لا تُقاس قوة الخطاب السياسي بكثرة ما يحمله من معلومات أو بما يزدحم فيه من عبارات يمكن أن تستوقف المتلقي لحظة ثم تغادر ذاكرته سريعًا، وإنما تقاس بقدرته على بناء الاقتناع من داخل اللغة نفسها عبر ترتيب الأدلة وربط الأسباب بنتائجها ووضع الأرقام في مواضعها الصحيحة وإعادة السياسات الكبرى إلى أثرها المباشر في حياة الإنسان، وهذا ما ظهر بوضوح في الخطاب الملكي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس الشورى، فقد جاءت اللغة متدرجة في بنائها ومتماسكة في حججها ومتصلة في انتقالاتها بحيث لا يشعر المتلقي أنه أمام موضوعات اقتصادية وسياسية وأمنية متفرقة، وإنما أمام رؤية واحدة تبدأ من تاريخ الدولة وهويتها ثم تتحرك نحو حاضرها ومنجزاتها قبل أن تصل إلى مستقبلها وقدرتها على حماية ما حققته.
بدأ الخطاب من تاريخ الدولة الذي يقترب من ثلاثة قرون، ومن القيم التي قامت عليها، ومن التوحيد والعدل والهوية الوطنية التي ازدادت رسوخًا مع امتداد هذا التاريخ، وهذه البداية لم تكن عودة احتفالية إلى الماضي بقدر ما كانت استراتيجية تأصيل حجاجي تجعل الجذور مقدمة لما سيأتي بعدها من حديث عن التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة، فالدولة التي تتجه اليوم إلى الاقتصاد الجديد والاستثمار والتقنية وتعيد بناء قطاعاتها وفق متطلبات المستقبل لا تقدم هذا التحول بوصفه انفصالًا عن تاريخها، وإنما تقدمه امتدادًا لدولة تعرف جذورها جيدًا وتحافظ على ثوابتها في الوقت الذي تغير فيه أدواتها وتوسع طموحاتها وتبني قدرتها على المنافسة في عالم سريع التحول.
ويأتي الرابط الحجاجي (وهو ما جعل) ليكشف أن ترتيب هذه المعاني لم يكن ترتيبًا وصفيًا قط، لأن الخطاب ينتقل بواسطته من رسوخ الإرث والقيم إلى ازدياد تمسك المواطن بعقيدته وهويته الوطنية في علاقة تجعل النتيجة متولدة من مقدمتها، وهكذا يتشكل أول سلم حجاجي في النص من تاريخ ممتد يمنح القيم رسوخها ومن قيم راسخة تمنح الهوية قوتها ومن هوية قوية تمنح المواطن شعورًا أعمق بالانتماء، لتصبح العلاقة بين التاريخ والهوية علاقة استدلال لا مجرد علاقة زمنية بين ماضٍ مضى وحاضر قائم.
ثم ينتقل الخطاب من حجة التاريخ إلى حجة الرقم في حركة محسوبة تغير أداة الإقناع من استدعاء الجذور إلى إثبات النتائج، فعندما يذكر أن مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات رؤية 2030 حققت 93% من مستهدفاتها وأن الصادرات غير النفطية سجلت نموًا بنسبة 155 % مقارنة بعام 2016 وأن مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد ارتفعت إلى 51 %، فإنه لا يكتفي بوصف التحول بأنه كبير أو واسع أو غير مسبوق وإنما يضع أمام المتلقي رقمًا يستطيع أن يقيس من خلاله حجم هذا التحول، في هذا يتحول الرقم من قيمة حسابية مجردة إلى حجة سياسية واقتصادية تختصر كثيرًا من الكلام وتضع الدليل بجوار الفكرة مباشرة وتمنح الخطاب قدرة أكبر على الانتقال من لغة الوصف إلى لغة البرهان.
ولا تأتي هذه الأرقام منفصلة بحيث ينتهي أثر كل رقم بمجرد ذكره، وإنما تتراكم داخل سلم حجاجي تصاعدي تبدأ درجاته بتحقق مستهدفات الرؤية ثم تنتقل إلى نمو الصادرات غير النفطية ثم إلى ارتفاع مساهمة القطاع الخاص ثم إلى التقدم في المؤشرات الرقمية والتقنية والجاذبية الاستثمارية، وكل درجة في هذا السلم تضيف قوة إلى الدرجة السابقة حتى يصل المتلقي إلى نتيجة أوسع من الأرقام نفسها، وهي أن التحول الاقتصادي لم يعد مشروعًا يتحدث عن المستقبل فقط، وإنما أصبح مسارًا يمكن الاستدلال على تقدمه من خلال مجموعة من المؤشرات التي تتساند فيما بينها وتدفع جميعها في اتجاه نتيجة واحدة.
غير أن الخطاب لا يسمح للأرقام بأن تستحوذ على صورة الإنجاز كلها، لأنه يعيدها مباشرة إلى المواطنين والمواطنات عندما يجعل أداءهم وكفاءتهم أصلًا من أصول النجاح الذي تحقق، وهذه النقلة تمثل استراتيجية أنسنة الحجة التي تمنع التنمية من أن تتحول إلى قصة مؤشرات مجردة، وتجعل الإنسان حاضرًا في قلبها باعتباره صانعًا للنتيجة قبل أن يكون مستفيدًا منها، فالرؤية تحدد الاتجاه والمؤسسات تبني البرامج والموارد توفر الإمكانات لكن المواطن بكفاءته وعمله هو الذي يحول كل ذلك إلى واقع، ولذلك يصبح الإنسان نفسه جزءًا من البرهان على نجاح التحول لا مجرد شخص ينتظر ثماره في نهاية الطريق.
ويعتمد الخطاب بصورة واضحة على استراتيجية التعليل التي تجعل كل سياسة مرتبطة بسببها أو نتيجتها أو غايتها من خلال روابط مثل (بما يسهم) و(بما يحقق) و(بما يحفظ) و(لتحقيق) و(لتكون) و(ليكونوا)، وهذه الروابط على صغر حجمها اللغوي تحمل وظيفة حجاجية كبيرة لأنها تجعل الأفكار متصلة بعضها ببعض ولا تسمح للقرار بأن يظهر معزولًا عن الغاية التي صدر من أجلها، فالاستثمار في رأس المال البشري يرتبط بتعظيم فرص المواطنين في دخول سوق العمل والمنافسة فيه وتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا يرتبط بالحفاظ على قدرة الدولة على تمويل أولويات التنمية والإصلاح العقاري يرتبط بتوفير خيارات أكثر للمواطنين وتعزيز كفاءة السوق ورفع نسبة التملك، وبذلك يتحرك الخطاب في مسار متصل يبدأ بالقرار ثم يشرح سببه ثم يكشف أثره ثم يصل إلى الغاية التي تمنحه قيمته.
ومن أعمق التراكيب الحجاجية في الخطاب قول سموه: إن التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون وإنما القدرة على التكيف مع المتغيرات، لأن هذه العبارة لا تقدم تعريفًا للتخطيط فقط وإنما تستبق فهمًا يمكن أن يتشكل في ذهن المتلقي ثم تعيد بناءه من جديد، فتركيب (لا يعني... وإنما) يهدم تصورًا أوليًا يرى التخطيط التزامًا ثابتا بما وضع سابقًا ثم يقدم تصورًا مختلفًا يرى أن قوة التخطيط تكمن في وضوح الغاية مع القدرة على تغيير الوسائل كلما تغيرت الظروف، وبهذا تصبح المرونة جزءًا من قوة الخطة لا خروجًا عليها، ويصبح التعامل مع الأحداث المفاجئة اختبارًا لجودة التخطيط لا دليلًا على تعثره.
وتتسع هذه الحجة أكثر عندما يجعل الخطاب الظروف الإقليمية والعالمية المتغيرة نفسها دليلًا على أهمية الإصلاحات السابقة وعلى قدرة الاقتصاد والمؤسسات على التعامل مع الأزمات، وهذه استراتيجية قلب للحجة تستحق التوقف عندها لأن ما يمكن أن يستخدم دليلًا على صعوبة تنفيذ الخطط طويلة المدى يتحول داخل الخطاب إلى دليل على قوتها، فالأزمة لا تعني بالضرورة أن الخطة أخفقت وإنما قد تكشف مقدار المرونة التي بنتها والإصلاحات لا تقاس فقط في الظروف المستقرة وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عندما تتغير الأسواق وتضطرب سلاسل الإمداد وتزداد التحديات وتحتاج الدولة إلى مؤسسات قادرة على الاستجابة من دون أن تفقد اتجاهها الأساسي.