.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
الحديث عن الأبنية التاريخية أشبه برحلةٍ عبر الزمن، لا يمكن مقاربتها من دون الغوص في تفاصيلها الدقيقة. وبقدر ما يبدو هذا الملف شيّقاً، ثقافياً وعميقاً، فهو شائك ومعقّد، إذ إنّ مهمّة الحفاظ على الأبنية التاريخية، ولا سيّما تلك التي لا تتمتّع بقيمة معمارية أو فنية ملموسة، باتت اليوم أكثر صعوبة في ظل الإغراءات المادية المتزايدة ومنطق الاستثمار العقاري الطاغي.
عندما افتُتح مسرح بيروت في عين المريسة عام 1965، كان أول مسرح يحتضن الثقافة والفن، ويفتح المدينة على آفاق أعمق وأبعد مما اعتادت عليه عيوننا. أما اليوم، فيجد نفسه في مهبّ قرار قد يفضي إلى هدمه، أو إلى استفادة المالك من عقاره على حساب طمس الذاكرة الثقافية الجماعية لمدينة شهدت محطات مفصلية في تاريخها.
يخوض المعنيون حرباً معنوية للحفاظ على المسرح، غير أن ما قبل قرار مجلس شورى الدولة ليس كما بعده. فمنذ انتقال ملكية العقار، الذي يضم "مسرح بيروت"، عام 2011، بات هذا الصرح الثقافي يتخبّط في نوايا قد تمحو ما تبقّى من ذاكرته، وما شهده من محطات ذهبية في تاريخ المدينة.
الضربة الأقسى جاءت بقرار مجلس شورى الدولة، الذي أبطل إدراج المسرح على لائحة الجرد بتاريخ 27/5/2014، معتبراً أن "حماية النشاط الثقافي" لا تُشكّل سبباً كافياً لإدراج المبنى، وأن وزارة الثقافة لم تبرّر بما يكفي أهميته التاريخية. ورغم هذا الحكم، بقي المسرح مدرجاً على لائحة الجرد لمدة 11 عاماً، إلى أن أعادت وزارة الثقافة أخيراً تنفيذ القرار في 12/9/2025، مع الإشارة إلى أن أيّ تأخير في التنفيذ يُلزم الوزارة بدفع غرامة مالية قدرها 500 دولار عن كل يوم تأخير.
أمام هذا الواقع، تبرز إشكالية محورية: كيف يمكن حماية الأبنية التاريخية فعليًا؟
انطلاقاً من هذا السؤال، فُتح باب النقاش مع المدير العام في المديرية العامة للآثار في لبنان سركيس خوري، الذي أكّد في حديثه لـ"النهار" أن الآلية الأساسية للحماية تبدأ بإدراج هذه الأبنية على "لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية". وبمجرّد إدراج المبنى على هذه اللائحة، يصبح خاضعاً لشروط واضحة تفرضها المديرية، في مقدّمها إلزامية الحصول على موافقتها المسبقة قبل الشروع في أيّ أعمال ترميم أو تعديل.
ولكن خوري يعود إلى الجذور القانونية، شارحاً بأن "قانون التنظيم المدني في بيروت الصادر عام 1950، وفق المخطط التوجيهي، سمح للمواطن اللبناني في بيروت ببناء طوابق وارتفاعات في المناطق البيروتية، ما أدى إلى ارتفاع هائل في قيمة الأراضي". من هنا، برزت إشكالية لم تكن مطروحة سابقاً، إذ أصبح مالكو العقارات القديمة، لديهم مصلحة في هدم الطابقين لبناء ناطحات سحاب أو طوابق عديدة".
ويضيف خوري أنّ ارتفاع عامل الاستثمار في بيروت وضع كثيرين أمام معادلة صعبة: الحفاظ على منزل قديم يحمل قيمة تاريخية أو الرضوخ لإغراءات مالية مقابل مشاريع عمرانية كبرى. ومع تزايد هذه الظاهرة وتنامي الضغوط، بدأ البحث الجدي في كيفية معالجة هذا الواقع، بما يوازن بين مصلحة أصحاب العقارات من جهة، وواجب الدولة، ممثّلة بالمديرية العامة للآثار ووزارة الثقافة، في حماية الإرث التاريخي والمعماري من جهة أخرى.
"بعض الأبنية التاريخية تواجه اليوم مصيراً بالغ الصعوبة، ما يفرض اعتماد مقاربات مختلفة في التعامل معها"، يقول خوري. وانطلاقاً من هذا الواقع، يوضح بأنّ الحلّ الأنسب يتمثّل في العمل على مشروع قانون "حماية الأبنية التراثية"، الذي يتيح لمالك العقار نقل عامل الاستثمار من عقار إلى آخر، وفق شروط محدّدة تُقرّها المديرية العامة للآثار بالتنسيق مع البلدية والتنظيم المدني. ويهدف هذا الإجراء إلى تفادي خسارة عامل الاستثمار، عبر نقله إلى موقع آخر والاستفادة منه، من دون التضحية بالمبنى التاريخي نفسه.
لكنّ مشروع القانون لا يزال عالقاً في مجلس النواب ولم يبتّ به بعد. ومع ذلك، يشدّد خوري على أنّ المسألة لا تتعلّق بالقانون بحدّ ذاته بقدر ما تتصل بالحاجة إلى أي اقتراح بديل قادر على حماية التراث اللبناني وصون الأبنية التاريخية، في بيروت كما في سائر المناطق.
وفي حال لم يقتنع النواب بمشروع القانون المطروح، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمنع وضع مخطّط توجيهي لمدينة بيروت، أو اقتراح تشريع آخر يكون كفيلاً بحماية ما تبقّى من الأبنية التراثية؟ في النهاية حماية التراث مسؤولية وطنية جماعية، لا يمكن حصرها بجهة واحدة فقط.
شهدت مدينة بيروت خلال حقبة إعادة الإعمار في تسعينيات القرن الماضي نقطة تحوّل ومحطة مفصلية في خسارة أبنية تاريخية كثيرة على حساب العمران والتجدد. ومع ذلك، تعتبر بيروت موطناً للتراث والتاريخ المتنوع، وقد كانت شاهدة على حضارات مختلفة تُرجمت آنذاك بدلائل حسيّة من آثار ومنحوتات وجدت خلال عمليات الحفر. وبالتالي، هذا النسيج العمراني الذي تكوّن غير موحّد ويمثل حقبات مختلفة.
صورة لمنزل يتمتع بقيمة معمارية قديمة تضرر بشكل كبير في انفجار بيروت (النهار - مارك فياض)
لنعد إلى بداية المسار النضالي والمحطة المفصلية التي شكّلت نقطة تحوّل أساسية قبل الوصول اليوم إلى خطر الهدم. فقد شهد مسرح بيروت مساراً تفاوضياً ونضالاً طويلاً خاضته مجموعات ثقافية وفنية، كان همّها الأول الحفاظ على ذاكرة بيروت وحماية هذا الصرح من خطر الإقفال والطمس، وصولاً إلى التهديد بهدمه.
لا يُخفي وزير الثقافة السابق غابي ليون فخره بـ"إدراج جزء من العقار الرقم 243 في منطقة عين المريسة العقارية، حيث يقوم مسرح بيروت، في لائحة الجرد العام، وذلك بموجب القرار الرقم 2011/133، باعتباره معلماً ثقافياً وتاريخياً، بما ضمن حمايته يحول دون هدمه".
في المقابل، يوضح بأنّه "لم يكن بالإمكان آنذاك إدراجه ضمن لائحة الممتلكات الثقافية في ظل غياب المراسيم التطبيقية. كانت الموانع في اللجوء إلى مشروع القانون كثيرة، ولا أعرف إذا ما زالت من بعدي مع تعاقب وزراء آخرين".
مسرح بيروت يواجه مصيراً قاتماً بعد سحبه من لائحة الرد العام للأبنية التاريخية (الصورة من فايسبوك)
يعترف ليون بأنّ حرصه على القيمة الثقافية والتاريخية لهذا المبنى هو ما دفعه إلى إدراجه على لائحة الجرد العام، في خطوة اعتُبرت سابقة في تاريخها، ولا سيّما أنّ المبنى الذي يحتضن المسرح لا يتمتّع بأي قيمة معمارية أو فنية، بل بقيمة ثقافية ورمزية تختزن ذاكرة بيروت.
صحيح أنّ الوزير السابق نجح في حماية المسرح من الهدم عبر إدراجه على اللائحة، إلا أنّه لم ينجح في تأمين تشغيله، لأسباب عدّة، من بينها نقص التمويل وغياب الكادر الفني المتخصّص. ويصف ليون فكرة إعادة تشغيل المسرح في تلك المرحلة بـ"الفكرة الرومانسية"، مشيراً إلى أنّه لم يُسجَّل أي تقدّم فعلي في إدراج المسرح ضمن الممتلكات الثقافية حتى يومنا هذا.
يتساءل ليون عن سبب عدم مبادرة الوزراء المتعاقبين إلى إدراج مسرح بيروت ضمن لائحة الممتلكات الثقافية، ويقول "نجحتُ في تجميد هدم المسرح عبر إدراجه على لائحة الجرد العام"، كما عمل جاهداً، خلال تولّيه وزارة الثقافة بين عامَي 2011 و2014، على حماية الأبنية التاريخية في بيروت، لا المسرح وحده.