اقتصاد النقرة حولت المثقف إلى صانع محتوى – د. أحمد فاتح  محمد

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيط محايد لنقل المعرفة، بل أضحى بنية تداولية مهيمنة تعيد تشكيل الوعي، وتحدد مسبقا شروط المقبولية والمشروعية الثقافية. إننا نعيش اليوم تحولاً جذرياً في طبيعة التلقي، حيث تراجعت سلطة النص المتمنع والخطاب المركب، لحساب ما يمكن تسميته ببلاغة التسطيح وهي بلاغة لا تستمد قوتها من عمق المحتوى أو تماسك الحجة، وإنما من مدى قدرتها على التكيف مع خوارزميات المنصات، والتحول إلى سلعة سريعة الاستهلاك يقاس ثقلها المعرفي برنين العدادات وحجم الإعجابات.

في هذا الفضاء الرقمي الجديد، يحدث انزياح خطير في مفهوم القيمة الثقافية. فبعد أن كان النص الأدبي أو الفكري يكتسب شرعيته من خلال حوار نقدي ممتد، وعبر آليات فحص وتمحيص تشترك فيها الجماعة العلمية أو النخبة الثقافية، أصبح اليوم خاضعاً لـ«ديمقراطية رقمية وهمية»، إنها ديمقراطية النقرة أو كليك التي تتساوى فيها جميع الأصوات، لا بناءً على كفاءة معرفية، بل بناءً على قدرة المحتوى على إثارة الانفعال اللحظي. الإعجاب هنا ليس موقفاً نقدياً، بل هو استجابة غريزية سريعة، تفاعل فيزيولوجي مع شاشة الهاتف، يحل محل القراءة المتأنية والتدبر الفكري.

هذا التحول يفضي بالضرورة إلى إعادة صياغة الذات المثقفة نفسها. لم يعد المثقف يكتب ليقاوم السائد أو ليزعزع اليقينيات، بل أصبح، في كثير من الأحيان، يكتب وعينه على مؤشرات التفاعل.

إنه يقع تحت طائلة «إكراهات الانتشار»، مما يدفعه إلى تشذيب أفكاره، وحذف هوامشه، واختزال تعقيدات الواقع في جمل رنانة، قصيرة ومبتسرة، تتناسب مع اقتصاد الانتباه الذي تحكمه المنصات. إنها عملية تسطيح متعمد للأفكار، حيث يضحى بالعمق من أجل ملامسة السطح الذي يضمن الالتفاف الجماهيري المؤقت.

إن خطورة عداد الإعجابات تكمن في كونه يحول الثقافة من حقل لإنتاج المعنى إلى سوق لتبادل الرموز الاستهلاكية. المنشور الرقمي يصبح أشبه بـ«المنتج» الذي يحتاج إلى تسويق، والمفكر يتحول إلى «صانع محتوى» يخشى عزلة الخوارزميات وصمت المتابعين. هذا الوضع يكرس نوعاً من «الأرثوذكسية الرقمية الجديدة»، حيث تصبح الأفكار التي لا تحظى بالتفاعل وكأنها غير موجودة أنطولوجياً، ويُقبر الفكر النقدي الجاد في غياهب النسيان الرقمي لمجرد أنه لم يتقن لغة الاستعراض والتبسيط.

وعليه، فإن بلاغة التسطيح ليست مجرد أسلوب تعبيري فرضه العصر، بل هي إستراتيجية خفية تعمل على تدجين الوعي العام. إنها تلغي المسافة الضرورية بين القارئ والنص، وتلغي زمن التفكير وبطء الفهم، لصالح فوريّة خادعة توهم بالمعرفة بينما هي لا تقدم سوى شظايا ومقتطفات.

الثقافة الحقيقية هي تلك التي تقاوم الفورية، وتتطلب جهداً ووصفات مغايرة للقراءة، إنها تجربة في المساءلة والشك، وهو ما لا يمكن لعداد الإعجابات، بطبيعته الكمية والآلية، أن يستوعبه أو يقيسه.

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيط محايد لنقل المعرفة، بل أضحى بنية تداولية مهيمنة تعيد تشكيل الوعي، وتحدد مسبقا شروط المقبولية والمشروعية الثقافية. إننا نعيش اليوم تحولاً جذرياً في طبيعة التلقي، حيث تراجعت سلطة النص المتمنع والخطاب المركب، لحساب ما يمكن تسميته ببلاغة التسطيح وهي بلاغة لا تستمد قوتها من عمق المحتوى أو تماسك الحجة، وإنما من مدى قدرتها على التكيف مع خوارزميات المنصات، والتحول إلى سلعة سريعة الاستهلاك يقاس ثقلها المعرفي برنين العدادات وحجم الإعجابات.

في هذا الفضاء الرقمي الجديد، يحدث انزياح خطير في مفهوم القيمة الثقافية. فبعد أن كان النص الأدبي أو الفكري يكتسب شرعيته من خلال حوار نقدي ممتد، وعبر آليات فحص وتمحيص تشترك فيها الجماعة العلمية أو النخبة الثقافية، أصبح اليوم خاضعاً لـ«ديمقراطية رقمية وهمية»، إنها ديمقراطية النقرة أو كليك التي تتساوى فيها جميع الأصوات، لا بناءً على كفاءة معرفية، بل بناءً على قدرة المحتوى على إثارة الانفعال اللحظي. الإعجاب هنا ليس موقفاً نقدياً، بل هو استجابة غريزية سريعة، تفاعل فيزيولوجي مع شاشة الهاتف، يحل محل القراءة المتأنية والتدبر الفكري.

هذا التحول يفضي بالضرورة إلى إعادة صياغة الذات المثقفة نفسها. لم يعد المثقف يكتب ليقاوم السائد أو ليزعزع اليقينيات، بل أصبح، في كثير من الأحيان، يكتب وعينه على مؤشرات التفاعل.

إنه يقع تحت طائلة «إكراهات الانتشار»، مما يدفعه إلى تشذيب أفكاره، وحذف هوامشه، واختزال تعقيدات الواقع في جمل رنانة، قصيرة ومبتسرة، تتناسب مع اقتصاد الانتباه الذي تحكمه المنصات. إنها عملية تسطيح متعمد للأفكار، حيث يضحى بالعمق من أجل ملامسة السطح الذي يضمن الالتفاف الجماهيري المؤقت.

إن خطورة عداد الإعجابات تكمن في كونه يحول الثقافة من حقل لإنتاج المعنى إلى سوق لتبادل الرموز الاستهلاكية. المنشور الرقمي يصبح أشبه بـ«المنتج» الذي يحتاج إلى تسويق، والمفكر يتحول إلى «صانع محتوى» يخشى عزلة الخوارزميات وصمت المتابعين. هذا الوضع يكرس نوعاً من «الأرثوذكسية الرقمية الجديدة»، حيث تصبح الأفكار التي لا تحظى بالتفاعل وكأنها غير موجودة أنطولوجياً، ويُقبر الفكر النقدي الجاد في غياهب النسيان الرقمي لمجرد أنه لم يتقن لغة الاستعراض والتبسيط.

وعليه، فإن بلاغة التسطيح ليست مجرد أسلوب تعبيري فرضه العصر، بل هي إستراتيجية خفية تعمل على تدجين الوعي العام. إنها تلغي المسافة الضرورية بين القارئ والنص، وتلغي زمن التفكير وبطء الفهم، لصالح فوريّة خادعة توهم بالمعرفة بينما هي لا تقدم سوى شظايا ومقتطفات.

الثقافة الحقيقية هي تلك التي تقاوم الفورية، وتتطلب جهداً ووصفات مغايرة للقراءة، إنها تجربة في المساءلة والشك، وهو ما لا يمكن لعداد الإعجابات، بطبيعته الكمية والآلية، أن يستوعبه أو يقيسه.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.