليدي يختزن ذاكرة الأجيال، وصولاً إلى ألحان تناقلتها الشعوب جيلاً بعد جيل، يصبح التراث حاضراً لا بوصفه صفحات من الماضي، وإنما باعتباره جزءاً حياً من هوية الإنسان.فرصة نادرةمنذ انطلاق فعالياته، يواصل المهرجان ترسيخ مكانته بوصفه ملتقى للفنون الشعبية، يستقبل الفرق المصرية والعربية والأجنبية، ويمنح الجمهور فرصة نادرة لمشاهدة ثقافات متعددة في مكان واحد. وفي شوارع الإسماعيلية وساحاتها، لا تبقى العروض حبيسة المسارح، بل تخرج إلى الناس، فتقترب منهم وتمنحهم فرصة المشاركة في أجواء الاحتفال.وقال هشام عطوة رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، إن المهرجان يعكس أهمية الفنون الشعبية باعتبارها أحد أبرز أشكال التعبير عن هوية الشعوب وذاكرتها الثقافية، كما يتيح للجمهور الاطلاع على ألوان من التراث الشعبي العالمي، بما يعزز التقارب بين الثقافات من خلال عروضه المتنوعة في عدد من المواقع بالإسماعيلية.وامتدت العروض إلى مدن فايد والقنطرة غرب والقصاصين، لتصل أصداء المهرجان إلى مناطق مختلفة من المحافظة، فيما أتاح معرض الحرف البيئية المصاحب للفعاليات مساحة أخرى للاحتفاء بالتراث، من خلال ما تختزنه الحرف التقليدية من مهارات وخبرات ارتبطت بالإنسان وبيئته، وظلت شاهدة على قدرة الأجيال على صون موروثها وتجديده.**media[8186421]**أضواء المسرححكاية المهرجان لا تنتهي بانطفاء أضواء المسرح، فخلف العروض الفنية حكاية مدينة تحرص على أن يتعرف ضيوفها إلى تاريخها وملامحها، وأن يحملوا معهم، إلى جانب ذكريات الموسيقى والرقص، صورة عن المكان وأهله. وفي هذا السياق، نظمت إدارة السياحة بمحافظة الإسماعيلية، تحت إشراف شيرين عطية، مدير إدارة السياحة بالمحافظة، جولة سياحية للفرق المشاركة من روسيا والأردن والجزائر وإندونيسيا، شملت عدداً من أبرز معالم المدينة.بدأت الجولة بالتعرف على منطقة الفلل الفرنساوي، بما تحمله من ملامح معمارية وتاريخية، ثم المرور بشارع محمد علي، وزيارة الكنيسة الكاثوليكية، قبل أن يختتم المشاركون جولتهم بالتجول في شوارع الإسماعيلية، ومشاهدة تفاصيل الحياة اليومية في مدينة ارتبط اسمها بتاريخ قناة السويس، واكتسبت طابعاً خاصاً من موقعها وتاريخها وتنوعها الاجتماعي. وبين مبانيها وشوارعها، اكتشف أعضاء الفرق جانباً آخر من الإسماعيلية؛ مدينة لا تقدم نفسها من خلال عروض المهرجان وحدها، بل من خلال تفاصيلها اليومية، ومعالمها، وملامح أهلها الذين يرحبون بالزائرين ويشاركونهم الاحتفال. فالسياحة الثقافية لا تعني مشاهدة المعالم فحسب، وإنما تعني أيضاً التعرف إلى روح المكان، وفهم شيء من تاريخه، والاقتراب من مجتمعه. وحين يزور الفنانون مدينة تستضيفهم، تصبح الجولة جزءاً من التجربة التي يحملونها معهم، وتتحول الزيارة إلى نافذة يتعرفون من خلالها إلى جانب جديد من البلد الذي احتضن عروضهم.**media[8186424]**ذكريات وتجارب إنسانيةنهاية المهرجان لا تعني بالضرورة نهاية الحكاية؛ فالعروض قد تنتهي، والمسارح قد تخلو، لكن ما تتركه مثل هذه اللقاءات من ذكريات وصور وتجارب إنسانية يظل حاضراً في ذاكرة المشاركين والجمهور. وفي مدينة اجتمعت على أرضها إيقاعات من قارات مختلفة، أثبتت الفنون الشعبية مرة أخرى أنها ليست مجرد رقصات وأغانٍ موروثة، بل ذاكرة شعوب، وصوت هويات، وجسر يصل بين أناس قد تختلف لغاتهم وتقاليدهم، لكنهم يتشاركون القدرة على الفرح والإحساس بالجمال.هكذا كتبت الإسماعيلية فصلها الجديد في حكاية الفنون الشعبية؛ فصلٌ يبدأ بالموسيقى، ويمر عبر شوارع المدينة ومعالمها، ويكتمل بترحيب أهلها، ليبقى المهرجان أكثر من موعد سنوي للعروض: لقاءً إنسانياً يذكّر بأن العالم، على اتساعه واختلافه، يستطيع أن يجتمع حول لحن واحد، وأن الفن حين يخرج من حدود الوطن لا يفقد هويته، بل يجد طريقه إلى قلوب الآخرين.**media[8186423]**