الأخضر.. واقعية دونيس وتحدي الكبار

ينطلق المنتخب السعودي لكرة القدم نحو مونديال 2026 بوعي تكتيكي كبير وإدراك عميق لحجم المسؤولية، حيث لا يرى الأخضر دوره أمام عمالقة المجموعة الثامنة مجرد مشاركة شرفية أو جسر عبور للآخرين. فرغم وقوعه إلى جوار إسبانيا، بطلة أوروبا والمصنفة الثانية عالمياً، والأوروغواي التاريخية الشرسة، إلا أن الهوية السعودية باتت ترتبط بالقدرة على مقارعة الكبار وصناعة المفاجآت المدوية. وتأتي هذه المشاركة برغبة جامحة في إثبات أن الكرة الآسيوية قادرة على كسر التوقعات، معتمدين على شخصية دولية نضجت كثيراً في المحافل العالمية الأخيرة. ولتخطي هذه المرحلة المعقدة، يتطلب الأمر واقعية شديدة واستغلالاً ذكياً لنظام البطولة الجديد الذي يتيح تأهل أفضل المنتخبات الحاصلة على المركز الثالث بجانب المتصدر والوصيف. وتبدأ خريطة الطريق الحاسمة من مواجهة الأوروغواي في ميامي يوم الخامس عشر من يونيو، تليها معركة إسبانيا في أتلانتا يوم الحادي والعشرين من يونيو، ثم الختام المصيري أمام الرأس الأخضر في هيوستن يوم السادس والعشرين من يونيو. المفتاح الأساسي للعبور يكمن في تحقيق فوز عريض ومضمون على الرأس الأخضر لحصد ثلاث نقاط ثمينة وتأمين فارق أهداف إيجابي، بالتوازي مع تطبيق انضباط دفاعي حديدي يشبه ملحمة الأرجنتين السابقة، لخطف تعادل واحد على الأقل من المواجهتين الكبريين، حيث إن الوصول إلى النقطة الرابعة يمنح الأخضر بطاقة التأهل رسمياً، في حين يتطلب أي تعثر حذراً شديداً لتجنب استقبال أهداف قد تؤثر في حسابات المفاضلة الرقمية. وفي خضم هذا التحدي الكبير، يبرز دور المدير الفني اليوناني جورجيوس دونيس الذي تسلم زمام القيادة في توقيت حرج قبل أشهر قليلة من المونديال. ويمتلك دونيس ميزة استثنائية تتمثل في خبرته العريضة الممتدة لنحو عقد من الزمن في الملاعب السعودية، مما يجعله عارفاً بأدق تفاصيل وعقلية اللاعب المحلي ومستويات التنافس. وقد اتضح هذا الجانب جلياً في المباراة الودية الأخيرة التي برز فيها المنتخب السعودي بشكل فني لافت للانتباه؛ حيث ظهرت بصمة المدرب اليوناني في اتخاذ أساليب مختلفة، لعل أبرزها التركيز العالي على دور التمريرات الحاسمة وبناء اللعب المتقن عبر التمريرات القصيرة لضرب دفاعات الخصم والتحكم في رتم اللعب. وسيكون لزاماً على دونيس تسخير هذه المعرفة الفنية لإعادة ترتيب الأوراق سريعاً، والاعتماد على الواقعية التكتيكية التي تميز أسلوبه التدريبي من خلال إغلاق المساحات والاعتماد على التحولات الهجومية السريعة مستغلاً عناصر الخبرة في قائمته. ومن المتوقع أن يركز المدرب اليوناني بشكل مكثف على الجانب النفسي وتخفيف الضغوط الإعلامية عن لاعبيه، مستنداً إلى المعنويات العالية التي ظهرت في معسكر الاستعداد الحالي، ليقود منظومة متوازنة قادرة على الانضباط والصمود أمام القوى الهجومية لخصومه وضمان مقعد في الأدوار الإقصائية. ‏