الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف في جامعة الملك سعود – د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي

ثمة خيارات لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ إذ يكفي النظر إلى المسار المهني الذي سلكه الشخص المُعيَّن لندرك أن القرار يعكس رؤيةً تتجاوز بكثير حدود المنصب ذاته. ويأتي انضمام الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف - الذي شملت مسيرته العمل الأكاديمي، وأمانة الرياض، ووزارتي الدفاع والداخلية - إلى جامعة الملك سعود في توقيت يستدعي فيه هذا التعيينُ بحد ذاته وقفة للتأمل.

في وقت يتحول فيه دور الجامعات الكبرى من مجرد مؤسسات تعليمية إلى منصات لإنتاج المعرفة والابتكار والتنمية، يحمل تعيين الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف رئيسًا لمجلس إدارة جامعة الملك سعود دلالة تتجاوز مجرد كونه تعيينًا إداريًا. فبعد أن بدأ مسيرته الأكاديمية في جامعة الملك سعود -قبل أن ينتقل إلى أمانة مدينة الرياض وتولى أدوار تنفيذية واكتساب خبرات واسعة في التخطيط والتنمية وصناعة القرار- يعود اليوم بصفة جديدة: رئيسًا لمجلس الإدارة. وهو يتولى هذا الدور في لحظة تدخل فيها الجامعة مرحلة مؤسسية جديدة تتطلب قيادة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التنفيذية والرؤية الإستراتيجية. وعليه، فإن السؤال الأهم ليس «من هو الأمير عبد العزيز بن عياف؟»، بل: لماذا وقع عليه الاختيار في هذا التوقيت بالذات؟ وما الذي يمكن أن تقدمه خبرته لجامعة الملك سعود وللدور المأمول منها في مستقبل الرياض والمملكة؟يكتسب دور الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف، بصفته مستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين، أهميةً خاصة عند استعراض مسيرته المهنية وخبراته؛ إذ يعكس هذا الدور مستوىً من الثقة الملكية المستندة إلى خبرات تراكمت عبر أدوار أكاديمية وإدارية وقيادية، فضلًا عن انخراطه المباشر في المبادرات التنموية وعمليات صنع القرار. وعليه، لا يمكن النظر إلى حضوره في المشهد الجامعي بمعزل عن هذه الخبرة الواسعة؛ بل يُعد ذلك امتدادًا لمسيرة مهنية جمعت بين المعرفة الأكاديمية والإدارية والعمل التنموي، إلى جانب فهم عميق لآليات العمل المؤسسي والدور الذي تؤديه مثل هذه المؤسسات في تحقيق أهداف الدولة.

لم تبدأ العلاقة بين الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف وجامعة الملك سعود مع توليه رئاسة مجلس إدارتها؛ بل تعود جذورها إلى سنوات تكوينه الأكاديمي والمهني. إنه أحد أبناء الجامعة؛ فقد درس فيها الهندسة المعمارية وعاد إليها لاحقًا كأكاديمي، حيث ترأس قسم التخطيط العمراني في كلية العمارة والتخطيط، قبل أن تتسع آفاق خبرته لتشمل مجالات الإدارة والتنمية والقيادة التنفيذية. وتمنحه هذه الخلفية ميزة كبيرة؛ فهو لا ينظر إلى الجامعة من الخارج، ولا يتعامل معها ككيان إداري بحت، بل هو على دراية عميقة ببيئتها الأكاديمية، ويدرك طبيعة التفاعل بين التعليم والبحث العلمي، ويُقدّر مكانة جامعة الملك سعود كمؤسسة ذات تاريخ عريق وثقل علمي وقيمة وطنية هائلة. والأهم من ذلك، أن هذه المعرفة تتجاوز حدود الجامعة ذاتها؛ فقد غادر البيئة الأكاديمية إلى ميدان أوسع، مكتسبًا خبرة عملية في إدارة مدينة كبرى، ثم تولى مهام أعلى في وزارتي الدفاع والداخلية، ليعود اليوم إلى الجامعة محملًا بخبرات تراكمت عبر مجالات متنوعة. وهنا تكمن قيمة عودته: فهو لا يعود إلى الجامعة بنفس الخبرة التي كان يمتلكها حين غادرها، بل يعود مزودًا بالخبرات التي اكتسبها بعد رحيله عنها.

من الجامعة إلى الرياض... والعودة بخبرة المدينة

تُعد فترة تولي الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف مهام منصبه في أمانة منطقة الرياض محطة مفصلية في مسيرته المهنية؛ إذ وضعته في صلب عمليات التخطيط العمراني والتطوير وإدارة النمو في مدينة تشهد تحولات متسارعة. وقد أكسبته هذه التجربة فهمًا عمليًا لطبيعة المدينة واحتياجاتها وهي رؤى تكتسب أهمية خاصة في ظل سعي الرياض لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد والمعرفة. ومن هنا، تبرز فرصة لتعزيز العلاقة بين الجامعة والمنظومة التنموية المحيطة بها، بما يضمن تحويل المعرفة والبحث والابتكار إلى ركائز فاعلة في مسيرة تقدم المدينة وصياغة مستقبلها.

من جامعة في الرياض لجامعة تصيغ مستقبل الرياض

قد تكون هذه واحدة من أهم الرؤى لفهم هذه المرحلة الجديدة؛ إذ لا ينبغي قياس دور جامعة الملك سعود بمجرد ما يدور داخل أسوارها، بل بالقيمة التي تضيفها إلى المدينة والاقتصاد والمجتمع. فبإمكان الجامعة أن تكون شريكًا في معالجة التحديات التي تواجهها مدينة الرياض من خلال البحث العلمي والابتكار وتنمية المواهب والشراكات، محولةً بذلك المعرفة بفعالية إلى حلول عملية. ونتيجة لذلك، تتجاوز العلاقة بين الجامعة والمدينة مجرد القرب المكاني لتصبح علاقة تأثير متبادل؛ فالمدينة توفر ميدانًا واسعًا لتطبيق المعرفة، بينما تسهم الجامعة بنتاجها العلمي وخبراتها في تشكيل مستقبل المدينة، قد تمنح تجربة الأمير عبدالعزيز بن عياف في الرياض فهمًا عمليًا للتحدي الذي تواجهه الجامعة: وهو كيفية الانتقال من مجرد مؤسسة تعليمية كبرى داخل مدينة عالمية، إلى كيان يصيغ بفاعلية المكانة العالمية لتلك المدينة.

تجربة التعليم العالي: الحلقة المكملة للمشهد

إذا كانت تجربة جامعة الملك سعود قد منحت الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف جذوره الأكاديمية، وتجربة الرياض قد زودته بالخبرة في التخطيط العمراني والتطوير، فإن رئاسته لمجلس أمناء جامعة الأمير سلطان تضيف بُعدًا ثالثًا جوهريًا: الخبرة المباشرة في حوكمة مؤسسات التعليم العالي. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها. إن التعامل مع الجامعة من منظور مجلس الأمناء يختلف عن العمل ضمن كوادرها الأكاديمية؛ فهو يتطلب النظر إلى المؤسسة من زاوية إستراتيجية تشمل توجهاتها، واستدامتها، وجودتها، وشراكاتها، وقدرتها على النمو والمنافسة. وبناءً على ذلك، فإن تجربة الأمير عبدالعزيز بن عياف في جامعة الأمير سلطان تعني أنه يتولى رئاسة مجلس جامعة الملك سعود ليس فقط بصفته أكاديميًا أو مسؤولًا حكوميًا سابقًا، بل بصفته صاحب خبرة عملية في الحوكمة رفيعة المستوى لمؤسسات التعليم العالي. وهنا تكتمل الصورة: أكاديمي يدرك طبيعة الجامعة، ومخطط يفهم المدينة، ومسؤول يعي شؤون الدولة، وقائد يتمتع بخبرة في حوكمة التعليم العالي. وهذا المزيج يجعل اختياره متوافقًا تمامًا مع متطلبات المرحلة الراهنة.

ارتبطت جهود الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف في مدينة الرياض ارتباطًا وثيقًا بمفهوم «أنسنة المدن»؛ وهو نهج يضع الفرد في صميم عمليات التخطيط والتطوير وتحسين جودة الحياة. واللافت أن هذه الرؤية تمتد -وإن اختلفت صورُها- لتشمل البيئة الجامعية؛ فالجامعة الحديثة ليست مجرد مجموعة من المباني والبرامج، بل هي منظومة متكاملة تُمكّن الطلاب من التعلم، والباحثين من إنتاج المعرفة، والمبتكرين من تحويل الأفكار إلى قيمة ملموسة، والخريجين من المنافسة على الساحة العالمية. وفي هذا السياق، يمثل الفرد نقطة الالتقاء بين المدينة والجامعة؛ ومن ثم، يبرز مفهوم «أنسنة الجامعة» بوصفه امتدادًا لمبدأ أوسع، مفاده أن المؤسسات أُنشئت لخدمة الناس، وأن الإنسان هو -في آن واحد- المحركُ للتنمية وغايتُها الأسمى.

ولماذا اتُّخذ هذا القرار في هذا التوقيت بالذات؟