ليست الدول أمام اختبار حقيقي حين تعمل الأسواق بصورة طبيعية، وتصل السلع في مواعيدها، وتبقى طرق التجارة مفتوحة، وتظل تكلفة الطاقة والنقل ضمن نطاق يمكن التنبؤ به. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتغير أحد هذه الشروط. عندها تظهر قيمة ما بنته الدولة في سنوات الاستقرار، وتتضح الفجوة بين اقتصاد يعتمد على استمرار الظروف المواتية، واقتصاد أُعد ليواصل العمل عندما تتغير قواعد اللعبة.
وهذا هو المعنى الأعمق للأمن الغذائي اليوم. فالغذاء لا يصل إلى المستهلك من الحقل مباشرة، وإنما يمر عبر منظومة واسعة من المياه والطاقة والأسمدة والنقل والتخزين والموانئ والتمويل وسلاسل الإمداد. لذلك فإن اضطراب ممر تجاري، أو ارتفاع تكاليف الشحن، أو تغير أسعار الطاقة، يمكن أن ينتقل أثره تدريجيًا إلى تكلفة الغذاء وتوافره، حتى وإن لم يقع أي خلل في الإنتاج الزراعي نفسه.
وتكشف التطورات الإقليمية الراهنة أهمية هذه الحقيقة بصورة أوضح. فالمنطقة ليست مجرد سوق للغذاء، وإنما تقع في قلب شبكة عالمية تمر عبرها الطاقة والسلع والممرات البحرية. وكلما زادت المخاطر على هذه الشبكة، أصبحت قدرة الدول على تنويع مصادر الاستيراد، وتوفير المخزون، وامتلاك البدائل اللوجستية، والحفاظ على تدفق السلع الأساسية جزءًا من أمنها الاقتصادي وليس مجرد إدارة تجارية.
بالنسبة إلى السعودية، تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا. فمحدودية الموارد المائية تجعل العلاقة بين الغذاء والماء علاقة إستراتيجية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. إنتاج الغذاء يحتاج إلى موارد مائية مستدامة، وتأمين المياه يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وبنية تحتية وقدرات محلية. ومن ثم فإن حماية الأمن الغذائي لا تعني زيادة الإنتاج بأي تكلفة، وإنما بناء منظومة تستطيع تحقيق التوازن بين توافر الغذاء وحماية الموارد التي يعتمد عليها إنتاجه.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الأمن الغذائي باعتباره جزءًا من منظومة الصمود الاقتصادي. فالدولة لا تحتاج إلى إنتاج كل ما تستهلكه حتى تكون آمنة، كما أن الانفتاح على الأسواق العالمية ليس نقطة ضعف في حد ذاته. نقطة الضعف تظهر عندما يصبح الاعتماد الخارجي بلا بدائل، أو عندما يؤدي تعطل مصدر واحد إلى تعطيل المنظومة بأكملها. وتوضح أرقام الواردات الغذائية في المملكة حجم هذه المعادلة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70 % من احتياجاتها الغذائية تعتمد على الواردات. كما أن الحبوب وحدها شكّلت نحو 72 % من واردات المحاصيل الزراعية في عام 2024. وهذه الأرقام لا تعني هشاشة المنظومة الغذائية، بقدر ما تؤكد أهمية تنويع الموردين والمسارات، وبناء المخزونات، وتطوير الإنتاج المحلي حيث تكون له قيمة إستراتيجية، وامتلاك المعرفة والتقنية اللازمة لإدارة الموارد بكفاءة.
وفي المقابل، فإن الاعتماد على الخارج لا يلغي ما حققته المملكة في بناء قدراتها المحلية. فقد تجاوز الاكتفاء الذاتي في منتجات الألبان 131 %، وهو ما يعكس قدرة الإنتاج المحلي على تغطية الطلب وتوفير فائض أيضًا. والمغزى هنا ليس الوصول إلى الاكتفاء الكامل، وإنما بناء مزيج أكثر توازنًا بين الإنتاج المحلي والأسواق العالمية، بحيث لا يتحول الاعتماد على التجارة الدولية إلى نقطة ضعف عندما تتغير الظروف.
وهنا يتجاوز مفهوم الصمود الاقتصادي فكرة الاحتياط لمواجهة الأزمات إلى بناء قدرة دائمة على التكيف. فالمطلوب ليس عزل الاقتصاد عن العالم، وإنما تقليل نقاط الضعف داخله، ورفع قدرته على امتصاص الاضطرابات، وإعادة ترتيب موارده بسرعة، والاستمرار في أداء وظائفه الأساسية دون أن تتحول الحاجة إلى الخارج إلى قيد على القرار.
السيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين لا تُبنى بالاكتفاء الذاتي، بل ببناء القدرة على الصمود. والصمود لا يبدأ من المال، بل من امتلاك الأصول والقدرات التي تمنح الاقتصاد قدرة الاستمرار: الماء، والغذاء، والصناعة، والمعرفة، والإلكترونيات، والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن الأمن الغذائي ليس قضية تتعلق بما نأكله فقط، بل بقدرة الاقتصاد على ضمان استمرار ما نحتاج إليه عندما تتغير البيئة من حولنا. ومن يملك هذه القدرة لا يكون بمنأى عن الاضطرابات، لكنه يكون أقل هشاشة أمامها، وأكثر قدرة على حماية خياراته الاقتصادية والحفاظ على قراره.
ليست الدول أمام اختبار حقيقي حين تعمل الأسواق بصورة طبيعية، وتصل السلع في مواعيدها، وتبقى طرق التجارة مفتوحة، وتظل تكلفة الطاقة والنقل ضمن نطاق يمكن التنبؤ به. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتغير أحد هذه الشروط. عندها تظهر قيمة ما بنته الدولة في سنوات الاستقرار، وتتضح الفجوة بين اقتصاد يعتمد على استمرار الظروف المواتية، واقتصاد أُعد ليواصل العمل عندما تتغير قواعد اللعبة.
وهذا هو المعنى الأعمق للأمن الغذائي اليوم. فالغذاء لا يصل إلى المستهلك من الحقل مباشرة، وإنما يمر عبر منظومة واسعة من المياه والطاقة والأسمدة والنقل والتخزين والموانئ والتمويل وسلاسل الإمداد. لذلك فإن اضطراب ممر تجاري، أو ارتفاع تكاليف الشحن، أو تغير أسعار الطاقة، يمكن أن ينتقل أثره تدريجيًا إلى تكلفة الغذاء وتوافره، حتى وإن لم يقع أي خلل في الإنتاج الزراعي نفسه.
وتكشف التطورات الإقليمية الراهنة أهمية هذه الحقيقة بصورة أوضح. فالمنطقة ليست مجرد سوق للغذاء، وإنما تقع في قلب شبكة عالمية تمر عبرها الطاقة والسلع والممرات البحرية. وكلما زادت المخاطر على هذه الشبكة، أصبحت قدرة الدول على تنويع مصادر الاستيراد، وتوفير المخزون، وامتلاك البدائل اللوجستية، والحفاظ على تدفق السلع الأساسية جزءًا من أمنها الاقتصادي وليس مجرد إدارة تجارية.
بالنسبة إلى السعودية، تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا. فمحدودية الموارد المائية تجعل العلاقة بين الغذاء والماء علاقة إستراتيجية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. إنتاج الغذاء يحتاج إلى موارد مائية مستدامة، وتأمين المياه يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وبنية تحتية وقدرات محلية. ومن ثم فإن حماية الأمن الغذائي لا تعني زيادة الإنتاج بأي تكلفة، وإنما بناء منظومة تستطيع تحقيق التوازن بين توافر الغذاء وحماية الموارد التي يعتمد عليها إنتاجه.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الأمن الغذائي باعتباره جزءًا من منظومة الصمود الاقتصادي. فالدولة لا تحتاج إلى إنتاج كل ما تستهلكه حتى تكون آمنة، كما أن الانفتاح على الأسواق العالمية ليس نقطة ضعف في حد ذاته. نقطة الضعف تظهر عندما يصبح الاعتماد الخارجي بلا بدائل، أو عندما يؤدي تعطل مصدر واحد إلى تعطيل المنظومة بأكملها. وتوضح أرقام الواردات الغذائية في المملكة حجم هذه المعادلة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70 % من احتياجاتها الغذائية تعتمد على الواردات. كما أن الحبوب وحدها شكّلت نحو 72 % من واردات المحاصيل الزراعية في عام 2024. وهذه الأرقام لا تعني هشاشة المنظومة الغذائية، بقدر ما تؤكد أهمية تنويع الموردين والمسارات، وبناء المخزونات، وتطوير الإنتاج المحلي حيث تكون له قيمة إستراتيجية، وامتلاك المعرفة والتقنية اللازمة لإدارة الموارد بكفاءة.