الألسـنة.. مغـارف العقــول!

«تحدث حتى أراك»، ترتبط هذه المقولة بقصةٍ حصلت مع سقراط، حيث دخل إلى مجلسه رجل يكتسي حُلَّةً باهيةً وفاخرةً، وقد بدت عليه أمارات الغنى وامتلاك المكانة الاجتماعية، وبعد أن ترك هذا الانطباع المهيب لدى الجالسين، خاطبه سقراط قائلًا: «تحدث حتى أراك»، وهو بذلك يرمي إلى أن الهيئة الظاهرة وحدها لا تفضي بالضرورة إلى لبابة فكر، أو كياسة سلوك، أو حُسن سجية، أو رجاحة عقل. في المقابل، إذا ما تحدث الإنسان، فإنه يكشف الستار المنسدل عن شخصيته، وعقله، وطويته أيضًا. فالاعتماد على كل ما هو مظهري «ألقاب، وحلل فاخرة، وسمعة رائجة» يمر بلحظة تمحيص فاصلة، وهي عند ابتداء الكلام واستهلاله. وسواء كان اللسان أداةً تُفصح عما في مكنون العقل، أو عما يعتمل في القلب، فإنه، على أية حال، يكشف ما في باطن الإنسان من أفكار وطوايا، وما يختلج في صدره، خيرًا كان أم شرًّا. ويعلّق ابن القيم على مقولة يحيى بن معاذ: «الألسنة مغارف القلوب»، فيقول في كتاب الداء والدواء: (كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك)، مُجليًا أهمية هذا الطرح. ويطال الأمر أيضًا أولئك الذين يتوشحون عباءات المكر، ويلوون ألسنتهم بالكلام لخداع الآخرين؛ فهؤلاء دائمًا ما تنكشف سبلهم وطرائقهم عن طريق كلمة عابرة لا يلقون لها بالًا، فتكشف ما يزيفونه في نفوسهم، طال الزمن أم قصر، حيث يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تُعلم ومعناه أن الإنسان مهما حاول أن يخفي طباعه وسجاياه، فإنها لا تلبث أن تنكشف؛ لأن الأخلاق -في أحيان كثيرة- تظهر في الأقوال قبل الأفعال والمواقف. ولعل اللافت أن ما أدركه العرب قديمًا بحدسهم البلاغي، حاول علم النفس الحديث تفسيره بمفاهيمه؛ إذ اشتهر عند سيغموند فرويد ما يُعرف بـ»الزلة الفرويدية « «Freudian slip»، وهي تلك الكلمة التي ينطق بها الإنسان على غير قصد، فيظنها السامع مجرد خطأ عابر، بينما يرى فرويد أنها قد تكون نافذةً تتسرب منها رغبةٌ مكتومة، أو خوفٌ مستتر، أو فكرةٌ ظل صاحبها يظن أنه أحكم إخفاءها. وهذا الطرح يتوافق مع أساس الفكرة التي مفادها أن اللسان لا يلبث أن يشي بما يضمره صاحبه، وما ينطوي في أعماق النفس قد يجد طريقه إلى فضاء اللفظ. وإذا كان فرويد قد رأى أن بعض الكلمات العفوية قد تكشف عن رغبات أو أفكار دفينة، فإن علم النفس المعاصر يدعو إلى قدر أكبر من التحفظ؛ إذ لا يُنظر إلى كل زلة لسان على أنها نافذة إلى اللاوعي، بحيث أنها قد تكون في بعض الأحيان نتيجة التشتت الذهني أو تشابه الألفاظ أو الإرهاق المعرفي. ومع ذلك، يبقى أصل الفكرة قائمًا؛ فاللغة والكلام إنما هما نتاج منظومة كاملة من الخبرات والقيم والانفعالات التي تشكل الإنسان، وهنا ظل قول سقراط: «تحدث حتى أراك»، محتفظًا براهنيته عبر القرون؛ لأن الكلام يكشف طريقة التفكير، ويعكس منظومة القيم، ويُظهر من ملامح الشخصية ما قد تعجز المظاهر عن إظهاره. قالت العرب قديمًا: «المرء مخبوء تحت لسانه لا طيلسانه»..