الأشياء التي لا نلتفت إليها – هدى بنت فهد المعجل

ثمة أشياء في حياتنا لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تفقد قدرتها على البقاء في مكانها. مقعد اعتدنا الجلوس عليه قرب النافذة، صوت مفتاح يدور في الباب عند المساء، شجرة تتكئ على سور البيت، أو فنجان نضعه كل صباح في الموضع نفسه. تبدو هذه الأشياء عادية إلى الحد الذي يجعلنا نمر بها دون أن نراها، كأن وجودها حق مكتسب، لا احتمال قابل للانتهاء.

وربما كانت هذه إحدى مفارقات الوجود: أننا لا نرى الأشياء على حقيقتها إلا عندما تصبح مهددة بالغياب. فالعين التي ألفت المشهد تفقد دهشتها، والعقل الذي اعتاد النعمة يحولها إلى جزء من نظام الحياة، لا يستحق التأمل. نحن لا ننتبه إلى الهواء الذي نتنفسه إلا حين يضيق، ولا إلى سلامة أيامنا إلا عندما يعترضها ما يبدد انتظامها.

لكن هل تكمن قيمة الأشياء في ندرتها، أم في قدرتنا على رؤيتها؟

لو كانت الندرة وحدها تمنح الأشياء قيمتها، لكان كل ما نملكه بلا قيمة، ولكان الفقد شرطًا ضروريًا للحب. غير أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فهناك من يعيش عمرًا كاملًا إلى جوار شخص يحبه، دون أن يفقد دهشته منه، وهناك من يملك الكثير ولا يشعر إلا بالنقص. المسألة ليست فيما نمتلك، بل في المسافة التي تفصلنا عما نملك، وفي تلك الغفلة التي تجعل القريب أقل وضوحًا من البعيد.

لقد اعتدنا أن نربط الانتباه بالأحداث الكبرى؛ ننتظر سفرًا يغيرنا، أو لقاءً استثنائيًا، أو نجاحًا يعيد ترتيب صورتنا أمام أنفسنا. نؤجل شعورنا بالحياة إلى موعد آخر، كأن الأيام الحالية ليست سوى ممر طويل يقود إلى يوم يستحق الاحتفاء. وفي أثناء ذلك، تتسرب التفاصيل الصغيرة من بين أيدينا، لا لأنها قليلة الشأن، بل لأننا منحنا انتباهنا لما لم يحدث بعد. ولعل أكثر ما يخدع الإنسان اعتقاده أن حياته الحقيقية ستبدأ عندما تتغير الظروف. حين يتقاعد، أو يستقر، أو ينتهي من مسؤولياته، أو يجد الوقت الكافي لنفسه. لكنه يكتشف، بعد أن يصل إلى بعض ما انتظره، أن الزمن لم يكن ينتظره، وأن الحياة لم تتوقف عند العتبة حتى يفرغ من مشاغله. لقد كانت تحدث بالفعل، في تلك الساعات التي حسبها مؤقتة، وفي التفاصيل التي مر بها مستعجلًا نحو غاية أخرى.

إن الانتباه ليس ترفًا ذهنيًا، بل طريقة في مقاومة الفناء. حين ننظر إلى شجرة اعتدناها، ونلاحظ أن أغصانها تغيرت، فإننا لا نرى شجرة فحسب، بل نرى الزمن وهو يترك أثره في كائن يشاركنا المكان. وحين نصغي إلى حديث يتكرر من شخص قريب، فقد نكتشف أن ما بدا لنا تكرارًا لم يكن سوى محاولة هادئة منه ليظل حاضرًا في عالمنا.

ليس مطلوبًا منا أن نحول كل لحظة إلى مناسبة للتأمل، ولا أن نعيش في قلق دائم من زوال الأشياء. يكفي أن نكف أحيانًا عن التعامل مع الحياة بوصفها أمرًا مضمونًا.

فربما لا تحتاج أيامنا إلى أحداث أكثر كي تصبح جديرة بالعيش، بل إلى عين أقل استعجالًا، وقلب لا يشترط الغياب حتى يعترف بقيمة الحضور.

إن المأساة ليست دائمًا أن نفقد ما نحب، بل أن يمضي بعض ما نحب في حياتنا كاملًا، دون أن نكون قد انتبهنا إلى أنه كان هناك.

ثمة أشياء في حياتنا لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تفقد قدرتها على البقاء في مكانها. مقعد اعتدنا الجلوس عليه قرب النافذة، صوت مفتاح يدور في الباب عند المساء، شجرة تتكئ على سور البيت، أو فنجان نضعه كل صباح في الموضع نفسه. تبدو هذه الأشياء عادية إلى الحد الذي يجعلنا نمر بها دون أن نراها، كأن وجودها حق مكتسب، لا احتمال قابل للانتهاء.

وربما كانت هذه إحدى مفارقات الوجود: أننا لا نرى الأشياء على حقيقتها إلا عندما تصبح مهددة بالغياب. فالعين التي ألفت المشهد تفقد دهشتها، والعقل الذي اعتاد النعمة يحولها إلى جزء من نظام الحياة، لا يستحق التأمل. نحن لا ننتبه إلى الهواء الذي نتنفسه إلا حين يضيق، ولا إلى سلامة أيامنا إلا عندما يعترضها ما يبدد انتظامها.

لكن هل تكمن قيمة الأشياء في ندرتها، أم في قدرتنا على رؤيتها؟

لو كانت الندرة وحدها تمنح الأشياء قيمتها، لكان كل ما نملكه بلا قيمة، ولكان الفقد شرطًا ضروريًا للحب. غير أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فهناك من يعيش عمرًا كاملًا إلى جوار شخص يحبه، دون أن يفقد دهشته منه، وهناك من يملك الكثير ولا يشعر إلا بالنقص. المسألة ليست فيما نمتلك، بل في المسافة التي تفصلنا عما نملك، وفي تلك الغفلة التي تجعل القريب أقل وضوحًا من البعيد.

لقد اعتدنا أن نربط الانتباه بالأحداث الكبرى؛ ننتظر سفرًا يغيرنا، أو لقاءً استثنائيًا، أو نجاحًا يعيد ترتيب صورتنا أمام أنفسنا. نؤجل شعورنا بالحياة إلى موعد آخر، كأن الأيام الحالية ليست سوى ممر طويل يقود إلى يوم يستحق الاحتفاء. وفي أثناء ذلك، تتسرب التفاصيل الصغيرة من بين أيدينا، لا لأنها قليلة الشأن، بل لأننا منحنا انتباهنا لما لم يحدث بعد. ولعل أكثر ما يخدع الإنسان اعتقاده أن حياته الحقيقية ستبدأ عندما تتغير الظروف. حين يتقاعد، أو يستقر، أو ينتهي من مسؤولياته، أو يجد الوقت الكافي لنفسه. لكنه يكتشف، بعد أن يصل إلى بعض ما انتظره، أن الزمن لم يكن ينتظره، وأن الحياة لم تتوقف عند العتبة حتى يفرغ من مشاغله. لقد كانت تحدث بالفعل، في تلك الساعات التي حسبها مؤقتة، وفي التفاصيل التي مر بها مستعجلًا نحو غاية أخرى.

إن الانتباه ليس ترفًا ذهنيًا، بل طريقة في مقاومة الفناء. حين ننظر إلى شجرة اعتدناها، ونلاحظ أن أغصانها تغيرت، فإننا لا نرى شجرة فحسب، بل نرى الزمن وهو يترك أثره في كائن يشاركنا المكان. وحين نصغي إلى حديث يتكرر من شخص قريب، فقد نكتشف أن ما بدا لنا تكرارًا لم يكن سوى محاولة هادئة منه ليظل حاضرًا في عالمنا.

ليس مطلوبًا منا أن نحول كل لحظة إلى مناسبة للتأمل، ولا أن نعيش في قلق دائم من زوال الأشياء. يكفي أن نكف أحيانًا عن التعامل مع الحياة بوصفها أمرًا مضمونًا.

فربما لا تحتاج أيامنا إلى أحداث أكثر كي تصبح جديرة بالعيش، بل إلى عين أقل استعجالًا، وقلب لا يشترط الغياب حتى يعترف بقيمة الحضور.

إن المأساة ليست دائمًا أن نفقد ما نحب، بل أن يمضي بعض ما نحب في حياتنا كاملًا، دون أن نكون قد انتبهنا إلى أنه كان هناك.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.