في تاريخنا الثقافي الحديث، ثمة شخصيات لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لأنها زرعت بذور النهضة المعرفية في وقت كانت فيه البذور عزيزة والماء شحيحا. ومن هذه الشخصيات الوطنية الوفية الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود، -رحمه الله تعالى- الذي ارتبط اسمه بأول مكتبة عامة في مدينة الرياض، فصار رمزا للتأسيس الثقافي في بدايات المجتمع السعودي.
في حقبة الخمسينيات الهجرية من القرن الفائت، كانت الرياض مدينة تتشكل ملامحها الحديثة، والكتاب فيها قليل، والمكتبات نادرة. في هذا السياق، بادر الأمير مساعد بن عبدالرحمن إلى إنشاء مكتبة عامة في منزله.. لم تكن المكتبة مجرد خزانة كتب، بل كانت فضاء معرفيا مفتوحا لطلاب العلم والزوار، يجدون فيه الكتاب والمخطوطة والصحيفة، ويجدون صاحبه يستقبلهم ويسأل عن حاجاتهم العلمية.
وقد حرص الأمير الراحل بفكر مستنير كان متقدما على عصره بعدة عقود زمنية كما وصفه الإعلامي الشهير الراحل د. «عبدالرحمن الشبيلي» -رحمه الله - وكان بحق رائدا ثقافيا حرص على تزويد المكتبة بكل جديد يصدر من الكتب فور وصوله، وكان يعلن عن الإصدارات الجديدة على مدخلها، في تقليد ثقافي مبكر يعكس وعيا بأهمية النشر والتوعية المعرفية. ولم يقتصر الأمر على إتاحة الكتب، بل امتد إلى استقبال رواد العلم والثقافة، حيث كان من بين مرتاديها أسماء بارزة في المشهد الثقافي السعودي، يتبادلون الحديث في الفكر والأدب والشأن العام.
لم تكن هذه المبادرة الثقافية منفصلة عن تكوين الأمير مساعد الشخصي. فقد تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب الرياض، ثم درس على يد كبار علماء عصره، فنشأ على حب العلم وتقدير العلماء. وقد وصفه من عاصروه بأنه كان واسع الثقافة، متنوع المعارف، لا يمل من السؤال والمناقشة، حتى في المسائل الفقهية والقانونية والاقتصادية، وكثيرا ما كان يستدرج ذوي الاختصاص إلى نقاش يحرجهم بعمق سؤاله ودقة ملاحظته.
ولم يتوقف شغفه بالمعرفة عند حدود العربية، بل حرص على تعلم اللغة الإنجليزية، وتابع المحاضرات الفكرية عبر الإذاعة، في سعي دائم إلى التطوير الذاتي. هذا التكوين الثقافي العميق انعكس لاحقا على مسيرته الإدارية، حيث شغل مناصب عليا في الدولة، من بينها رئاسة ديوان المظالم وديوان المراقبة العامة، ووزارة الداخلية والمالية، فجمع بين الحكمة الإدارية والرؤية الثقافية.
لقد جسد الأمير مساعد بن عبدالرحمن-رحمه الله - نموذجا فريدا للارتباط بين المسؤولية العامة والبناء الثقافي. فبالنسبة له، لم تكن الوظيفة الحكومية منفصلة عن مسؤولية النهوض بالمجتمع معرفيا وثقافيا، بل كانت امتدادا لها. ومن هنا يأتي التقدير المتجدد لإسهاماته، وآخرها إطلاق اسمه على «الجامعة السعودية الإلكترونية»، تكريما لرجل كان متقدما على عصره بعدة عقود من الزمن.
إن الحديث هنا في «الجزيرة الثقافية» عن الأمير مساعد بن عبدالرحمن ليس مجرد استذكار لشخصية تاريخية.. بل هو استدعاء لنموذج ثقافي يحتاج إليه حاضرنا: رجل آمن بأن المعرفة حق للجميع، وأن المكتبة ليست ترفا بل ضرورة، وأن (البناء الحضاري) يبدأ من الكتاب ومن إتاحته للناس.
وهذا الإرث الثقافي، الذي غرس في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز-طيب الله ثراه -، لا يزال يثمر كلما تذكرنا أن الثقافة رسالة، وأن المكتبات ليست جدرانا وأرففا، بل عقولا تفتح وأجيالا تبنى.
فمن رفوف مكتبة صغيرة في حي من أحياء الرياض القديمة.. إلى قاعات (جامعة) تحمل اسمه اليوم، تمتد حكاية رجل آمن بأن الكتاب أشرف ما تهدى إليه الأمم، وأن إتاحته للناس واجب لا منة فيه.
لم يكن الأمير مساعد بن عبدالرحمن وزيرا فقط، ولا أميرا فقط، بل كان (مؤسسة ثقافية) تسير على قدمين، تفتح أبوابها لكل طالب علم، وتصغي لكل رأي، وتحتفي بكل جديد في عالم المعرفة.
وإذا كانت الجامعات تبنى بالطوب والحديد، فإنها تحيى بالروح التي غرسها أمثال هذا الرجل: روح السؤال، وحب الاطلاع، والانفتاح على الآخر، والإيمان بأن العلم لا يتوقف عند جيل.
واليوم، ونحن نقرأ اسمه على صرح تعليمي حديث، ندرك أن التكريم الحقيقي ليس في اللافتة، بل في أن تظل رسالته (حية).. أن تكون المعرفة في متناول الجميع، وأن تبقى الرياض عاصمة الثقافة.. وفية لأول من فتح فيها نافذة على العالم.
رحم الله الأمير (مساعد بن عبدالرحمن)، فقد ترك لنا مكتبة، وترك لنا معنى المكتبة، وترك لنا درسا في أن بناء الإنسان يبدأ من صفحة كتاب.
في تاريخنا الثقافي الحديث، ثمة شخصيات لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لأنها زرعت بذور النهضة المعرفية في وقت كانت فيه البذور عزيزة والماء شحيحا. ومن هذه الشخصيات الوطنية الوفية الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود، -رحمه الله تعالى- الذي ارتبط اسمه بأول مكتبة عامة في مدينة الرياض، فصار رمزا للتأسيس الثقافي في بدايات المجتمع السعودي.
في حقبة الخمسينيات الهجرية من القرن الفائت، كانت الرياض مدينة تتشكل ملامحها الحديثة، والكتاب فيها قليل، والمكتبات نادرة. في هذا السياق، بادر الأمير مساعد بن عبدالرحمن إلى إنشاء مكتبة عامة في منزله.. لم تكن المكتبة مجرد خزانة كتب، بل كانت فضاء معرفيا مفتوحا لطلاب العلم والزوار، يجدون فيه الكتاب والمخطوطة والصحيفة، ويجدون صاحبه يستقبلهم ويسأل عن حاجاتهم العلمية.
وقد حرص الأمير الراحل بفكر مستنير كان متقدما على عصره بعدة عقود زمنية كما وصفه الإعلامي الشهير الراحل د. «عبدالرحمن الشبيلي» -رحمه الله - وكان بحق رائدا ثقافيا حرص على تزويد المكتبة بكل جديد يصدر من الكتب فور وصوله، وكان يعلن عن الإصدارات الجديدة على مدخلها، في تقليد ثقافي مبكر يعكس وعيا بأهمية النشر والتوعية المعرفية. ولم يقتصر الأمر على إتاحة الكتب، بل امتد إلى استقبال رواد العلم والثقافة، حيث كان من بين مرتاديها أسماء بارزة في المشهد الثقافي السعودي، يتبادلون الحديث في الفكر والأدب والشأن العام.
لم تكن هذه المبادرة الثقافية منفصلة عن تكوين الأمير مساعد الشخصي. فقد تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب الرياض، ثم درس على يد كبار علماء عصره، فنشأ على حب العلم وتقدير العلماء. وقد وصفه من عاصروه بأنه كان واسع الثقافة، متنوع المعارف، لا يمل من السؤال والمناقشة، حتى في المسائل الفقهية والقانونية والاقتصادية، وكثيرا ما كان يستدرج ذوي الاختصاص إلى نقاش يحرجهم بعمق سؤاله ودقة ملاحظته.
ولم يتوقف شغفه بالمعرفة عند حدود العربية، بل حرص على تعلم اللغة الإنجليزية، وتابع المحاضرات الفكرية عبر الإذاعة، في سعي دائم إلى التطوير الذاتي. هذا التكوين الثقافي العميق انعكس لاحقا على مسيرته الإدارية، حيث شغل مناصب عليا في الدولة، من بينها رئاسة ديوان المظالم وديوان المراقبة العامة، ووزارة الداخلية والمالية، فجمع بين الحكمة الإدارية والرؤية الثقافية.
لقد جسد الأمير مساعد بن عبدالرحمن-رحمه الله - نموذجا فريدا للارتباط بين المسؤولية العامة والبناء الثقافي. فبالنسبة له، لم تكن الوظيفة الحكومية منفصلة عن مسؤولية النهوض بالمجتمع معرفيا وثقافيا، بل كانت امتدادا لها. ومن هنا يأتي التقدير المتجدد لإسهاماته، وآخرها إطلاق اسمه على «الجامعة السعودية الإلكترونية»، تكريما لرجل كان متقدما على عصره بعدة عقود من الزمن.