الأسبوع الأول من العام الدراسي.. ماذا فعلنا بما عرفناه عن أبنائنا؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

في أحد الصفوف، خلال الأسبوع الماضي، جلست معلمة أمام نتائج تقويم تشخيصي سريع أجرته لطلابها العائدين من الإجازة. الأرقام أمامها بسيطة وواضحة: ثلث الفصل تقريبًا فقد جزءًا من مهارات القراءة التي كان قد أتقنها قبل الصيف. لم تكن النتيجة مفاجئة تمامًا؛ فقد تناولت دراسات تربوية كثيرة ظاهرة فقدان التعلّم خلال الإجازات الطويلة، وإن اختلفت مستوياتها وآثارها من طالب إلى آخر.

لكن المفاجأة الحقيقية ليست في الرقم، بل في السؤال الذي يليه مباشرة:

هذا هو بالضبط ما يجري، بصورة أو بأخرى، في آلاف الفصول هذه الأيام. عاد الطلبة إلى مقاعدهم بعد إجازة طويلة، يحملون شغف البداية وحماس اللقاء، وعادت معهم المدرسة إلى إيقاعها: حصص، معلمون، كتب، أنشطة، وقياسات.

لكن الأسبوع الأول ليس أسبوعًا عاديًا في حياة المدرسة. إنه الأسبوع الذي تبدأ فيه عملية التعرّف الحقيقي إلى الطالب بعد الانقطاع: كيف عاد؟ ماذا بقي لديه؟ ماذا فقد؟ ما مستوى جاهزيته ودافعيته؟ من يحتاج إلى دعم، ومن يحتاج إلى إثراء وتحديات أكبر؟

ما يتم خلال هذا الأسبوع من قياسات وملاحظات ليس مجرد إجراء افتتاحي. إنه المادة الخام التي يفترض أن تُبنى عليها القرارات.

والسؤال الذي أعتقد أن على المنظومة التعليمية كلها أن تطرحه، بعد أسابيع قليلة من الآن، هو:

فالقضية ليست أن نقيس، بل أن نعرف، ثم نقرر، ثم نتدخل، ثم نقيس مرة أخرى لنعرف هل نجح تدخلنا أم لا؟ هذه هي الدورة الطبيعية لتحسين التعلّم.

أما أن نقيس ثم نحفظ النتائج وننتقل إلى الأسبوع التالي وكأن شيئًا لم يحدث، فنحن لم نستفد من القياس إلا في إنتاج رقم جديد؛ تمامًا كتلك المعلمة، لو أغلقت الملف وانتقلت إلى الدرس التالي دون أن يتغيَّر شيء في خطتها لذلك الثلث من الفصل.

يفيد أن تتوقف كل مدرسة، بعد أسبوعها الأول، أمام أسئلة بسيطة وصعبة في آن:

من هم الطلبة الذين بدأوا العام بفجوات تعليمية واضحة؟ ما المهارات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة؟ كم عدد من يحتاجون إلى برامج إثرائية؟ هل اكتشفنا طلبة بقدرات استثنائية؟ كيف هي دافعية الطلبة؟ وهل هناك مؤشرات سلوكية أو اجتماعية تستحق الانتباه؟

هل أصبح لدينا تصور واضح لما يحتاجه كل طالب، لا لما يحتاجه الصف فقط؟

فتحسين التعليم يبدأ عندما نتوقف عن النظر إلى الطالب باعتباره رقمًا في قائمة، ونتعامل معه باعتباره حالة تعلّمية لها احتياجاتها وقدراتها الخاصة.

إذا كشفت النتائج عن فجوة في القراءة، فالسؤال التالي ليس فقط: كم طالبًا لديه هذه الفجوة؟ بل: ما خطة التدخل؟ ولمن؟ وبأي أدوات؟ ومتى سنعيد القياس؟

وإذا أظهرت أن مجموعة من الطلبة تتجاوز المستوى المتوقع، فالسؤال ليس كم نسبتهم، بل: كيف سنمنحهم فرصًا أوسع للتعلّم؟

وإذا كشفت الملاحظات عن تراجع في الدافعية، فعلينا أن نسأل: هل المشكلة في الطالب؟ أم في طريقة تقديم التعلّم؟ أم في بيئة الصف؟ أم في عوامل أسرية أو اجتماعية تحتاج إلى فهم؟

هذه هي القيمة الحقيقية للقياس: أن يجعلنا نسأل أسئلة أفضل، لا أن يمنحنا أرقامًا أكثر.

في مقابل الطالب الذي فقد جزءًا من مهاراته خلال الإجازة، هناك طالب عاد بمكتسبات حقيقية: من أنهى دورة وحصل على شهادة احترافية، ومن قرأ عشرات الكتب، ومن مارس هواية تحولت إلى مهارة موثقة، ومن اكتسب خبرة عملية لم يوفرها له الصف الدراسي.

هل ستتغير نظرتنا إلى هؤلاء الطلبة في ضوء ما أظهروه، أم سنعيدهم إلى القالب نفسه الذي كانوا فيه قبل الإجازة؟

وهل ستدفعنا المقاييس والمحكات التي نطبقها في بداية العام إلى إعادة النظر في الصورة السابقة عن الطالب، أم ستبقى تلك الصورة كما استقرت في العام الماضي، بصرف النظر عمَّا تكشفه البيانات الجديدة؟

فالتقويم الذي يكتفي برصد من تأخر دون أن يرصد من تقدم تقويم منقوص، يقود إلى معالجة نصف المشكلة فقط.

الطالب الذي عاد إلى المدرسة بمكتسبات جديدة يحتاج إلى مسار إثرائي حقيقي، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه زميله صاحب الفجوة إلى خطة علاجية.

وكلاهما اختبار حقيقي لقدرة المدرسة على التعامل مع كل طالب بصفته حالة تعلّمية مستقلة، لا رقمًا يذوب في متوسط الصف.

وهناك طرف آخر لا ينبغي أن نغفله: الطالب نفسه.

فإذا كنا نقيس من أجل تحسين تعلّمه، فمن حقه، بالقدر المناسب لعمره ومرحلته التعليمية، أن يعرف أين يقف، وما الذي أتقنه، وما الذي يحتاج إلى تطويره، وما الخطة التي سيسير عليها.

ليس المطلوب أن نحول نتائج القياس إلى أرقام تثقل الطالب أو تصنع مقارنات بينه وبين زملائه، وإنما أن نمنحه صورة واضحة عن رحلته التعليمية.

فالطالب الذي يعرف ما يحتاج إلى تحسينه، ويفهم الهدف الذي يسعى إليه، ويشارك في متابعة تقدمه، يصبح شريكًا في تعلّمه، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

وهنا يتحول التقويم من أداة للحكم على الطالب إلى أداة لمساعدته على معرفة نفسه وتطويرها.

وهنا الجانب الذي أراه غائبًا عن كثير من النقاشات التعليمية:

هل وصلت إليه رسالة تتجاوز مواعيد الدوام والانضباط والكتب؟

بدأنا العام، وهذه الصورة الأولية التي نبنيها عن ابنك، وهذه الطريقة التي يمكنك أن تساعد بها؟

أم أنه ما زال، في كثير من الأحيان، ينتظر أول اختبار حتى يعرف كيف يسير ابنه؟

إذا كنا نؤمن بأن الأسرة شريك حقيقي في التعليم، فعلينا أن نعاملها على هذا الأساس منذ اليوم الأول، لا عند ظهور المشكلة.

فالمعلم يرى الطالب في المدرسة، أما الأسرة فتراه في المنزل، وفي علاقاته، وفي نومه، وفي استخدامه للتقنية، وفي اهتماماته، وفي الأشياء التي تحفزه أو تحبطه.

والمدرسة التي لا تستمع إلى الأسرة تفقد جزءًا مهمًا من الصورة.

لكن إشراك الأسرة لا يعني أن نحول المنزل إلى مدرسة ثانية.

ليس مطلوبًا من الأب أو الأم أن يشرحا المنهج، أو أن يقوما بدور المعلم، أو أن يقضيا ساعات طويلة في متابعة الواجبات.

أن يوفرا بيئة مناسبة للتعلّم، وأن يسألا أبناءهما: «ماذا تعلمت اليوم؟» بدلًا من أن يكون السؤال الدائم: «كم أخذت؟»

وأن يعرفا متى يتواصلان مع المدرسة إذا لاحظا تغيرًا يستحق الانتباه.

ولهذا فإن بداية العام فرصة مهمة لإعادة صياغة الرسالة التي توجه إلى أولياء الأمور.

«بدأ العام الدراسي، ونأمل الالتزام بالحضور».