تدخل الأمم المتحدة مرحلة جديدة تبدو فيها الحاجة إلى إعادة تعريف دور المنظمة الدولية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في ظل اتساع الصراعات الدولية، وتراجع قدرة مجلس الأمن على التعامل مع عدد من الأزمات، وتزايد الضغوط المالية التي تواجه المنظمة، بالتزامن مع بدء المرحلة الحاسمة من اختيار الأمين العام الذي سيخلف أنطونيو غوتيريش مع نهاية العام. وتأتي هذه التطورات مع انطلاق أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي بدأت أمس في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وتستمر حتى 28 سبتمبر، بمشاركة رؤساء دول وحكومات ووفود رفيعة المستوى من مختلف أنحاء العالم. وتضع الأمم المتحدة هذا العام تحت عنوان الدورة «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تقدم خدماتها للجميع»، في محاولة لتأكيد قدرتها على أداء دورها في مرحلة دولية شديدة التعقيد. وتكتسب الدورة الحالية أهمية إضافية لكونها تأتي في عام يشهد انتقالاً في قيادة المنظمة، إذ دخلت عملية اختيار الأمين العام المقبل مراحل متقدمة بعد أن بدأت رسمياً بموجب آلية مشتركة بين رئيسي الجمعية العامة ومجلس الأمن، وفقاً للمادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن الجمعية العامة تعين الأمين العام بناء على توصية من مجلس الأمن. منظمة في مواجهة أزمات متراكمة منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، مرت المنظمة بأزمات سياسية وأمنية ومالية متعاقبة، لكنها تواجه اليوم مجموعة من الضغوط المتزامنة التي تجعل مسألة الإصلاح أكثر تعقيداً. فالحروب والصراعات الممتدة، والانقسامات بين القوى الكبرى، والأزمات الإنسانية المتزايدة، إلى جانب الضغوط على الموارد المالية، فرضت على المنظمة مراجعة قدراتها وأولوياتها. ويذهب ريتشارد جوان، مدير برنامج القضايا والمؤسسات العالمية في مجموعة الأزمات الدولية، في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» أمس، إلى أن الأمين العام المقبل قد لا يملك فرصة حقيقية لإعادة بناء دور الأمم المتحدة إلا من خلال العودة إلى الأساسيات وتقليص نطاق طموحات المنظمة، والتركيز على المهام التي تستطيع تنفيذها بفاعلية. ويستند هذا الطرح إلى واقع دولي باتت فيه قدرة الأمم المتحدة على فرض توافقات واسعة محدودة بسبب التنافس بين القوى الكبرى. فمجلس الأمن، الذي يمثل الأداة الرئيسية للأمم المتحدة في قضايا السلم والأمن الدوليين، يظل مقيداً باستخدام الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض، وهو ما يجعل الاتفاق على إجراءات مشتركة في الأزمات الكبرى أكثر صعوبة عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية لهذه الدول. ولا يعني ذلك أن المنظمة فقدت قدرتها على العمل، إذ ما زالت الأمم المتحدة تمثل الإطار الدولي الأشمل الذي يجمع 193 دولة، وتوفر الجمعية العامة مساحة فريدة للمناقشة متعددة الأطراف بشأن مختلف القضايا الدولية. كما تستمر وكالات الأمم المتحدة وبرامجها في تنفيذ عمليات إنسانية وتنموية واسعة في مناطق مختلفة من العالم. أزمة السيولة تضغط على المنظمة ويعد الجانب المالي أحد أبرز التحديات التي ستنتظر الأمين العام المقبل. فقد حذرت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة من آثار التأخر في سداد الاشتراكات المقررة على قدرتها على تنفيذ البرامج والبعثات التي تعتمد على التمويل الإلزامي للدول الأعضاء. وأظهرت بيانات الأمم المتحدة في مايو 2025 أن المتأخرات في مساهمات الدول لميزانيتي المنظمة العادية وحفظ السلام بلغت مستويات مرتفعة، فيما بلغت المتأخرات الخاصة بعمليات حفظ السلام 2.7 مليار دولار حتى نهاية أبريل 2025، منها 2.2 مليار دولار تخص البعثات النشطة. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن الولايات المتحدة كانت صاحبة أكبر قيمة من المتأخرات في ذلك الوقت، تلتها الصين ودول أخرى. وتحذر الأمم المتحدة من أن عدم انتظام وصول المساهمات المالية لا يمثل مشكلة محاسبية فحسب، بل يؤثر مباشرة في قدرة المنظمة على تنفيذ التفويضات التي تعتمدها الدول الأعضاء. وفي أكتوبر 2025، قالت إدارة حفظ السلام في الأمم المتحدة إن القيود المالية أجبرت بعثات حفظ السلام على خفض عملياتها بنحو 25 في المائة، موضحة أن النقص تجاوز ملياري دولار من ميزانية معتمدة تبلغ 5.6 مليار دولار. كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ميزانية عمليات حفظ السلام للفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025 بلغت نحو 5.6 مليار دولار، بانخفاض مقارنة بالميزانية المعتمدة للفترة السابقة، في مؤشر على أن عمليات حفظ السلام نفسها أصبحت تعمل في بيئة مالية أكثر صعوبة. وتبرز الولايات المتحدة في هذا الملف بحكم وزنها المالي داخل المنظمة، إذ تبلغ حصتها المقررة من ميزانية حفظ السلام 26.95 في المائة للفترة 2024-2025، تليها الصين بنسبة 18.69 في المائة. ولذلك فإن أي تغير في مستوى التمويل الأميركي أو انتظامه يترك أثراً واضحاً على قدرة الأمم المتحدة على تمويل عملياتها. ترمب يغيّر معادلة التمويل. كان موقف إدارة الرئيس الأميركي ترمب من تمويل الأمم المتحدة أحد العوامل التي زادت الضغوط على المنظمة، إذ اتخذت الإدارة في بداية ولايتها الثانية إجراءات واسعة لمراجعة المساعدات والتمويل الخارجي الأميركي، بما في ذلك برامج مرتبطة بالأمم المتحدة. لكن الصورة المالية لا تقتصر على الموقف الأميركي وحده، فالأمم المتحدة تعتمد على التزام الدول الأعضاء بسداد مساهماتها في مواعيدها، وقد أكدت إدارتها المالية مراراً أن معالجة أزمة السيولة تتطلب وفاء الدول بالتزاماتها كاملة وفي الوقت المحدد وبصورة يمكن التنبؤ بها. وفي ديسمبر 2025، رحب الأمين العام أنطونيو غوتيريش بإعلان الولايات المتحدة التزاماً أولياً بقيمة ملياري دولار لدعم العمل الإنساني المنقذ للحياة الذي تضطلع به الأمم المتحدة، في خطوة أكدت في الوقت نفسه أهمية التمويل الأميركي بالنسبة للعمليات الإنسانية الدولية. وتكشف هذه التطورات عن معضلة أوسع، فالأمم المتحدة مطالبة بالاستجابة لأزمات إنسانية متزايدة، في وقت تتراجع فيه قدرة عدد من الدول على تقديم التمويل، بينما أصبحت القوى المانحة أكثر تشدداً في ربط مساهماتها بالأولويات السياسية والداخلية. سباق خلافة غوتيريش في هذه البيئة الصعبة، يتجه الاهتمام إلى الأمين العام المقبل الذي سيخلف غوتيريش، الذي تولى منصبه في يناير 2017 وأعيد تعيينه لولاية ثانية تنتهي في ديسمبر 2026. وتؤكد الأمم المتحدة أن عملية اختيار الأمين العام بدأت رسمياً، وأن التعيين النهائي يتم من جانب الجمعية العامة بناء على توصية مجلس الأمن. وتضم القائمة الرسمية للمرشحين التي أعلنتها الأمم المتحدة حتى الآن ستة أسماء، هي وزير الخارجية التشيلية السابقة ميشيل باشليه، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي، ووزير الخارجية السنغالي والرئيس السابق ماكي سال، والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا غرينسبان، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا، وسفيرة غويانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغز بيركيت. كما أعلنت الأمم المتحدة في يوليو ترشيح أولارا أوتونو من أوغندا، ما وسع قائمة الأسماء المتقدمة للمنصب. وقد عقدت الجمعية العامة خلال أبريل حوارات تفاعلية مع عدد من المرشحين، ثم استمرت عملية الاختيار خلال الأشهر التالية. كما استضافت الجمعية العامة في يوليو لقاءً عاماً جمع المرشحين الستة الذين كانوا قد سُمّوا بحلول ذلك الوقت، في خطوة وصفتها رئاسة الجمعية العامة بأنها تهدف إلى تعزيز الشفافية وإتاحة مساحة أوسع للنقاش حول مستقبل المنظمة. وتؤكد هذه العملية أن اختيار الأمين العام لم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد انتقال إداري بين أمين عام وآخر، بل بوصفه لحظة لإعادة طرح السؤال الأكبر بشأن الدور الذي تستطيع الأمم المتحدة أن تؤديه في نظام دولي يشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى. العودة إلى الأساسيات يرى جوان أن الطريق الأكثر واقعية أمام الأمين العام المقبل يتمثل في تضييق نطاق الأولويات بدلاً من إضافة مهام جديدة إلى منظومة تعاني أصلاً من اتساع كبير في المسؤوليات. ويطرح هذا التصور إعادة التركيز على أربع وظائف أساسية، هي منع الأزمات والصراعات حيثما أمكن، ودعم جهود تسوية النزاعات، وتقديم المساعدات الإنسانية بكفاءة، ودعم أهداف التنمية الدولية القابلة للتحقيق. ولا يعني هذا الطرح التخلي عن الطموحات الدولية الكبرى، بقدر ما يعكس محاولة لمواءمة ما تتطلع المنظمة إلى تحقيقه مع ما تسمح به إرادة الدول الأعضاء ومواردها المالية والسياسية. وقد أظهرت التجربة التاريخية أن توسع أجندة الأمم المتحدة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة قدرتها على تنفيذ أهدافها. فمنذ نهاية الحرب الباردة، توسعت مهام المنظمة لتشمل ملفات السلام والأمن، والتنمية، وحقوق الإنسان، والمناخ، والصحة، والهجرة، والفقر، ومكافحة الأوبئة وغيرها من الملفات العابرة للحدود. ومع اتساع هذه المهام، نشأت منظومة واسعة من الوكالات والصناديق والبرامج والمكاتب المتخصصة، لكل منها هياكلها وميزانياتها وولاياتها الإدارية والسياسية، الأمر الذي جعل التنسيق بينها تحدياً قائماً بذاته. إصلاح المنظومة من الداخل تأتي مبادرة «الأمم المتحدة 80» التي تقودها المنظمة في سياق أوسع لإعادة النظر في كفاءة العمل الأممي وتنسيقه. وقد ناقشت الدول الأعضاء خلال العام الحالي سبل تعزيز الاتساق وتجنب الازدواجية بين أجهزة الأمم المتحدة، بما في ذلك الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ضمن جهود إصلاحية أوسع. وتكمن إحدى المشكلات التي يطرحها جوان في أن توسع المنظمة أدى إلى وجود جهات متعددة تعمل في المجالات نفسها أو المتقاربة، الأمر الذي يفرض على الأمين العام المقبل معالجة التداخل بين الولايات المؤسسية، وتحسين آليات جمع التمويل، وتنسيق الاستجابة للأزمات. وتظهر هذه المشكلة بوضوح في ملفات الزراعة والأمن الغذائي والهجرة والمناخ، حيث تعمل أكثر من جهة أممية في مساحات متداخلة، وإن كانت لكل منظمة اختصاصات رسمية مختلفة. غير أن دمج هذه المؤسسات أو إعادة توزيع مهامها ليس قراراً إدارياً بسيطاً، لأن معظمها أنشئ بقرارات من الدول الأعضاء وله هياكل حوكمة مستقلة وميزانيات منفصلة. ولذلك فإن إصلاح المنظومة يتطلب توافقاً سياسياً بين الدول، وليس مجرد قرار من الأمانة العامة. من بطرس غالي إلى غوتيريش وتعود فكرة إعادة تعريف دور الأمم المتحدة إلى سنوات طويلة. فقد حاول الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، بعد انتهاء الحرب الباردة، الدفع باتجاه دور أكثر فاعلية للمنظمة في حفظ السلام وبناء النظام الدولي الجديد. لكن إخفاق الأمم المتحدة في منع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، ثم فشل قواتها في حماية منطقة سريبرينيتسا خلال حرب البوسنة عام 1995، ألحقا ضرراً بالغاً بصورة المنظمة وقدرتها على حماية المدنيين في مناطق الصراع وفي عهد كوفي عنان اتجهت المنظمة إلى توسيع حضورها في ملفات التنمية ومكافحة الفقر ومرض الإيدز، كما توسعت عمليات حفظ السلام، وأطلقت إصلاحات مؤسسية مهمة، من بينها إنشاء لجنة بناء السلام ومجلس حقوق الإنسان. ثم واجه الأمينان العامان بان كي مون وغوتيريش سلسلة من الأزمات المعقدة، أبرزها الحرب السورية، إلى جانب اتساع الأزمات الإنسانية والنزاعات والكوارث الطبيعية. ومع كل أزمة جديدة، كانت الدعوات ترتفع إلى زيادة دور الأمم المتحدة وتوسيع أدواتها، بينما كانت القدرات السياسية والمالية للمنظمة تتحرك في الاتجاه المعاكس في كثير من الأحيان. التعددية في مواجهة التنافس الدولي المشكلة الأساسية التي يطرحها واقع الأمم المتحدة اليوم لا تتعلق بالمنظمة وحدها، وإنما بالبيئة الدولية التي تعمل فيها. فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية، ولا تملك سلطة مستقلة عن الدول الأعضاء. وقدرتها على تنفيذ قراراتها الكبرى في مجال السلم والأمن تعتمد بصورة أساسية على توافق الدول، ولا سيما أعضاء مجلس الأمن الدائمين. ومع احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتعدد النزاعات الإقليمية، يصبح التوصل إلى مواقف مشتركة أكثر صعوبة في الملفات التي تمس المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. وفي الوقت نفسه، أصبحت المنظومة الدولية أكثر تعدداً في مراكزها، مع تنامي أدوار مجموعات مثل مجموعة السبع ومجموعة بريكس والتجمعات الإقليمية المختلفة، فضلاً عن المبادرات التي تقودها القوى الكبرى خارج إطار الأمم المتحدة. ولا يعني ذلك أن هذه الأطر تحل محل المنظمة الدولية، لكنها تعكس واقعاً جديداً تتوزع فيه أدوات إدارة الأزمات والتعاون الدولي بين عدد أكبر من المؤسسات والتجمعات. الأمين العام المقبل أمام معادلة مختلفة. سيجد الأمين العام المقبل نفسه أمام مهمة تتجاوز إدارة الأمانة العامة إلى إعادة بناء الثقة في جدوى العمل المتعدد الأطراف. والمطلوب لن يكون بالضرورة إضافة مبادرات جديدة، بل تحديد ما تستطيع المنظمة القيام به بصورة أفضل، وما تحتاج إلى تركه للدول أو المنظمات الإقليمية أو المؤسسات الدولية الأخرى. وتبدو الأولوية الأولى في إدارة الموارد، خصوصاً في ظل أزمة السيولة التي أثرت بالفعل على عمليات حفظ السلام. كما سيكون عليه العمل مع الدول الأعضاء لضمان انتظام التمويل، بدلاً من التعامل مع الأزمات المالية بعد وقوعها. أما الأولوية الثانية فتتمثل في تحسين التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة، وتقليص الازدواجية، وربط البرامج بالنتائج التي يمكن قياسها. وتتعلق الأولوية الثالثة بإعادة بناء قدرة المنظمة على الوساطة ومنع النزاعات، وهي وظيفة أساسية نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، لكنها أصبحت أكثر صعوبة مع تراجع التوافق بين القوى الكبرى. وتبقى المساعدات الإنسانية المجال الذي يمكن للأمم المتحدة من خلاله إثبات قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، خصوصاً في الدول التي تعجز مؤسساتها الوطنية عن التعامل مع النزاعات والكوارث والأزمات الغذائية والنزوح. اختبار الثقة يبدأ من الواقع تدخل الأمم المتحدة عامها الحادي والثمانين وهي تواجه مفارقة واضحة. فالعالم يحتاج إلى منظمة دولية قادرة على جمع الدول عندما تتعقد الأزمات، لكن الدول نفسها أصبحت أكثر اختلافاً حول طبيعة النظام الدولي ومستقبله. وفي الدورة الحالية للجمعية العامة، يشارك نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات حضورياً في أسبوع المناقشات رفيعة المستوى، في مؤشر على استمرار الوزن السياسي للمنظمة رغم الانتقادات التي تواجهها. ومن هنا فإن السؤال المطروح على الأمين العام المقبل لا يتعلق فقط بحجم الأمم المتحدة، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور السياسي إلى نتائج عملية. ويشير طرح جوان إلى أن تقليص حجم المنظمة قد يمثل أحد الخيارات المطروحة أمام القيادة الجديدة، خصوصاً إذا كان المقصود بالتقليص إزالة الازدواجية وتركيز الموارد على الوظائف الأساسية، وليس إضعاف قدرة المنظمة على الاستجابة للأزمات. أما التحدي الحقيقي فيتمثل في تحقيق توازن بين الطموح والقدرة، وبين اتساع المشكلات العالمية ومحدودية الموارد السياسية والمالية المتاحة. فالأمم المتحدة لا تستطيع وحدها إنهاء الحروب، ولا تستطيع تجاوز إرادة الدول الكبرى، لكنها تستطيع أن تكون مساحة للتفاوض، وأداة للوساطة، وقناة للمساعدات الإنسانية، ومنصة لوضع القواعد الدولية. ولهذا فإن مهمة الأمين العام المقبل قد تبدأ من الاعتراف بحدود المنظمة، لا من تجاهلها. وإذا استطاع تحويل هذه الحدود إلى أولويات واضحة، وتقليص الازدواجية، وتحسين إدارة الموارد، وإعادة التركيز على منع النزاعات وحماية المدنيين وتقديم المساعدات، فقد يكون الإصلاح أكثر واقعية من محاولة توسيع أجندة المنظمة في كل اتجاه.وتبقى قوة الأمم المتحدة في النهاية مرتبطة بالدول التي أنشأتها وتمولها وتمنحها التفويضات، ولذلك فإن استعادة فاعليتها لن تكون مسؤولية الأمين العام وحده، وإنما مسؤولية جماعية للدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى، التي يتوقف على مستوى توافقها جانب كبير من قدرة المنظمة على التحرك. ومع بدء العد التنازلي لنهاية ولاية غوتيريش، فإن اختيار الأمين العام المقبل سيكون اختباراً لاتجاه المنظمة نفسها: هل تستمر في توسيع نطاق مسؤولياتها رغم القيود السياسية والمالية، أم تعود إلى مجموعة محددة من الوظائف التي تستطيع تنفيذها بفاعلية أكبر، وهي المعضلة التي يضعها ريتشارد جوان في صدارة النقاش حول مستقبل الأمم المتحدة.