الأمانة الوجدانية وعبثية التخلـي

إن المتأمل في مفهوم الرفق بالحيوان يدرك يقيناً أنه يتجاوز كونه سلوكاً عاطفياً عابراً أو مجرد تقديم قُوتٍ لكائن جائع، بل هو منظومة متكاملة من الدلالات التي تشفر مستوى رقي الوعي البشري وتوازنه مع الوجود. من أشد المشاهد إيلاماً لعين الناقد وبصيرة المؤمن، ذلك الانفصام الأخلاقي الذي يمارسه البعض حين يحولون الكائن الحي إلى سلعة للتسلية أو إكسسواراً اجتماعياً عابراً؛ فيقتنون الحيوان وهو في وهج صغره لغرض الاستمتاع بلحظات مرحه، حتى إذا ما خبا ذاك الوهج أو زادت أعباء الرعاية، قذفوا به في غيابات الشارع، ليواجه مصيراً أسوداً لم يألفه، وألواناً من العذاب لم يتهيأ لها. إن هذا السلوك ليس مجرد ملل عابر، بل هو سقطة في اختبار الإنسانية والرحمة ، فالحيوان الذي تربى بين جدران المنزل ومسحت عليه يد الرعاية منذ صغره، قد فَقَدَ غريزته الفطرية في البقاء المستقل، وأصبح رهينةً وجدانية لمن رباه. إن رميه خارجاً هو بمثابة حكم بالقتل البطيء، وهو يتناقض جذرياً مع جوهر الحديث النبوي الشريف: «كفى بالمرءِ إثماً أن يضيّعَ مَن يَقوت»، فالتضييع هنا ليس مادياً فحسب، بل هو ضياع الأمان التي استأمنك الكائن الذي ربيته عليها بضعفه وانكساره. من منظور القراءات للدلالات، فإن فعل التخلي يكشف عن شخصية تفتقر لعمق المسؤولية وتعيش سطحية المشاعر؛ حيث يُعامل الروح معاملة الجماد الذي يُستغنى عنه عند ظهور موديل أحدث. هذا التصحر العاطفي، يمثل خدشاً في لوحة الرحمة التي أمرنا الله بتلوين الوجود بها. «فالرحمة الحقة لا تُجزأ»، «والرفق لا يعرف تاريخ انتهاء»، ومن لم يكن قادراً على الالتزام بروحٍ حتى منتهاها، فمن باب أولى ألا يقتنيها ابتداءً، صوناً لكرامة الخلق وحفظاً لنفسه من إثمٍ قد يوصد في وجهه أبواب الرحمة. ففي جوهرها، تُمثل الرحمة ملامح الهوية الحقيقية للمجتمع، وتكشف عن مدى صدق الامتثال لمبدأ اعتبار ان الحيوان في المنظور الإسلامي يتحول من ملكية مادية إلى أمانة وجدانية، تعكس رفق العبد بخلق ربه وتجرده من كبرياء القوة أمام كائن لا يملك حيلة ولا صوتاً. فالحضارة الحقة، كما نراها في مؤسسات وأنظمة المملكة اليوم، لا تُقاس بارتفاع البنيان فحسب، بل بقدرة هذا البنيان على استيعاب وحماية الكائنات الأضعف في مداره، مما يجعل من الرفق معياراً للنضج المؤسسي والوعي الأخلاقي الجمعي. ينطلقُ مفهومُ الرحمة في وجداننا من عمقِ الوحي الذي جعل لكلِّ ذي كبدٍ رطبةٍ حقاً وأجراً، وهو ما يتناغم اليوم مع أحدث الدراسات النفسية والصحية التي تؤكد أن الرفق بالحيوان ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو ضرورة لسلامة الإنسان نفسه. فالدراساتُ السلوكية تشير إلى أن التفاعل الإيجابي مع الكائنات الضعيفة يسهم في خفض مستويات التوتر، ويعزز من إفراز هرمونات السكينة، مما ينعكس إيجاباً على الاتزان الوجداني والصحة القلبية، ويغرس في نفوس الناشئة قيماً اجتماعية سوية تقيهم من الانزلاق نحو السلوكيات العدوانية. كما تُحذر الأبحاث العلمية والتربوية من ظاهرة التخلي أو تعمد رمي الحيوانات الأليفة في الطرقات؛ فهذا السلوك يعكس انفصاماً في سلم القيم، ويورث الحيوان صدمة وجدانية وقاتلة كونه فقد غريزة البقاء في بيئة موحشة لم يألفها. من منظور الصحة النفسية، هناك ارتباط وثيق بين الرفق بالحيوان والتوازن السيكولوجي للإنسان؛ فالشخص الرحيم بالكائنات الضعيفة غالباً ما يتمتع بمستويات تعاطف عالية، تمنحه راحة نفسية وطمأنينة قلبية، بينما قد تدل القسوة تجاهها على تصحّر وجداني، أو صراعات داخلية دفينة. إننا حين نعلم أطفالنا والنشء أهمية الرفق بالقطط والطيور والكلاب غيرها بدلاً من إيذائها، فنحن لا نحمي الحيوان فحسب، بل نبني في الطفل شخصية سوية قادرة على الحب والاحتواء، ونؤصل في نفسه قيمة العطاء التي تلازمه طوال حياته. إن الأمانة الوجدانية التي حملها الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- حين آوى هرةً في كمه، هي العهد الذي يجب أن نحفظه؛ فالإحسان لا يعرف تاريخ انتهاء، ومن استأمنك بروحه فقد وجب عليك بلوغ مأمنه، استحقاقاً للوصف النبوي: «يدخل الجنة أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير في رقتها ولينها». ولم يعد هذا الجهد فردياً فحسب، بل تأطر في جمعيات ومنظمات كبرى تذود عن هذه الحقوق؛ فمحلياً نفخر بجهود الجمعية السعودية للرفق بالحيوان «رفق»، ومبادرات المتطوعين تحت إشراف وزارة البيئة والمياه والزراعة، إلى جانب ملاجئ متخصصة مثل ملجأ الرياض للحيوانات. أما عالمياً، تبرز منظمات رائدة مثل «PETA» المعنية بالمعاملة الأخلاقية للحيوانات، والجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات «RSPCA»، وهي جهات تضع المعايير الدولية لحماية الأرواح الضعيفة من العبث أو الإهمال. إن دمج هذه القيم في مناهجنا وفصولنا الدراسية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تربط بعض الكائنات بالخرافة، هو استثمار في إنسانية الأجيال القادمة. إن الرفق بالحيوان هو الاختبار الكاشف لسلامة النمو الوجداني؛ فتعامل الإنسان مع كائن ضعيف لا يملك حيلة هو المرآة الصادقة لمعدنه النفسي بعيداً عن زيف التصنع. تعد أهمية القدوة التاريخية في تراثنا الإسلامي، متمثلة في الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه-، الذي لُقب بهذا الاسم لملازمته قطة صغيرة كان يحملها في كمه ويعتني بها، في صورة تربوية بليغة تعكس أسمى معايير الرفق التي يجب أن تُبعث من جديد في قصصنا، وأناشيدنا، ومناهجنا، لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تربط بعض الكائنات بالخرافة أو النحس. نحن بحاجة لتبني استراتيجيات تربوية فاعلة داخل محاضننا التعليمية، تحول الرفق من معلومة جافة إلى ممارسة حية؛ فالطفل الذي يتربى على إطعام الطير وسقيا القطة هو الأقل عرضة للسلوكيات العدوانية مستقبلاً، والأكثر اتزاناً في علاقاته الإنسانية. إن نشر هذا الوعي هو مسؤولية مجتمعية كبرى، تهدف إلى صياغة بيئة ترى في الرفق عبادة، وفي الرحمة ثقافة، وفي حماية الضعفاء استثماراً في إنسانية الأجيال القادمة، ليكون المجتمع السعودي كما هو دائماً؛ قدوةً في امتثال قيم الإحسان التي تضمن سكينة النفس وبناء الوجدان السليم. المجتمع الذي يرفق بالحيوان هو مجتمع يملك صمام أمان أخلاقي يحمي أفراده، ويصيغ مستقبلاً يتناغم فيه العلم والشرع في لوحة واحدة عنوانها الرحمة للجميع، لتظل المملكة العربية السعودية دائماً قدوة في امتثال قيم الإحسان التي تضمن سكينة النفس وبناء الوجدان السليم.