.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم يكن هذا الربيع عادياً في القدس. المدينة التي اعتادت أن تستقبل أحد الشعانين بزحمة المؤمنين وأغصان الزيتون، وجدت نفسها هذا العام أمام مشهدٍ ناقص… كنيسة القيامة موصدة قبل أيامٍ من عيد الفصح. لم يكن الإلغاء مجرد قرارٍ إداري، بل لحظة تختصر واقعاً كاملاً من القيود التي تتسلل إلى الحياة اليومية، بعدما سبقها إغلاق المسجد الأقصى، في مشهدٍ يعكس تضييقاً يطاول جوهر العبادة نفسها.
"الخطر ليس بإغلاق الكنيسة… بل بجعل الوصول إليها صعباً". عبارة تختزل التحوّل الصامت الذي يعيشه الناس اليوم؛ إذ لا يُمنع الإيمان، لكنه يُثقل بالقيود، ولا تُلغى الصلاة، لكنها تُحاصر بالتفاصيل. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلّقاً: كيف يمكن مدينةً وُلدت منها الرسالات أن تضيق بأبنائها وهم يبحثون عن طريقٍ إلى الصلاة؟
في قرارٍ بدا كأنه يختصر ثقل المرحلة، أعلن بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلغاء عددٍ من أبرز الطقوس التي اعتادت المدينة أن تحيا بها، من دورة أحد الشعانين إلى تبريك الزيت المقدّس في خميس الأسرار. لم يكن الإعلان مجرد تعديلٍ في برنامجٍ ديني، بل إشارة واضحة إلى واقعٍ يفرض إيقاعه حتى على أكثر اللحظات قداسةً وانتظاراً.
فالقدس، التي كانت تحتضن في هذه الأيام مسيراتٍ تعجّ بالمؤمنين، من بيت فاجي إلى أبواب البلدة القديمة، مروراً بدرب الصليب، ستفقد هذا العام أحد أبرز مشاهدها الحيّة. حتى احتفالات سرّ الميرون في كنيسة القيامة، في خميس الأسرار، ستُلغى وستقتصر الصلوات داخل الكنائس، مع تقليصٍ كبير في أعداد المشاركين.
في الأراضي المقدسة، حيث نشأت المسيحية، يعيش المسيحيون اليوم تحت ضغوطٍ غير مسبوقة. بين قيود الوصول إلى الأماكن المقدسة، والأوضاع الاقتصادية المتردية، والهجرة المتزايدة، تتكشف معالم أزمةٍ تهدد الوجود المسيحي التقليدي في قلب القدس وبيت لحم والناصرة وترسم واقعاً صعباً يجعل البقاء تحدياً يومياً.
المطران منيب يونان، الرئيس السابق للاتحاد اللوثري، يؤكد أن حرية الأديان تُعد حقاً إلهياً ووطنياً وإنسانياً، لا يجوز المساس به في زمن السلم كما في زمن الحرب. يقول لـ"النهار": "لا نستطيع أن نفهم هذا القرار. إنه قرار سياسي بذريعة الحماية والأمن ، وإن حرمان هذا الحق يُشكّل "خطأً كبيراً وفادحاً"، في حين كان يمكن اللجوء إلى بدائلٍ أخرى لتقليل المخاطر من دون إغلاق المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة.
هذه ليست المرة الأولى التي تُفرض فيها قيود مماثلة. إذ يُذكر يونان بأنه سبق أن أُغلقت الكنائس ثلاثة أيامٍ احتجاجاً على قرار فرض الضرائب ضد ممتلكات الكنائس، إلا أن ما يحدث اليوم مختلف، خصوصاً أنه يأتي في فترة الأعياد وفي سياقٍ مختلف. وهذا ما يجعله يعتبر أن "منع الوصول إلى الأماكن المقدسة يحمل أبعاداً سياسية. وبالتالي لا يجوز أن تبقى هذه الأماكن رهينةً للقرارات السياسية".
وعلى رغم أن الكنائس رفعت صوتها احتجاجاً على هذا القرار، فإن المطران يعبّر عن حالة العجز قائلاً: "إلى من نشتكي ونتوجّه؟ نحن نعيش في زمنٍ لا يُحترم فيه القانون الدولي".
بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يترأس قداس الشعانين في القدس في 29 آذار/مارس 2026، وذلك بعد إلغاء المسيرة التقليدية التي تنطلق من جبل الزيتون ( الصورة أ ف ب)
ومنذ اندلاع الحرب، أُغلقت الضفة الغربية عن القدس، ولم تعد تصاريح الدخول متاحةً للمؤمنين الراغبين في المشاركة في الصلوات والاحتفال بعيد القيامة. ويشير المطران إلى أن "كل شيء بات يُغلق باسم الأمن، وعلى رغم ذلك، يواصل المؤمنون التوجّه إلى الكنائس في القدس والضفة الغربية".
في السابق، كما يشير يونان، "كان يُسمح بدخول ما بين 10 إلى 12 ألف مسيحي بعد حصولهم على التصاريح للمشاركة في الاحتفالات مثل الشعانين وسبت النور". ويتحدث أن أحد الشعانين تحوّل إلى مناسبةٍ شعبية جامعة، يشارك فيها الجميع، من مسيحيين ومسلمين ويهود، في مشهدٍ يعكس تنوّع المدينة وروحها. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بشكلٍ كبير، ليبقى السؤال، بحسب تعبيره: "لمن نرفع الصوت؟".
تراجع عدد المسيحيين اليوم إلى ما دون 1%، بعد موجات هجرةٍ واسعة شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ويعزو يونان هذا النزيف المستمر إلى مجموعةٍ من العوامل المتراكمة، أبرزها غياب أي أفقٍ لتحقيق سلام عادل، إضافةً إلى إجراءات الإغلاق والتصاريح التي تقيّد حركة الناس، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تصاعد مظاهر التطرف الديني.
في هذا السياق، يلفت إلى أن كثيرين باتوا يرون في الهجرة المخرج الوحيد، في وقتٍ يردّد لهم دائماً: "إلى أين نذهب؟ هذه أرضنا". غير أن الواقع اليومي يزداد قسوة، مع تكرار الحروب والاشتباكات كل بضعة أشهر أو سنة، وما يرافقها من إجراءاتٍ مشددة، تجعل الحياة أكثر صعوبة، حتى باتت العائلات تقول: "لم نعد قادرين على تأمين مستقبلٍ لأبنائنا هنا".
هذا الواقع دفع أعداداً متزايدة من المسيحيين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الاستقرار والأمان. ومع ذلك يعتبر المطران أن غياب السلام يبقى العامل الحاسم، "طالما لا يوجد سلام، سيبقى الاحتلال المسؤول الأول عن هجرة المسيحيين الذين يسعون إلى حياةٍ أفضل".
وعلى رغم كل القيود، يؤكد يونان أن الصلاة تبقى قائمة، "لا أحد يستطيع أن يمنعنا من الصلاة. كل ما نطلبه هو إنهاء الحرب والاحتلال، لنتمكّن من العيش بكرامةٍ مع مختلف مكوّنات هذا المجتمع".
بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يترأس قداس أحد الشعانين في القدس في 29 آذار/مارس 2026، بمشاركة مجموعة من الكهنة (الصورة أ ف ب)
أعداد المسيحيين إلى تراجعفي محاولةٍ لفهم السياق التاريخي لواقع المسيحيين في الأراضي المقدسة، واستكشاف أبرز التحديات التي دفعت آلاف العائلات إلى الهجرة، نغوص في قراءةٍ تحليلية مع المدير السابق لدائرة خدمة اللاجئين الفلسطينيين (DSPR) في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيت لحم، والسياسي الفلسطيني الدكتور برنارد سابيلا.
تشير الدراسات والتحليلات التاريخية إلى أن عدد المسيحيين في الأراضي المقدسة يشهد تراجعاً حاداً خصوصاً في الأراضي المقدسة ولاسيما منها في الضفة الغربية. ويوضح سابيلا، أن "الواقع الحالي حزين، ويعكس أزمةً عامة تطاول جميع المكونات، مع تراجعٍ ملحوظ في أعداد المسيحيين".
ويستعيد أرقاماً لافتة، موضحاً أنه في مرحلةٍ سابقة كان عدد المسيحيين في قطاع غزة يقارب ثلاثة آلاف، في حين تشير التقديرات اليوم إلى تراجع هذا العدد إلى نحو 500 فقط، مع استمرار التفكير في الهجرة حتى لدى من تبقّى. وتُعد أوستراليا من أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون، نتيجة وجود شبكاتٍ عائلية سابقة استقرّت هناك، ما يشجّع المزيد من العائلات على اتخاذ القرار نفسه، في ظل غياب الأفق واستمرار الأزمات.