الأسواق العالمية تحت ضغط الحرب والتضخم.. خبراء: مصر أمام اختبار تحويل تحسن قدرتها على تحمل الصدمات إلى تحقيق نمو مستدام

عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، اليوم الثلاثاء، ندوة هامة لمناقشة نتائج "نظرة على الأسواق المالية" خلال الربع الثالث من عام 2026، وهو التقرير الذي يصدره المركز شهريا منذ يناير 2024، بهدف تقديم قراءة مبسطة وعميقة في الوقت نفسه للتطورات التي تشهدها الأسواق المالية العالمية، وتأثيراتها على الأسواق الناشئة وعلى الاقتصاد المصري، وذلك بحضور نخبة من الخبراء الاقتصاديين والمتخصصين في القطاع المالي والمصرفي.

وأوضحت الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن التقرير يتابع مجموعة من الأسواق العالمية والناشئة، إلى جانب السوق المصرية، مع التركيز على مؤشرات التضخم وأسعار الفائدة وأسعار الصرف وأداء أسواق الأسهم والسندات، وذلك بصورة شهرية، كما يتم عقد ندوة ربع سنوية لمناقشة النتائج مع الخبراء والمتخصصين وفتح المجال للنقاش حول تداعياتها.

وأشارت إلى أن هذه الندوة تأتي في توقيت شديد الحساسية، في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، وتأثيراتها على أسعار الطاقة والتدفقات المالية والأسواق، وهو ما دفع المركز إلى إضافة قراءة خاصة لتداعيات التطورات المرتبطة بإيران والخليج ومضيق هرمز على الأوضاع المالية والاقتصادية.

وعرض عمر الشنيطي، الشريك التنفيذي بزيلا كابيتال، والاستشاري بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أهم نتائج التقرير، موضحا أن الفترة محل الدراسة شهدت عددا كبيرا من التطورات المؤثرة في حركة رؤوس الأموال عالميا، من بينها استمرار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتغيرات في سعر صرف الين الياباني، والتي يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على حركة الأموال الساخنة عالميا، فضلا عن تطورات السياسة الاقتصادية الأمريكية وأوضاع سوق السندات والخزانة الأمريكية.

وأوضح الشنيطي أداء أهم السلع الأساسية عالميا، وفي مقدمتها البترول والغاز الطبيعي والذهب، حيث شهدت أسعار السلع العالمية تباينا على مدار الفترة الماضية، لافتا إلى أن أسعار البترول شهدت تحركات كبيرة منذ بداية العام، حيث شهدت مستويات منخفضة ما بين 50 و60 دولارا للبرميل، ووصل السعر إلى ذروته عند 120 دولارا للبرميل في مارس، وهي مستويات كفيلة بأن تؤدي إلى أزمة عالمية، ثم تراجع إلى مستوى الـ80 دولارا ليعود مرتفعا إلى مستوى الـ100 دولار مرة أخرى قبل أيام نتيجة تجدد الصراع.

وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يمثل خطرا مباشرا على التضخم العالمي، كما يؤثر في قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة، بما ينعكس بدوره على تكلفة الاقتراض والاستثمار والأسواق المالية.

وأوضح الشنيطي أن أسعار الغاز الطبيعي لم تشهد ارتفاعات كبيرة عكس ما كان متوقعا، في ظل اعتماد أوروبا حاليا على الغاز المسال من قطر، والذي يتم تصديره عبر مضيق هرمز، كبديل عن الغاز الروسي.

وفيما يتعلق بالذهب، أشار الشنيطي إلى أن أداءه خلال الأزمة أكد أنه يمثل ملاذا آمنا في بعض الظروف، لكنه ليس بالضرورة ملاذا آمنا بصورة مطلقة وفي جميع مراحل الأزمات، لافتا إلى أن ارتفاع أسعار النفط والتضخم قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، وهو ما ينعكس على حركة الذهب. كما أشار إلى أن فترات الأزمات شهدت تدفقات قوية إلى السوق الأمريكية، بما دفع بعض المستثمرين إلى بيع الذهب والأصول الأخرى والاتجاه إلى الدولار، وهو ما أدى إلى تراجع أسعار الذهب.

وفيما يتعلق بتطورات التضخم وأسعار الفائدة في الأسواق العالمية، أوضح الشنيطي وجود اختلاف واضح بين مساري البنوك المركزية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل استمرار الضغوط التضخمية بدرجات متفاوتة.

وأشار إلى أن السياسة النقدية الأمريكية ظلت أكثر حذرا في خفض أسعار الفائدة، مع استمرار المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، بينما اتجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع الفائدة في مواجهة التضخم، ونتج عن ذلك تأثيرات مباشرة على الأسواق، خاصة أسواق الأسهم والسندات وتكلفة الاقتراض.

وفي هذا السياق، أوضح الشنيطي أن أسواق الأسهم الأمريكية تعرضت خلال الصيف لاضطرابات قوية، تأثرت بعدة عوامل، من بينها المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في استثمارات الذكاء الاصطناعي والمخاوف من حدوث فقاعة، والتوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار النفط، فضلا عن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية والتعريفات الجمركية الأمريكية.

أما البنك المركزي الصيني فواصل نهجا أكثر تحفظا فيما يتعلق بأسعار الفائدة، بينما شهدت تحركات في تدفقات الاستثمار بين السوقين الأمريكي والصيني.

وحول تطورات سوق السندات وتكلفة التأمين على الديون، أشار إلى أن تكلفة الاقتراض لأجل عشر سنوات في السوق الأمريكية ارتفعت، مدفوعة بمخاوف التضخم وارتفاع العائد المطلوب على السندات الحكومية، وفي المقابل، لم تشهد تكلفة التأمين على الدين الأمريكي ارتفاعا مماثلا، في ظل استمرار الثقة في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها المقومة بالدولار.

أما بالنسبة للأسواق الناشئة، فقد شهدت تباينا على مستويات التضخم وأسعار الفائدة، حيث استعرض الشنيطي تجربتي كل من تركيا وجنوب أفريقيا، باعتبارهما نموذجين لمسارين مختلفين في التعامل مع التضخم والسياسة النقدية.

وأوضح الشنيطي أن التضخم ظل مرتفعا في تركيا، بينما توجه البنك المركزي التركي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما انعكس على انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار وارتفاع تكلفة الاقتراض، وفي المقابل ارتفعت سوق الأسهم.

وعلى الجانب الآخر، اتجه البنك المركزي في جنوب أفريقيا إلى رفع أسعار الفائدة بهدف مواجهة التضخم، وهو ما ساهم في دعم العملة المحلية، وإن انعكس بصورة سلبية على سوق الأسهم ورفع تكلفة التمويل بالنسبة للشركات.

وأكد الشنيطي أن المقارنة بين التجربتين توضح أن قرارات السياسة النقدية لا تؤثر فقط على التضخم، وإنما تمتد آثارها إلى أسعار الصرف وتكلفة الاقتراض وأداء البورصات، كما أن الأسواق الناشئة تتشابه في كثير من خصائصها وأزماتها، بما يجعل تحليلها بصورة منفصلة عن بعضها أمرا غير كاف.

وفيما يتعلق بالتأثيرات على الاقتصاد المصري، أشار الشنيطي إلى استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة بسبب زيادة أسعار المحروقات الناتجة عن تأثيرات الحرب، واتجه البنك المركزي للانتظار وعدم تحريك أسعار الفائدة، ومراقبة تحركات البنوك المركزية العالمية، وهو ما انعكس على ارتفاع تكلفة الاقتراض، في حين تراجعت تكلفة تأمين الديون، وهو ما يرجع إلى زيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي وزيادة صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي.

وفيما يتعلق بتطورات سعر الصرف، أوضح الشنيطي أن السوق المصرية شهدت خلال الفترة الماضية قدرا أكبر من المرونة، مع تحركات لسعر الصرف استجابت لتغيرات التدفقات المالية، والأهم هو وجود سعر صرف موحد وعدم وجود فروق جوهرية بما يقلل التوجه نحو الدولرة، وهو تحرك إيجابي جدا من البنك المركزي.

وأشار إلى الأداء القوي للبورصة المصرية خلال الفترة الماضية، موضحا أن صعود السوق ارتبط، من بين عوامل أخرى، بارتفاع سعر الدولار، وتدفقات الأموال الأجنبية، لافتا إلى زيادة كبيرة في عدد المتعاملين بالبورصة في مصر مؤخرا.