الأمن الصحي الجديد 2030 – د. إبراهيم بن جلال فضلون

في مجالات الملاحظة، لا يخدم الحظ إلا العقول المستعدة، فلم يعد السؤال في الطب الحديث: ما المرض الذي نبحث عنه؟ السؤال الأكثر أهمية بدأ يتحول إلى: ماذا تخفي العينة التي أمامنا، إذا تركناها تتحدث بلغتها الجينية؟ لأنه يمس مفهوم الأمن الصحي، وطريقة استعداد الدول للأوبئة، وقدرتها على اكتشاف مسببات الأمراض قبل أن تتحول إلى أزمة، بل ويمس مكانة الدولة في الاقتصاد العلمي الجديد، ونحن أمام ضيف جديد لا نعلم مداه (الذكاء الاصطناعي)، الذي قال بيل غيتس عنه: «إن الأمر لا يجافي الحقيقة إذا قلت إنني أصبحت خائفا» مما يمكن أن يحدث إذا لم يتم التدخل بصورة عاجلة، لاسيما ما يُمكنه في صناعة مسببات أمراض قاتلة تتحول إلى جائحة جديدة.

هنا تظهر الميتاجينوميات، وهي تقنية تتيح قراءة المادة الوراثية الموجودة في عينة بيولوجية والبحث عن الكائنات الدقيقة الموجودة فيها دون أن يكون الطبيب مضطرًا إلى تحديد المسبب مسبقًا، وهذا يغيّر منطق التشخيص نفسه: (بدل أن يبدأ الطبيب بقائمة ضيقة من الاحتمالات، يمكن أن يبدأ من البيانات ثم يبحث عن الإجابة) والفكرة ليست أن الميتاجينوميات ستحل محل الطبيب أو كل الاختبارات التقليدية، بل إن قيمتها الحقيقية أنها توسع مساحة البحث عندما تكون الحالة غامضة، وتساعد على اكتشاف مسببات قد لا تكون موجودة أصلًا في قائمة الاحتمالات الأولى، وهنا تحديدًا تبدأ المسألة الإستراتيجية.

تطور تشخيص الأمراض المعدية خلال عقود طويلة من المجهر وزراعة الميكروبات إلى اختبارات أكثر حساسية، ثم إلى PCR، وصولًا إلى تقنيات التسلسل الجيني، فقد كان لكل مرحلة من هذه المراحل منطقها، إذ مكّن المجهر الإنسان من رؤية عالم لم يكن يراه، وجعلت زراعة الميكروبات إمكانية عزل بعض مسببات الأمراض ودراستها. PCR سمح بالبحث عن مادة وراثية محددة بدرجة عالية من الحساسية، أما التسلسل الجيني والميتاجينوميات فيفتحان الباب أمام قراءة نطاق أوسع من المعلومات الموجودة في العينة، وهذا الفرق ليس تقنيًا فقط، بل فرق في طريقة التفكير. فعندما تستخدم اختبارًا يستهدف مسببات محددة، فإنك تسأل سؤالًا مُحددًا: هل هذا الفيروس موجود؟ هل هذه البكتيريا موجودة؟ فعندما تستخدم منهجًا ميتاجينوميًا، فأنت تطرح سؤالًا أوسع: ما الذي يوجد هنا أصلًا؟، مثل ظهور مرض غير مألوف، أو عند فشل الاختبارات التقليدية في تفسير حالة سريرية، أو عندما يظهر نمط غير معتاد في مجموعة من المرضى.

لقد أصبحت منظمة الصحة العالمية تتعامل مع المراقبة الجينومية باعتبارها أداة لا غنى عنها، لذا أنشأت في يوليو 2025 الشبكة الدولية لمراقبة مُسببات الأمراض التابعة للمنظمة مجتمعات ممارسة متخصصة في بيانات الجينوم، والاستجابة للطوارئ، ومراقبة مياه الصرف والبيئة، وهي نقلة تكشف شيئًا أكبر: المختبر لم يعد مكانًا لتشخيص المرض فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة الإنذار المبكر للدولة.

أظهرت جائحة كوفيد - 19 أن الساعات والأيام قد تكون أكثر قيمة من الأسابيع عندما يتعلق الأمر بالأمراض المعدية، فالعالم يواجه باستمرار فيروسات وبكتيريا وفطريات وطفيليات تتغير، وتنتقل عبر الحدود، وقد تنتقل من الحيوان إلى الإنسان أو تتأثر بالتغيرات البيئية والمناخية، وبالتالي أصبحت المراقبة الجينومية جزءًا من التفكير العالمي في الاستعداد للجوائح، وضرورة مشاركة بيانات جينومات مسببات الأمراض والبيانات المصاحبة لها الضرورية للوقاية من الأوبئة والجوائح واكتشافها والاستجابة لها، لتصبح قواعد بيانات الجينوم عنصرًا أساسيًا في هذه المنظومة.

هُنا ينبغي أن نُعيد تعريف مفهوم الاستعداد الصحي، فالدولة المستعدة ليست التي تملك مستشفيات أكثر فقط، ولا التي تستطيع استقبال أعداد كبيرة من المرضى بعد انتشار العدوى، بل التي تستطيع أن تلتقط الإشارة مبكرًا، وتفهمها بسرعة، وتربطها ببيانات أخرى، ثم تتخذ القرار قبل أن تتحول الإشارة إلى أزمة، وهو ما طبقته السعودية بجدارة في كوفيد - 19، وهذا هو الفارق بين إدارة المرض وإدارة الخطر.

بالنسبة إلى الدول العربية، تبدو المسألة أكثر حساسية، لأن المنطقة ليست جزيرة معزولة، كونها منطقة عبور وحركة واسعة، وتجارة دولية، وتجمعات بشرية ضخمة، وحدود برية وبحرية، ومناطق ذات كثافة سكانية عالية، وتداخل بين الإنسان والحيوان والبيئة، فضلًا عن تحديات المناخ والتحضر والتوسع العمراني، مما يعني أن المرض الذي يظهر في دولة واحدة قد لا يبقى داخل حدودها، وبالتالي فبناء قدرات جينومية وطنية لا ينبغي النظر إليه باعتباره ترفًا علميًا أو مشروعًا خاصًا بكليات الطب ومراكز الأبحاث، بل جزء من البنية التحتية للأمن الصحي.

لكن التحدي العربي ليس في شراء أجهزة التسلسل وحدها، فالجهاز لا يصنع منظومة، والمنظومة تحتاج إلى عينات جيدة، ومختبرات ذات جودة، وباحثين، واختصاصيي أحياء دقيقة، ومختصي معلومات حيوية، وقواعد بيانات موثوقة، وبنية حوسبية، ونظم مشاركة للبيانات، وتشريعات واضحة، وأمن سيبراني، وآليات تحول النتيجة العلمية إلى قرار صحي، يتطلب بالتوازي قدرات في المعلوماتية الحيوية لتخزين البيانات ومعالجتها ومشاركتها ودمجها، وأن بناء بنية بيانات مترابطة ومستدامة شرط للاستفادة الفعلية من المراقبة الجينومية. هنا تكمن إحدى مشكلات العالم العربي: قد نمتلك التكنولوجيا من دون أن نمتلك المنظومة التي تجعلها مؤثرة.

في هذا المشهد تملك السعودية فرصة مختلفة، إذ أطلقت في يناير 2024 الإستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، واضعة هدف التحول إلى مركز عالمي للتقنية الحيوية بحلول 2040، مع التركيز على اللقاحات، والتصنيع الحيوي الدوائي، والجينوم والعلاج الجيني، والتقنية الحيوية الزراعية، مُستهدفة مساهمة تصل إلى 3 % من الناتج المحلي غير النفطي بحلول 2040، وأثرًا اقتصاديًا تقدره الدراسة المنشورة في المجلة الصحية لشرق المتوسط بنحو 130 مليار ريال، إضافة إلى 11 ألف وظيفة عالية الجودة بحلول 2030، لكن الأهم من الأرقام هو الاتجاه.

فإذا كانت المملكة تريد أن تتحول إلى مركز عالمي للتقنية الحيوية، فإن الميتاجينوميات والجينوميات ليستا موضوعًا جانبيًا، إنهما جزء من البنية العلمية التي يمكن أن تربط بين التشخيص، والبحث، والدواء، واللقاحات، والصحة العامة، والاقتصاد القائم على المعرفة، والأهم أن المملكة لا تبدأ من الصفر، ففي دراسة منشورة عام 2025 في Eastern Mediterranean Health Journal أفادت بأن بنك الدم السعودي كان قد سجل، بحلول منتصف 2024، 53,338 مشاركًا و589,461 عينة بيولوجية، وأنه يستخدم منصة للبحث الجينومي والطب الدقيق والتجارب السريرية والتقنيات الحيوية المتقدمة. كما أوصت الدراسة بتعزيز قابلية التشغيل البيني للبيانات، وتكاملها، وتوحيد الحوكمة، وتوسيع الشراكات الوطنية والدولية.