لم يكن الأسبوع الممتد من 26 إلى 30 تشرين الأول/أكتوبر أسبوع هروب شامل من الأسواق. خسر "ناسداك" المركب 2%، في مقابل تراجع "ستاندرد أند بورز 500" بنسبة 0.57% و"داو جونز" بنسبة 0.85%، بينما ارتفع "راسل 2000" للشركات الأميركية الصغيرة 1.30%. وفي أوروبا، حقق "ستوكس 600" مكاسب بلغت 1.73%، وصعد "داكس" الألماني 2.53% و"كاك 40" الفرنسي 2.40%.
تكشف هذه الفجوة سوقاً أكثر انتقائية. لم يتخل المستثمرون عن الأسهم كلها، لكنهم أعادوا النظر في الأسعار التي يقبلون دفعها، وفي الشركات التي تستطيع تحويل الإنفاق والتوسع إلى أرباح وتدفقات نقدية.
بدأت أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأسبوع بمعنويات أفضل، قبل أن تعيد نتائج شركات كبرى، بينها "ألفابت" و"أمازون"، القلق في شأن استدامة الإنفاق الرأسمالي والعائد المنتظر منه.
لم يعد السؤال مقتصراً على نمو الطلب على الخدمات الجديدة. يحتاج بناء مراكز البيانات وشراء الشرائح وتوفير الطاقة إلى أموال ضخمة، بينما يبقى توقيت استردادها عنصراً حاسماً. وقد تنمو إيرادات الشركة، لكن المستثمر يريد معرفة مقدار النقد الذي سيبقى بعد تمويل التوسع.
لا تكفي خسائر أسبوع لإعلان انهيار رهان الذكاء الاصطناعي. لكنها تشير إلى أن الوعود بالنمو تواجه اختباراً أشد: هل تواكب الأرباح حجم الاستثمارات، أم تتسع المسافة بينهما؟ ومع ارتفاع تكلفة المال، يصبح انتظار العائد أكثر تكلفة أيضاً.
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي نطاق الفائدة عند 3.75-4% في اجتماعه في 28 تشرين الأول. لكن قرار التثبيت جاء قبل بيانات أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي 3.6% سنوياً في أيلول/سبتمبر، بما يؤكد استمرار الضغوط التضخمية.
بالنسبة إلى الأسواق، لا يساوي تثبيت الفائدة وعداً بانخفاضها قريباً. كل قراءة تظهر صعوبة احتواء الأسعار تقلّص مساحة الاطمئنان إلى تمويل أرخص، وتزيد التدقيق في قدرة الشركات على تحمّل تكلفة الاقتراض.
وهذا مهم خصوصاً لأسهم الشركات التي يراهن المستثمرون على نموها، إذ يعتمد جزء كبير من جاذبيتها على أرباح متوقعة في سنوات لاحقة. كلما ارتفع معدل الحسم المستخدم لتقييم تلك الأرباح، انخفضت قيمتها الحالية، ما يصعّب تبرير التقييمات المرتفعة.
في المقابل، تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات إلى نحو 4.92% بعد ظهر الجمعة، من قرابة 5% قبل أسبوع، مع ارتفاع أسعارها. وجاء تحسنها بالتزامن مع موجة البيع المتأخرة في أسهم التكنولوجيا.
يرجّح هذا التزامن أن بعض المستثمرين اتجهوا إلى السندات لتخفيف مخاطر محافظهم. لكنه لا يثبت وحده اقتناعهم بانحسار التضخم أو اقتراب خفض الفائدة؛ قد يشتري المستثمر سندات الخزانة للحماية من تقلب الأسهم، حتى مع بقاء مخاوف الأسعار قائمة.
ولهذا، لا يكفي تحرك أصل واحد لاستخلاص موقف السوق من الاقتصاد كله. قج يعكس انخفاض العائد مزيجاً من توقعات السياسة النقدية، وإعادة توزيع المحافظ، والبحث عن الأمان.
في المقابل، أنهى عقد "برنت" لتسليم كانون الأول/ديسمبر آخر جلساته الجمعة عند 117.64 دولاراً للبرميل، فيما استقر عقد كانون الثاني/يناير الأكثر تداولاً عند 113.43 دولاراً، وسط مخاوف في شأن الإمدادات والتصعيد في الشرق الأوسط، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية. والرقمان يخصان عقدين مختلفين، فلا تعكس المسافة بينهما هبوطاً متتالياً للسعر.
ارتفاع النفط يوزع المكاسب والأعباء في صورة متفاوتة. قد يدعم إيرادات المنتجين وشركات الطاقة، لكنه يرفع تكاليف النقل والتصنيع، ويضغط على قدرة المستهلكين الشرائية. وإذا امتدت الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، أصبحت مهمة المصارف المركزية أصعب.
أما الذهب، فتراجع إلى ما دون أربعة آلاف دولار للأونصة خلال تداولات الجمعة، مع توقعات برفع الفائدة عززتها مخاوف انتقال ارتفاع الطاقة إلى التضخم. وهذا مستوى أثناء الجلسة، وليس سعر الإغلاق النهائي.
لا يعني ذلك أن التضخم سلبي للذهب دائماً. في هذه الحالة، يمر الضغط عبر توقعات السياسة النقدية: يزيد احتمال ارتفاع العائد على الأصول المدرة للدخل تكلفة الاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً، وقد يحدّ من استفادته من القلق الجيوسياسي.
تنتظر الأسواق الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وتقرير الوظائف يوم الجمعة، ونتائج شركات بينها "آبل" و"إيه إم دي" و"كوالكوم". وستوفر هذه المحطات مؤشرات إلى اتجاه السياسات والفائدة، وقدرة أرباح التكنولوجيا على استعادة الثقة.
يدخل المستثمرون هذه الاختبارات بمطالب أكثر تحديداً: أرباح تبرر الإنفاق، وتقييمات تراعي تكلفة التمويل، وعوائد تعوّض المخاطر. وسيختبر الأسبوع المقبل ما إذا كانت نتائج الشركات قادرة على تهدئة القلق، أم أن النفط والتضخم سيبقيان تكلفة الانتظار مرتفعة.