الأميرة مها بنت محمد الفيصل: حين تتعانق المعرفة وجماليات الحضارة – د. عبدالحق عزوزي

ليست الثقافة مجرد تراكم للمعارف، ولا هي ترف ذهني يمارسه الإنسان في أوقات فراغه، وإنما هي، في أرقى تجلياتها، طريقة في النظر إلى العالم، وموقف من التاريخ، وانشغال دائم بأسئلة الإنسان والحضارة والمصير. وثمة شخصيات لا تكتفي بأن تكون حاضرة في المشهد الثقافي، بل تجعل من الثقافة مشروع حياة، ومن المعرفة مسؤولية، ومن الجمال لغة أخرى للتعبير عن الانتماء والهوية. وفي تقديري، تنتمي الأميرة مها بنت محمد الفيصل إلى هذه الفئة من الشخصيات التي تستحق تجربتها الفكرية والثقافية أن يُتوقف عندها طويلاً.

وقد وجدت في كتابها «أمة على رسلها: تأملات من بلاد العرب» مناسبة للحديث عن امرأة تجمع في شخصيتها بين حس الباحثة، ووعي المثقفة، وذائقة الفنانة، وشغف الإنسان الذي لا ينظر إلى تراث أمته بوصفه ماضياً ينبغي الاكتفاء بالاحتفاء به، وإنما باعتباره طاقة حضارية حية، قادرة على إلهام الحاضر والإسهام في صياغة المستقبل.

ولعل أول ما يستوقف المتأمل في المسار الثقافي للأميرة مها الفيصل ذلك التنوع الجميل في اهتماماتها. فهي لا تحصر المعرفة في دائرة الفكر النظري، ولا تفصل البحث العلمي عن التعبيرات الفنية والجمالية للحضارة. ويبرز هنا شغفها الخاص بالزخرفة العربية والإسلامية، ذلك الفن الذي قد تبدو خطوطه وتكويناته للعين العابرة مجرد أشكال متناظرة، بينما يكشف التأمل العميق فيه عن عالم زاخر بالمعاني والدلالات، وعن عبقرية حضارية استطاعت أن تجعل من الهندسة لغة للجمال، ومن التكرار إيقاعاً بصرياً، ومن التناسق تعبيراً عن تصور مخصوص للعلاقة بين الإنسان والكون.

فالزخرفة العربية ليست مجرد تزيين للمساحات، وإنما هي ذاكرة جمالية تختزن قروناً من الإبداع والتفاعل بين الثقافات. وفي الحرف العربي، وفي التشابكات الهندسية، وفي الامتدادات النباتية التي تزين المخطوطات والعمارة والتحف، نقرأ صفحات أخرى من تاريخ حضارتنا، صفحات لم تُكتب بالكلمات وحدها، بل بالألوان والأشكال والنسب والإيقاعات.

وليس غريباً، والحال هذه، أن يقترن اسم الأميرة مها الفيصل بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الذي تضطلع فيه بمسؤولية الأمانة العامة، وهي مسؤولية ذات أبعاد علمية وثقافية تتجاوز التسيير الإداري إلى رعاية البحث والتوثيق وصون الذاكرة وإتاحة فضاءات الحوار بين الباحثين والمفكرين.

إن المؤسسات العلمية الكبرى لا تُقاس قيمتها بعدد الأنشطة التي تنظمها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء تقاليد معرفية مستدامة، وعلى حماية المصادر التاريخية من الضياع، وربط الأجيال الجديدة بتراثها الفكري، وإقامة الجسور بين التخصصات والثقافات. وفي هذا السياق، يمثل مركز الملك فيصل فضاءً مهمًّا لخدمة التراث العربي والإسلامي، بما يضمه من أرصدة مكتبية ووثائقية ومخطوطات ومشاريع بحثية وتوثيقية، فضلاً عن اهتمامه بالذاكرة وتاريخ المجتمع وتحولاته.

وأحسب أن الاشتغال على الذاكرة ليس عملاً موجهاً إلى الماضي بقدر ما هو استثمار في المستقبل؛ فالأمة التي لا تحفظ وثائقها ومروياتها ومصادرها الأصلية تترك للآخرين مهمة كتابة تاريخها، وربما تفسيره نيابة عنها.

وهذه الفكرة بالذات تعيدني إلى كتاب الأميرة مها الفيصل، الذي وجدته يتجاوز حدود التأمل الثقافي العابر إلى مساءلة موقع العرب في العالم، وعلاقتهم بتاريخهم، وكيفية تمثلهم للتحولات الفكرية والحضارية التي تعصف بالمجتمعات المعاصرة.

«أمة على رسلها» عنوان يحمل في ذاته شيئاً من الحكمة والتحدي. فهو يستدعي، في قراءتي، ضرورة التروي في زمن تتسارع فيه التحولات إلى درجة بات معها الإنسان مهدداً بفقدان القدرة على التأمل. وكأن صاحبة الكتاب تدعونا إلى ألا نخلط بين التقدم والاندفاع، ولا بين الحداثة والقطيعة مع الذات، ولا بين الانفتاح على الآخر والتخلي عن المرجعيات التي تمنح المجتمعات شخصيتها التاريخية.

فالكتاب ليس دعوة إلى الانغلاق، ولا هو مرثية لماضٍ يُستحضر لمجرد التعويض النفسي عن أزمات الحاضر؛ بل يطرح أسئلة تتصل بشروط النهوض الحضاري، وبكيفية استعادة الإنسان العربي ثقته في قدرته على إنتاج الأفكار، لا الاكتفاء باستهلاكها أو ترجمتها عن الآخرين.

ولعل ما يميز مقاربتها هو أنها لا تنظر إلى الحضارة الغربية بوصفها كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها بإطلاق، وإنما تميز بين منجزاتها العلمية والتقنية، التي أسهمت في تغيير وجه الإنسانية، وبين بعض التحولات الفلسفية والاجتماعية التي ترى أنها تستدعي مساءلة نقدية.

ولهذا أرى في كتاب «أمة على رسلها: تأملات من بلاد العرب» مساهمة تستحق القراءة والمناقشة، لا لأن صاحبته أميرة تنتمي إلى أسرة عريقة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وإنما لأن العمل يضع أمام القارئ جملة من الأسئلة الفكرية والحضارية التي تستحق أن تتحول إلى موضوعات للحوار والبحث، ولا سيما في الأوساط الجامعية وبين الشباب.

ليست الثقافة مجرد تراكم للمعارف، ولا هي ترف ذهني يمارسه الإنسان في أوقات فراغه، وإنما هي، في أرقى تجلياتها، طريقة في النظر إلى العالم، وموقف من التاريخ، وانشغال دائم بأسئلة الإنسان والحضارة والمصير. وثمة شخصيات لا تكتفي بأن تكون حاضرة في المشهد الثقافي، بل تجعل من الثقافة مشروع حياة، ومن المعرفة مسؤولية، ومن الجمال لغة أخرى للتعبير عن الانتماء والهوية. وفي تقديري، تنتمي الأميرة مها بنت محمد الفيصل إلى هذه الفئة من الشخصيات التي تستحق تجربتها الفكرية والثقافية أن يُتوقف عندها طويلاً.

وقد وجدت في كتابها «أمة على رسلها: تأملات من بلاد العرب» مناسبة للحديث عن امرأة تجمع في شخصيتها بين حس الباحثة، ووعي المثقفة، وذائقة الفنانة، وشغف الإنسان الذي لا ينظر إلى تراث أمته بوصفه ماضياً ينبغي الاكتفاء بالاحتفاء به، وإنما باعتباره طاقة حضارية حية، قادرة على إلهام الحاضر والإسهام في صياغة المستقبل.

ولعل أول ما يستوقف المتأمل في المسار الثقافي للأميرة مها الفيصل ذلك التنوع الجميل في اهتماماتها. فهي لا تحصر المعرفة في دائرة الفكر النظري، ولا تفصل البحث العلمي عن التعبيرات الفنية والجمالية للحضارة. ويبرز هنا شغفها الخاص بالزخرفة العربية والإسلامية، ذلك الفن الذي قد تبدو خطوطه وتكويناته للعين العابرة مجرد أشكال متناظرة، بينما يكشف التأمل العميق فيه عن عالم زاخر بالمعاني والدلالات، وعن عبقرية حضارية استطاعت أن تجعل من الهندسة لغة للجمال، ومن التكرار إيقاعاً بصرياً، ومن التناسق تعبيراً عن تصور مخصوص للعلاقة بين الإنسان والكون.

فالزخرفة العربية ليست مجرد تزيين للمساحات، وإنما هي ذاكرة جمالية تختزن قروناً من الإبداع والتفاعل بين الثقافات. وفي الحرف العربي، وفي التشابكات الهندسية، وفي الامتدادات النباتية التي تزين المخطوطات والعمارة والتحف، نقرأ صفحات أخرى من تاريخ حضارتنا، صفحات لم تُكتب بالكلمات وحدها، بل بالألوان والأشكال والنسب والإيقاعات.

وليس غريباً، والحال هذه، أن يقترن اسم الأميرة مها الفيصل بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الذي تضطلع فيه بمسؤولية الأمانة العامة، وهي مسؤولية ذات أبعاد علمية وثقافية تتجاوز التسيير الإداري إلى رعاية البحث والتوثيق وصون الذاكرة وإتاحة فضاءات الحوار بين الباحثين والمفكرين.