الأوضاع الاقتصادية تسلب سودانيين سكنهم في القاهرة.. و33 يواجهون الترحيل

يواجه عشرات السودانيين المقيمين في القاهرة أزمة سكن حادة خلال الأشهر الأخيرة، إثر لجوء شركات سودانية تعمل في العاصمة المصرية إلى تسريح عمالها للتكيف مع تراجع أعمالها الناتج عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في السودان، حسبما قال مصدران مطلعان منفصلان لـ«مدى مصر». ودفعت عمليات التسريح عددًا من الأسر إلى أوضاع اقتصادية هشة، انتهت بفقدان منازلهم ومن ثم لجوئها إلى أماكن عامة للاحتماء بها، في وضع تعاملت معه السلطات المصرية مطلع الأسبوع باعتباره سببًا للتدخل الأمني. قال المصدران إن بعض الذين فقدوا وظائفهم خلال الشهرين الماضيين كانوا من بين الـ33 شخصًا، الذين أعلنت وزارة الداخلية القبض عليهم، الأحد الماضي، في بيان نشرته الوزارة مرفقًا بمقطع فيديو لأشخاص يقيمون في حديقة عامة بمدينة 6 أكتوبر في الجيزة. وقالت «الداخلية» إن قوات الأمن تحركت بعد تداول المقطع، ونفذت حملة أسفرت عن القبض عليهم، مضيفة أن من ضبطوا لم تكن بحوزتهم أوراق ثبوتية أو تصاريح إقامة. الـ33 كلهم رجال سودانيون، ويخضعون حاليًا لإجراءات الترحيل، بحسب مسؤول في السفارة السودانية بالقاهرة تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، وهو ما أيده المصدران المطّلعان محمد فرح (العامل في القاهرة) وأمجد طه (المقيم في أسوان وهو قريب أحد المحتجزين)، حيث أكدا تواصلهما مع بعض المقبوض عليهم الأحد الماضي في حديقة 6 أكتوبر، وأن كل منهما يعرف شخصيًا نحو خمسة من المحتجزين. وأوضح طه وفرح أن حالات هؤلاء الرجال هي جزء من أزمة بدأت في يوليو الماضي، بفقدان العمل، ثم فقدان السكن، وانتهت باللجوء إلى مكان عام باعتباره الخيار الأخير. وكان هؤلاء الأشخاص، الذين كثير منهم لا يملكون وثائق قانونية، يعملون لدى شركات سودانية في مصر لتوفير سلع للسوق السودانية، وفقًا للمصدرين، وتتركز مهامهم في التعبئة والتغليف والتحميل والتفريغ وغيرها من الأعمال المشابهة. وذلك في مقابل أجور هزيلة، فيما كانت الشركات توفر لهم الطعام والسكن، وغالبًا ما كان كل نحو عشرة عمال يتشاركون الغرفة الواحدة، بحسب طه وفرح. لكن مع التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار خلال الأشهر الأخيرة، تأثرت أعمال هذه الشركات، إذ تراجعت إيراداتها القادمة من السودان، في حين ظلت تكاليف تشغيلها في مصر مرتفعة. وقال طه إن بعض العمال لم يتلقوا رواتبهم لمدة وصلت إلى ثلاثة أشهر. وأغلقت بعض الشركات أعمالها أو نقلتها إلى السودان، تاركة العمال دون وظائف أو السكن الذي كانت توفره لهم. وبحسب طه وفرح، لجأ بعضهم للإقامة لدى معارف أو عمال سودانيين آخرين، أو حاولوا البحث عن مساكن منخفضة التكلفة، لكن مع ارتفاع تكاليف المعيشة، انهارت هذه الترتيبات. ومنذ أغسطس الماضي، اضطر بعضهم إلى اللجوء للأماكن العامة، فيما يواصلون البحث عن وسيلة أخرى لإعالة أنفسهم. وأكد مسؤول السفارة السودانية في القاهرة هذه الأوضاع، مضيفًا أن بعض الذين يلجأون حاليًا إلى الأماكن العامة هم أسر كذلك، بالإضافة إلى العمال الأفراد. وأكّد طه أن الحالات التي ظهرت في حدائق أكتوبر لا تمثل العدد الكامل للسودانيين الذين يواجهون صعوبة في توفير السكن، وإنما تمثل نسبة محدودة انتهت أوضاعها إلى الظهور في الأماكن العامة، مضيفًا أن الرجال المحتجزين يجري ترحيلهم دون الاستماع إلى شكاواهم، مشيرًا إلى أن أصحاب العمل استغلوا افتقارهم إلى الأوراق القانونية. وأوضح المصدران أن كثيرًا من الشباب السودانيين الذين يعرفونهما بقوا في مصر للعمل، في حين عادت أسرهم إلى السودان. وقال المصدر الدبلوماسي إن السفارة تتعامل عبر القنوات الرسمية مع حالات السودانيين الذين يواجهون مشكلات تتعلق بأوضاع إقامتهم أو الترحيل. وبينما رفض التعليق تحديدًا على أوضاع الـ33 محتجزًا، أقر بأن الظروف الاقتصادية أصبحت عاملًا مهمًا في أوضاع بعض السودانيين في مصر، مضيفًا أن الحرب أنتجت فئات من السودانيين وصلت إلى مصر باعتبارها ملاذًا مؤقتًا، ثم طال أمد وجودها مع استمرار القتال، في وقت لم يعد فيه جميع هؤلاء قادرين على العمل أو الاعتماد على مدخراتهم الأولى. وشدد المسؤول على ضرورة التمييز بين المخالفة القانونية، مثل الإقامة في مصر دون الأوراق اللازمة، وهي حالة قال إنها تستوجب الترحيل، والظروف الاجتماعية التي قد تقود إلى مخالفات، مثل العجز عن دفع الإيجار. وأوضح أن فقدان مصدر للدخل يجعل الوفاء بتكاليف السكن والإقامة القانونية أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى من لا يملكون شبكة أسرية قادرة على إعالتهم. وأضاف أنه بالنسبة إلى السودانيين الذين فقدوا وظائفهم، تصبح تكلفة تصحيح أوضاعهم القانونية جزءًا من المشكلة الاقتصادية نفسها، إذ تتطلب الإقامة أوراقًا ورسومًا وإجراءات، فيما يحتاج تأمين السكن إلى دخل منتظم أو مدخرات. وحين يفقد الشخص مصدر دخله، تضعف قدرته على الحفاظ على سكن مستقر ووضع قانوني للإقامة. وفي بعض الحالات، يمكن أن تتحول المشكلة الاقتصادية بذلك إلى مشكلة إقامة، ثم إلى خطر الترحيل. وقال طه إن العامل السوداني الذي يفقد وظيفته في مصر لا يجد عملًا بسهولة، نظرًا لأن هناك سودانيين حضروا إلى البلاد بسبب الحرب دون خطط طويلة الأجل أو خبرة كافية بسوق العمل المصرية، مضيفًا أن آخرين يواجهون منافسة شديدة على الوظائف منخفضة الأجر. ومع استمرار ارتفاع تكاليف السكن والطعام والتنقل، يصبح فقدان الراتب خطرًا مباشرًا ومُلحًا، بحسب طه. في الوقت الذي يواجه فيه كثيرون تدهورًا في أوضاعهم الاقتصادية، نفذت السلطات المصرية حملات اعتقال واسعة، حيث شهد العام الحالي ترحيل عشرات السودانيين، بدعوى مخالفة شروط الإقامة. وفي أبريل الماضي، جرى ترحيل نحو 900 سوداني كانت صدرت بحقهم قرارات ترحيل، وفق مسؤول السفارة. وكانت السفارة السودانية في القاهرة حثت مواطنيها في فبراير الماضي على الالتزام بالاشتراطات القانونية الخاصة بالإقامة في مصر. وقال مسؤول السفارة إن السفارة على علم بحالات أشخاص ينامون في المقابر، أو أسفل الكباري، أو بالقرب من مكبات القمامة، مضيفًا أنه عندما تتمكن السفارة من التواصل معهم، تعمل على ترتيب عودتهم عبر برنامج «العودة الطوعية». منذ مطلع 2025، نقلت حملة «العودة الطوعية» التي تنظمها الخرطوم مئات الآلاف من السودانيين من مصر إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش السوداني. وتُرتب هذه الرحلات بتنسيق بين لجان «العودة الطوعية» التي يقودها سودانيون في مصر، والسلطات السودانية، والجهات المصرية. وقال منسق في حملة «العودة الطوعية» لـ«مدى مصر» إن السفارة تتابع الحالات التي تصل إليها عبر القنوات القنصلية، لكنه أشار إلى أن قدرتها على الوصول إلى جميع الحالات محدودة، خصوصًا عندما لا يتواصل الأشخاص الذين يواجهون ظروفًا صعبة مع السفارة أو ينتقلون بصورة متكررة بين أماكن مختلفة. وأضاف إن بعض الحالات تبدأ كمشكلات تتعلق بالعمل أو الدخل، ثم تتطور إلى أزمات في السكن والإقامة. وفي بعض الحالات، ينتهي الأمر إلى تدخل قانوني أو قنصلي بسبب بلاغات يتقدم بها السكان. وقالت وزارة الداخلية، في بيانها الأحد الماضي، إنها تحركت بناءً على مقطع فيديو «تضمن التضرر من افتراش عدد من الأشخاص» للحدائق العامة، وسط مطالبات للسلطات بالتدخل خاصة عقب انتشار صور لأشخاص يتخذون حدائق عامة ملاذًا للسكن انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال نهاية الأسبوع الماضي.The post الأوضاع الاقتصادية تسلب سودانيين سكنهم في القاهرة.. و33 يواجهون الترحيل first appeared on Mada Masr.