كان من المفترض أن تشكّل انطلاقة الموسم الجديد فرصة لتجديد اللقاء بين الفرق وأنصارها، وخصوصاً بعد فترة من الاستعدادات المثيرة للاهتمام. لكن الصورة التي ظهرت في بعض الملاعب عكست واقعاً مختلفاً، إذ لم تعد الرغبة في متابعة المباريات كافية وحدها لدفع المشجّع إلى ترك منزله والتوجّه إلى الملعب، في ظل ظروف معيشية باتت تفرض أولويات أخرى على شريحة واسعة من اللبنانيين. صحيح أن الأنظار تتجه عادةً إلى المواجهات الكبرى بين الفرق المنافسة على اللقب، حيث يُتوقّع أن تكون المدرّجات أكثر امتلاءً، وأن تستعيد المنافسة أجواءها الجماهيرية المعهودة، إلا أن السؤال الأهم يبقى: لماذا يغيب الجمهور عن المباريات الأخرى؟ ولماذا لم تعد بعض الفرق قادرة على استقطاب أعدادٍ كبيرة من مشجّعيها حتى في اللقاءات التي تخوضها على أرضها؟
الأزمة المعيشية تضرب من جديد
الإجابة هنا قد تأتي أوّلاً من اتخاذ الأنصار، بطل الدوري في الموسمين الأخيرين، مثلاً يمكن التوقف عنده، إذ إن هذا الفريق اعتاد أن يستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة، وأن يحظى بمواكبة مشجعيه في مختلف الملاعب، لكن بعض لاعبيه أنفسهم تفاجأوا في أولى مبارياتهم بغياب قسمٍ كبير من جمهورهم، وهو ما يشير إلى أن المسألة لا تتعلّق فقط بأهمية المباراة أو مستوى الفريق بل بأزمةٍ أوسع تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
الظروف المعيشية الصعبة تفرض أولويات أخرى على جماهير كرة القدم
ففي بلدٍ يرزح تحت أعباء اقتصادية ومعيشية متزايدة، لم تعد كلفة حضور مباراة كرة قدم تفصيلاً بسيطاً في حسابات العائلات والشباب، إذ إن النقل وحده بات يشكّل عبئاً إضافياً، مع وصول سعر صفيحة البنزين إلى نحو 30 دولاراً، ما يجعل الانتقال من منطقة إلى أخرى لمتابعة فريقٍ مفضّل قراراً يحتاج إلى حسابات، وخصوصاً بالنسبة إلى المشجّعين الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة.«الأخبار» استطلعت بعض المشجعين في نهاية الأسبوع على هامش المرحلة الخامسة من الدوري، فقال أحمد، وهو مشجّع من طرابلس قَدِم إلى جونية لمتابعة مباراة فريق المدينة الشمالية أمام الحكمة، إن الرغبة في الحضور لا تزال موجودة، لكن الظروف لم تعد تسمح له بذلك كما في السابق. ويوضح: «لم تعد كلفة الطريق أمراً بسيطاً. عندما تحتسب ثمن البنزين ذهاباً وإياباً، إلى جانب المصاريف الأخرى، تجد نفسك مضطراً إلى التفكير مرتين قبل اتخاذ القرار. نحن نحب فريقنا، لكن لدينا التزامات لا يمكن تجاهلها».
ويرى كريم، وهو مشجّع طرابلسي آخر، أن المشكلة لا ترتبط بثمن التذكرة الذي أصبح أعلى هذا الموسم، بل تبدأ قبل الوصول إلى الملعب، مضيفاً: «المباراة بالنسبة إلينا ليست مجرد تذكرة دخول. هناك كلفة النقل والطعام وأحياناً مصاريف إضافية، وإذا كنت ستذهب مع عائلتك، تصبح الكلفة أكبر. لذا قد نفضّل متابعة المباراة من المنزل، حتى لو كنا نشتاق إلى أجواء المدرجات».في المقابل، يشير سامر، وهو مشجّع للحكمة، إلى أن الضغوط اليومية باتت تستنزف اهتمام الناس وطاقتهم. ويضيف: «هناك من يفكر في تأمين احتياجات عائلته، ومن يقلق بشأن عمله أو مصاريفه الشهرية. كرة القدم تبقى مهمة بالنسبة إلينا، لكنها قد لا تكون أولوية بالنسبة إلى البعض عندما تكون هناك أمور أكثر إلحاحاً، لذا أجد أن مشجعي الحكمة مثلاً يتوافدون إلى جونية أكثر من أي ملعبٍ آخر».
لم تعد كلفة حضور مباراة كرة قدم تفصيلاً بسيطاً في حسابات العائلات والشباب
بانتظار حماوة المنافسة
إلى جانب العامل الاقتصادي، قد يفسّر البعض تراجع الحضور بأن الدوري لا يزال في مراحله الأولى، وأن مشجعي بعض الفرق لا يشعرون حتى الآن بأن وجودهم في المدرّجات سيشكّل عاملاً حاسماً في مسيرة فرقهم، وقد يتغيّر هذا الواقع مع اشتداد المنافسة، واقتراب المباريات المفصلية، وازدياد أهمية النقاط في تحديد هوية البطل والفرق المهدّدة بالهبوط.وبين من يختار متابعة فريقه عبر الشاشة لتوفير النفقات، ومن يفضّل تخصيص ما تبقّى من دخله لاحتياجات أسرته، قد تتراجع أعداد المشجعين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع الانتماء إلى الأندية، وهذه مسألة مؤكدة.
أما الأكيد أكثر، واستناداً إلى مواجهة جويّا والنجمة، فإن المواجهات الكبرى ستعيد دائماً الصخب إلى المدرّجات، لكن يُفترض أن تعمد الأندية أيضاً على تعبئة جمهورها وتنظيم حضوره بشكلٍ تقدّم فيه بعض الحوافز أيضاً، إذ إن نجاحها لا يُقاس فقط بما تحققه داخل الملعب، بل كذلك بعدد الذين يتقاطرون خلفها حتى تبقى اللعبة جزءاً من حياة الناس، ولو في أصعب الظروف.