الأوقاف: سيناء أرض مباركة تجلى الله على جبلها.. وتحريرها ملحمة وطنية خالدة

قالت وزارة الأوقاف المصرية: تهل علينا ذكرى ٢٥ أبريل وهو عيد تحرير سيناء، لتوقظ فينا معاني الفخر بوطنٍ ليس كباقي الأوطان، فسيناء ليست مجرد بقعة رملية استردتها مصر بالدماء، بل هي درة التاج في أرضٍ باركها الله؛ فهذه الذكرى المجيدة تجعلنا نستحضر عظمة مصر؛ أرض الأنبياء وأرض الصحابة وأرض الأولياء وأرض العلماء وأرض الحضارة وأرض الخير.

وأضافت وزارة الأوقاف ، في منشور لها عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أن تلك الأرض التي عبرتها خطى الأنبياء في سيناء وغيرها؛ فقد تولى أمرها سيدنا إدريس وسيدنا يوسف عليهما السلام، وولد فيها سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام، وهاجر إليها سيدنا إبراهيم وسيدنا لوط عليهما السلام، وسكنها سيدنا يعقوب عليه السلام، وسار إليها سيدنا المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام، ومرَّ عليها سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتجلى الله عليها (على جبل الطور بسيناء)، وفيها مراقد الصحابة والأولياء وآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام.

وأطلق عليها أم الدنيا سيدنا نوح فقد سماها "غوث العباد والبلاد"، ولم يذكر في القرآن من الأنهار سوى نهر النيل ﴿فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ﴾ [القصص: ٧]، وبئر زمزم تفجر إكراما للسيدة هاجر المصرية عليها السلام وولدها إسماعيل عليه السلام، ومن المصريات العظيمات السيدة آسية امرأة فرعون، ومن العلماء من لا يعد ولا يحصى.

وتابع: إن قدسية سيناء ومكانتها هي امتداد لقدسية مصر التي ذكرت في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين مرة، خمسة صراحةً والباقي كنايةً:

وقال تعالى: ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِیهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُیُوتࣰا وَٱجۡعَلُوا۟ بُیُوتَكُمۡ قِبۡلَةࣰ وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس: ٨٧].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِی ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦۤ أَكۡرِمِی مَثۡوَىٰهُ﴾ [يوسف: ٢١].

وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ﴾ [يوسف: ٩٩]

كما عبر عنها القرآن بلفظ "المدينة" و"الربوة":

وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عيسى عليه السلام كان يرى العجائب في صباه إلهامًا من الله، ففشا ذلك في اليهود، وترعرع عيسى عليه السلام، فهمّت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إليها أن تنطلق به إلى أرض مصر؛ فذلك قوله تعالى ﴿وَءَاوَیۡنَٰهُمَاۤ إِلَىٰ رَبۡوَةࣲ﴾ [المؤمنون: ٥٠]؛ قال: يعني مصر، وأخرج ابن عساكر، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَءَاوَیۡنَٰهُمَاۤ إِلَىٰ رَبۡوَةࣲ ذَاتِ قَرَارࣲ وَمَعِینࣲ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، قال: هي الإسكندرية.

أبطال تحرير سيناء في بشارات السنة النبويةلم يكن غريباً أن يسطر الجندي المصري ملاحم البطولة في سيناء، فهو الجندي الذي بشّر به النبي وأوصى به خيراً؛ فقد جاء في صحيح مسلم: "باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر"، أخرج بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» أَوْ قَالَ «ذِمَّةً وَصِهْرًا »، «إنكم ستفتحون مصر» الخطاب للصحابة رضوان الله عليهم، وقد فتحوا مصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و"القيراط" أي يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار في الوزن والقياس، "فاستوصوا بأهلها خيرا" السين والتاء للطلب، أي ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفي الرواية الثانية "فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها"، "فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا" الجملة تعليلية، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم وصلته، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر في الرواية الثانية النسب، لكون مارية -أم إبراهيم- منهم، وكانت سرية له صلى الله عليه وسلم [ينظر فتح المنعم بشرح صحيح مسلم].

وأخرج الطبراني والحاكم في المستدرك، وصححه ابن عبد الحكم، ومحمد بن الربيع الجيزي في كتاب: "من دخل مصر من الصحابة"، عن عمرو بن الـحَمِق رضي الله عنه، قال رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تكون فتنة، يكون أسلم الناس فيها الجند الغربي»، قال ابن الـحَمِق: "فلذلك قدمت عليكم بمصر"، وقام عمرو بن العاص رضي الله عنه على المنبر، فقال من خطبة طويلة: "... وحدثني عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة»" [أخرجه ابن عبد الحكم].

وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ» [رواه الطبراني في الكبير].

تحرير سيناء وحب الوطنإن دماء الشهداء التي روت رمال سيناء تؤكد أن الدفاع عن الوطن واجبٌ، وعن مصر أوجب الواجبات؛ فإذا كان الدفاع عن الوطن واجبا فطريا على كل إنسان، فهو على كل مسلم واجب من الواجبات الشرعية، والدفاع عن مصر خصوصًا من أوجب الواجبات، لأنها درة الإسلام، وبلد الأزهر، وبلد الأولياء، ورأس الحضارة، وغوث البلاد، وميزان الشرق الأوسط، وأم الدنيا، ومنها ينبثق كل خير إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد اختُصت عبر تاريخها بحماية الإسلام والدفاع عنه، وإرساء قيمة العدل، ومقاومة كل معتدٍ غادرٍ آثم، حتى قال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه: "ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة" [ينظر فضائل مصر المحروسة لابن يعقوب الكندي]، وقال سيدنا سعيد بن أبي هلال المتوفى ١٤٩هـ [أحد أتباع التابعين]: "مصر أم البلاد، وغوث العباد" [ينظر فضائل مصر المحروسة].

إن إصرار المصريين على استعادة سيناء ينبع من أصالة انتمائهم؛ فحب الوطن دليل على الوفاء، قال حجة الإسلام الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحب الوطن غريزة متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص" [إحياء علوم الدين].