الأهلي.. من «ذاكرة البطل» إلى أزمة الهوية.. من هدم القلعة؟

القلعة التي توجت بطلاً للنخبة الآسيوية مرتين متتاليتين، تتصدع اليوم تحت أسئلة الهوية والقرار الفني. كيف فقد الأهلي تماسكه بهذه السرعة، ومن يتحمل مسؤولية تفكيك ما صنع قوته. خسر الأهلي أمام ماميلودي صن داونز 1-2، وكشفت دقائق بريتوريا الـ90 مساحة فنية آخذة في الاتساع بين الفريق الحالي والنسخة التي صنعها الألماني ماتياس يايسله.جاءت الأرقام أكثر قسوة من النتيجة؛ 29% استحواذ للأهلي مقابل 71%، و188 تمريرة صحيحة أمام 469، وتسديدة واحدة على المرمى مقابل 6، في مشهد وضع بطل آسيا أمام اختبار يتجاوز خسارة كأس إلى سؤال أكبر عن هويته الجديدة.الأهلي الذي اعتاد خلال المواسم الأخيرة اللعب بشخصية تنافسية صلبة، ظهر أمام بطل أفريقيا بعيداً عن السيطرة، وقضى الجزء الأكبر من المباراة في مطاردة الكرة ومقاومة إيقاع المنافس. وهنا تكتسب الخسارة قيمتها النقدية؛ فالنتيجة تقول 2-1، بينما تقول تفاصيل المباراة إن مشروع المدرب مارينو بوسيتش ما زال في مرحلة البحث عن الصيغة التي تمنح هذا الفريق شخصية واضحة.ومن هذه النقطة تبدأ المقارنة مع يايسله، بين فريق وصل معه إلى مرحلة يعرف فيها كيف يدير أزماته، وفريق جديد يملك الجودة والأسماء، لكنه يبحث عن الطريقة التي يحول بها هذه الجودة إلى منظومة. بوسيتش.. الفكرة تسبق الفريقوصل بوسيتش إلى جدة وفي رصيده تجربة مع شاختار دونيتسك، حاملاً فلسفة تميل إلى المبادرة والضغط والاستحواذ. وبعد نحو 11 مباراة رسمية، سجل الأهلي تحت قيادته 6 انتصارات وتعادلاً و4 هزائم، بنسبة فوز تقارب 55%.هذه النسبة تبقى مقبولة في بداية مشروع جديد، لكن القراءة الأعمق تبدأ من طبيعة المباريات التي تعثر خلالها الفريق. فكلما ارتفعت حدة الاختبار، ظهرت صعوبة الأهلي في المحافظة على إيقاع ثابت، وتراجعت قدرته على التحكم بمساحات الملعب، وازدادت حاجته إلى الحلول الفردية.مباراة صن داونز قدمت النموذج الأكثر وضوحاً. فارق 281 تمريرة صحيحة بين الفريقين يعني أن الأهلي عاش زمناً طويلاً خارج الكرة. وحين يفقد فريق يريد مدربه المبادرة أكثر من ثلثي الاستحواذ، يصبح التناقض واضحاً بين الفكرة التي يريدها الجهاز الفني وما ينتجه الملعب. يايسله.. من فريق الأسماء إلى فريق الشخصية تجربة يايسله مرت بدورها بالتذبذب والنقد، لكن منحناها البياني اتجه تدريجياً إلى الأعلى. وخلال 69 مباراة في الدوري عبر موسمين قبل موسمه الأخير، سجل الألماني 41 انتصاراً و12 تعادلاً و16 خسارة، بنسبة انتصارات قاربت 59%.لاحقاً، وصل الأهلي معه إلى مرحلة أكثر نضجاً، وحقق 13 انتصاراً خلال 14 مباراة في واحدة من أقوى فتراته المحلية.القيمة الأهم تجاوزت الأرقام. يايسله نقل الأهلي تدريجياً من فريق يعتمد على جودة أسمائه إلى فريق يمتلك ما يمكن وصفه بـ«ذاكرة الانتصار»؛ القدرة على البقاء داخل المباراة عندما تتغير ظروفها.أمام فيسيل كوبي، قلب الأهلي تأخره إلى انتصار 2-1 في نصف النهائي الآسيوي، وفي النهائي أمام ماتشيدا تعامل مع النقص العددي خلال جزء من الوقت الإضافي وحافظ على تقدمه 1-0. هنا تشكلت شخصية فريق يعرف كيف يدير الأزمة بدلاً من أن تديره الأزمة. 55% و59%.. أرقام متقاربة وقصتان مختلفتان رقمياً، تبدو المسافة محدودة: نحو 55% انتصارات لبوسيتش في بدايته، مقابل قرابة 59% ليايسله خلال أول موسمين في الدوري. لكن النسب المجردة تخفي الفارق الأهم. الأهلي في نسخته الناضجة مع يايسله امتلك مرونة أكبر في الانتقال بين حالات المباراة؛ يستطيع الهجوم ثم التراجع، أو فقدان الاستحواذ مع الاحتفاظ بخطورته، أو استقبال الضغط من دون فقدان توازنه بالكامل.أما نسخة بوسيتش فما زالت تتأرجح بين فكرتها النظرية وتنفيذها. توظيف جالينو في مركز الظهير الأيسر أمام صن داونز قدم مثالاً على ذلك؛ جناح يملك السرعة والاختراق وجد نفسه بعيداً عن المناطق التي تمنحه تأثيره الأكبر، بينما كان الفريق يبحث عن طريق إضافي نحو مرمى المنافس.وهنا يصبح السؤال الفني أكثر أهمية من صحة تغيير واحد: هل تمنح تدخلات بوسيتش الأهلي حلولاً إضافية، أم تدفع الفريق أحياناً إلى التخلي عن بعض نقاط قوته لمعالجة مشكلات أخرى؟ 71 مقابل 29.. أزمة تتجاوز الاستحواذ رقم 71% مقابل 29% يستحق الوقوف عنده، بعيداً عن الاعتقاد بأن الاستحواذ وحده يصنع الانتصار. القضية تتعلق بهوية الفريق. حين يملك المنافس الكرة بهذه النسبة، ويسجل 469 تمريرة صحيحة مقابل 188، ويسدد على المرمى 6 مرات مقابل مرة واحدة، فإن الصورة تتجاوز اختيار اللعب المباشر أو الدفاع المتأخر. الأرقام تكشف فريقاً عانى في فرض شروطه وفي إجبار المنافس على اللعب بالطريقة التي يريدها.وهذا تحديداً ما يفترض أن يكون جوهر مشروع بوسيتش: أن يصبح الأهلي صاحب المبادرة، لا الفريق الذي ينتظر شكل المباراة الذي يفرضه الآخر. فريق جديد تحت معيار قديم المقارنة تحتاج أيضاً إلى إنصاف المدرب الجديد. بوسيتش استلم قائمة مختلفة، وغادر لاعبون مؤثرون يتقدمهم رياض محرز وفرانك كيسيه، ودخلت عناصر جديدة تحتاج إلى الوقت لبناء العلاقات الفنية داخل الملعب. لكن الأهلي نفسه تغير أيضاً من حيث سقف الطموح.بوسيتش ورث فريقاً اعتاد البطولات الكبرى، وبلغ مرحلة أصبح فيها الفوز جزءاً من هويته التنافسية. ولهذا يصبح هامش التجربة أضيق، وتتحول كل مباراة كبيرة إلى اختبار لمدى قدرة المشروع الجديد على المحافظة على المكتسبات قبل إضافة أفكاره الخاصة. بوسيتش.. معركة صناعة الهوية المطلوب من بوسيتش يتجاوز إعادة إنتاج تجربة يايسله؛ فلكل مدرب فلسفته وأدواته، كما أن الأهلي الحالي يختلف في تركيبته عن الفريق السابق. التحدي يكمن في صناعة هوية جديدة من دون إهدار أهم ما راكمته السنوات الماضية: شخصية المنافس، والقدرة على إدارة اللحظات الصعبة، والإيمان بأن المباراة تبقى قابلة للحسم مهما تغير مسارها.الأهلي الحالي يملك المهارة والسرعة والحلول الفردية، فيما تبقى المنظومة في حاجة إلى مزيد من الثبات. يظهر قوياً عندما تسير المباراة وفق شروطه، وتزداد مشكلاته عندما ينجح المنافس في تغيير الإيقاع وفرض سيناريو مختلف. وهنا تكمن دلالة بريتوريا.يايسله ترك فريقاً تعلم كيف يعيش داخل الأزمة حتى يعبرها، وبوسيتش ما زال في مرحلة بناء فريق يعرف كيف يمنع الأزمة من تغيير شخصيته.وبين 55% من الانتصارات في بداية المشروع الجديد وذاكرة فريق اعتاد الوقوف على منصات آسيا، تتحدد معركة بوسيتش الحقيقية: ليست مطاردة نسخة يايسله، بل صناعة أهلي جديد يملك هوية واضحة بما يكفي حتى تصبح المقارنة مع الماضي أقل حضوراً من الحديث عن مستقبله. أرقام بين عهدين11 مباراة: بداية بوسيتش الرسمية تقريباً.6 انتصارات: مقابل تعادل و4 هزائم.55%: نسبة انتصارات المدرب الجديد تقريباً.29%: استحواذ الأهلي أمام صن داونز.188 مقابل 469: التمريرات الصحيحة.1 مقابل 6: التسديدات على المرمى.41 فوزاً في 69 مباراة: حصيلة يايسله في الدوري خلال موسمين قبل موسمه الأخير.13 انتصاراً في 14 مباراة: إحدى أقوى مراحل الأهلي معه.بطولتان آسيويتان متتاليتان: السقف الذي ورثه المشروع الجديد.