استوديو سمارة: عندما جاءت «إيجيبت» لزيارة مصر

مقدمة ذاتية ذكرياتي في وسط مدينة القاهرة أو ما يسميه أهل وسكان العاصمة «وسط البلد» تعود إلى طفولتي، بحكم عمل والدتي في بنك مصر قرب ميدان مصطفى كامل. اعتدت في طفولتي زيارتها أحيانًا في مقر عملها، عادة ما كان يتبع ذلك تمشية في شوارع وسط البلد، وتمتد الجولة إلى متاجرها لشراء ملابس جديدة، وتنتهي طبعًا بالمكافأة الكبرى، أيس كريم. لا أبحث هنا عن نوستالجيا أو أحاول «رمنسة» ذكريات طفولتي في الثمانينيات ومراهقتي في التسعينيات أو الدخول في مونولوج مطول مقتطع من مسلسلات محمد جلال عبد القوي عن تآكل مكانة وقيمة الطبقة الوسطى من أفندية دولة يوليو، عندما «كان وكان لينا في كل مكان مكان»، كما غنى عمرو دياب عن حبيبته التسعينية أيضًا. تطورت علاقتي بوسط البلد لاحقًا في مراحل أهم في حياتي. دراستي في جامعة القاهرة سمحت لي -مع الشكر لاشتراك مترو الأنفاق للطلبة- بالتسكع في شوارعها بالساعات، تفقّد مكتبات مدبولي والشروق للبحث عن كتب لن أستطيع شراءها من مصروفي، محلات الفضة حيث يمكن بقدر من التدبير شراء حلق أو خاتم جديد، معارض في جاليري تاون هاوس، وفي مرحلة لاحقة مسرح روابط، وطبعًا مقاهيها التي سمحت للفتيات بالجلوس عليها بأريحية، في وقت لم يكن ذلك مسموحًا في أحياء أخرى بالقاهرة. لا تحمل شوارع وسط البلد لي فقط ذكريات السنوات العشر الأولى من الألفينات (من 2000 حتى 2010) باعتبارها «جنة» للثقافة والفن والاكتشافات الفنية السياسية والثقافية، فهي تحمل أيضًا بداية من السنوات العشر الثانية في الألفية (من 2010 حتى 2020) الكثير من الجروح. انتشر الباعة الجائلون وسدوا شوارعها تمامًا، وشَهِدَت أسوأ ما مر من عنف على أجساد النساء في حواريها الضيقة وحول نفس المقاهي التي طالما رحبت بالفتيات والنساء، وكانت مسرحًا لكثير من معارك السياسة، الكر والفر والعنف، ثم فجأة تحولت لمكان منبوذ، مقفر، يتجنبه الجميع، خوفًا أو ألمًا أو زهقًا. لم أتوقف خلال أي من هذه المراحل عن زيارة وسط البلد، لكن حدث تحولٌ في نمط زياراتي وأسبابها. لم يعد هناك وقت للتسكع، يجب أن يكون هناك موعدٌ محددٌ، أو لقاء بعينه أو عرض فيلم مثلًا أو مهرجان عروض في سينما زواية (مكاني المفضل) لأزورها. أصبح لدي الآن سيارة، ولهذا فالتفكير في أوقات الذروة، والجراجات وأين يمكنني أن أترك السيارة بأمان من أولوياتي. أصبحت أحب الزمالك وأعلم مداخلها ومقاهيها ومكتباتها جيدًا، هي أسهل للتسكع، أكثر ترحيبًا بالمرأة، أسهل لتجد مكانًا آمنًا لسيارتك، أقل تحرشًا وقسوة. رغم ذلك احتفظ عقلي وقلبي وربما جسدي بذاكرة وجوده في شوارع وسط البلد، فهذا مكان لن أضيع فيه أبدًا، تعلم قدماي أين تخطو جيدًا، أتفهم التغيرات التي أصابته والانكسارات التي شهدها. هو بيتي القديم. مهمل، مترب، لكنه بيتي بكل تأكيد. عندما وصلت يد التطوير يتخيل كل منا أن مكان نشأته أو منزل أهله القديم سيظل للأبد، يتعايش مع فكرة أنه أصبح مهجورًا، آيلًا للسقوط، متربًا، مهملًا، لكنه موجود، حتى تأتي لحظة الحقيقة فجأة، ستطاله يد التطوير، ويد التطوير بدأت تطول وسط مدينة القاهرة كما يبدو من قبل العام 2020، بانتقال الكثير من الوزارات وتحديدًا «الداخلية»، حيث الحواجز وإغلاق شارع محمد محمود وما حوله، ثم تلاها مجلس الشعب (النواب) والشوري (الشيوخ)، وكذلك وزارة العدل إلخ إلخ، وأصبح السؤال مطروحًا ماذا سنفعل في تلك المباني، في هذه الشوارع، في قاهرة الخديوي إسماعيل. لستُ بصدد مناقشة قضية الإحلال العمراني أو ما يسمى بالـ«جنترة»، فأنا لست خبيرة بها ولا متخصصة، لكني فقط أشهد على كيف بدأت يد التطوير تزحف على بيتي القديم المهجور المتهالك، وتحوله لكائن لامع وجديد لكن بلا أي روح أو محتوى. لا أمتلك أيضًا المعلومات الدقيقة حول صراعات السيطرة على شوارع ومباني وسط البلد بين المستثمرين الكبار، مصريون كانوا أم أجانب، فهذا موضوع يحتاج متخصصين في البورصة والاقتصاد السياسي. لكني فقط في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ ظهور أهل «إيجيبت» في شوارع وسط البلد، بل إنه في أحد أيام الخميس قبيل شهر رمضان حاولت بلا جدوى أن أجد مكانًا لسيارتي في أحد الجراجات الكبرى فكان ممتلئًا بالكامل، وهو أمر لم يحدث من قبل. قبل أن أنجرف في القسوة على أهل «إيجيبت» واتهامهم باقتحام «بيتي» القديم، أعترف أنني اخترت أن يكون بيتي الخاص أيضًا على أطراف القاهرة، وقريبًا من عوالم «إيجيبت» وإن لم أستطع الاندماج بها تمامًا، فأنا كنت وسأظل ابنة حي شبرا، حيث بيت أبي ومدرستي ومعظم حياتي، كما قال محرم فؤاد «بحبك يا شبرا بحبك صحيح» مهما مر الزمن، لكنني كنت أتخيل بيتي القديم الكبير، حي وسط البلد، سيظل لي وحدي ولملاكه السابقين فقط، الذين اعتادوا تآكله وترابه ومبانيه الرمادية ومقاهيه الشعبية. مظاهر تطوير و«جنترة» وسط المدينة عديدة لكن ممر سينما راديو تحديدًا الذي امتد إلى ما وراءه، حيث شارع النبراوي ومقهى التكعيبة وجاليري تاون هاوس سابقًا، هذه المنطقة تحديدًا ويد التطوير التي طالتها تذهلني وتكئبني. ومع ذلك أحرص على أن أقدمها وأشرح ما طالها من «جنترة» لكل صديق زائر جديد مصري أو أجنبي. أثار وجود مطاعم جديدة في تلك المنطقة، تحديدًا مطعم يشمل ركنًا لمكوجي يمارس مهنته العادية وكأنه جزء من عرض وليس مهنة موجودة في كل شوارع المدينة جدلًا واسعًا منذ فترة على منصات التواصل الاجتماعي، وهو تكرار لجدالات سابقة، حول الإصرار على تحويل وسط المدينة من مكان «مُعاش»، يمارس فيه الناس الحياة، يعملون ويبيعون ويشترون ويضحكون ويمارسون حياتهم الاجتماعية لمكان «عرض» مفتوح، لحياة البشر والناس في مصر ليتعرف عليها السياح وسكان «إيجيبت» الذين يعيشون حاليًا في فقاعات المولات و«البلازات»، والعجيب أنهم نسوا وهم سكان مدينة نصر ومصر الجديدة وشبرا والزمالك ووسط البلد أنه في كل شارع عاشوا به كان هناك مكوجي، كما هي العادة، ومطعم فول وطعمية يمد الشارع والحي بأكمله بإفطاره اليومي، والذي يصل ذروته في يوم الجمعة. «سمارة» في مواجهة «مترو المدينة» منذ أشهر قليلة وصل ممر سينما راديو زائر جديد وهو استوديو سمارة والذي أثار عاصفة من الترحيب على المنصات أيضًا بعد أن قدمت الفنانة الواعدة، دينا دياب، رقصة شرقية بارعة على طريقة الراحلة العظيمة تحية كاريوكا. عندها شعر الجميع أنه ربما يكون هناك مكان واعد يبحث في موروثنا الفني والثقافي ليعيد إحياءه. ومن مشاهدتي للفيديوهات القصيرة على «انستجرام» تخيلتُ أنها محاولة لاسترجاع فكرة «كازينو بديعة» الشهير، خاصة وأن مسرح سينما راديو تم تحويله منذ عدة سنوات لشكل شبيه بالكباريهات، كما ظهرت في الأفلام القديمة بالأبيض والأسود، عندما كان عاديًا جدًا أن تكون شادية وإسماعيل ياسين وشكوكو وسامية جمال وفريد الأطرش لديهم «نمرة»، تنتهي ثم تستمر أحداث الفيلم النبيلة جدًا ذات التضحيات العظيمة مع بعض الكوميديا وتدخل شرير عابر من محمود المليجي أو فريد شوقي. تذكرت تجربة «مترو المدينة» في بيروت. منذ أكثر من عشر سنوات، جاءوا إلى القاهرة بعرض شديد الجمال باسم «هِشك بِشك»، وقُدم هذا العرض وشاهدته على مسرح أوبرا سيد درويش بالإسكندرية، كما شاهدته أيضًا في مكانه بمسرح مترو المدينة ببيروت. العرض عبارة عن فقرتين أساسيتين: الأولى أغاني مرحلة الثلاثينيات حتى الخمسينات فيما أتذكر، والثانية من الخمسينيات حتى السبعينيات، بالطبع في عرض مسرح أوبرا سيد درويش في الإسكندرية لم تصاحبه فقرات راقصة. أما في بيروت وفي «مترو المدينة» في منطقة الحمرا، فكان المسرح أصغر حتى من مسرح راديو لكن نفس الفكرة. يمكن طلب الأكل والشرب على طاولات وسط إضاءة خافتة تليق بأجواء كباريهات شارع عماد الدين أثناء العرض، الذي قدّم نفس الأغاني ولكن صاحبها فقرات راقصة. لا أتذكر تفصيلات عرض هشك بشك الآن، لكني أتذكر جيدًا المجهود البحثي المبذول في دراسة الأغاني وحقبتها تاريخيًا وموسيقيًا، وترتيبها ومعانيها، والتدريبات الشاقة الواضحة، التي قامت بها المطربة ياسمينا فايد وزملاؤها، أو تصميم الفقرات الراقصة، و تدريبات الراقصات، والديكور والملابس المناسبين لكل فقرة حسب الحقبة الزمنية. وهكذا قررت أن أرافق صديقاتي في مجموعة صغيرة معظم أفرادها من جنسيات عربية إلى «سمارة» الذين طلبوا منا ارتداء ملابس «أنيقة». كعادتي في تسكعات أو مواعيد وسط البلد أحرص على ارتداء حذاء مريح وملابس فضفاضة جدًا، لأنني أريد أن أمشي بحرية وثقة وراحة. عادة أترك سيارتي في جراج بعيد في آخر شارع محمود بسيوني، لكن كيف أمشي متأنقة في فستان كنت أرتديه في أحد المناسبات (فرح عائلي)؟ شغلني السؤال طويلًا وفكرت أن أترك سيارتي في الزمالك، وربما أطلب سيارة أجرة لتصل بي إلى شارع طلعت حرب ثم انتهى الأمر بالقرار: هذا بيتي القديم، سأمشي فيه كعادتي حتى ولو كنت متأنقة أكثر من المعتاد. وصلت لطاولة صديقاتي لاكتشف اكتشافي الثاني، الحضور متنوع جدًا، وهناك طاولات عليها جمهور مختلط، الكثير من الطاولات مجموعة سيدات فقط، وبعض هؤلاء السيدات يرتدين الحجاب، وهناك بالطبع الكثير من الشباب والشابات، وهو الجمهور المتوقع، لكن يبدو أن المكان يجذب الفئات الأكبر سنًا التي تود سماع أغاني أم كلثوم ووردة ومحمد قنديل وغيرهم من الزمن الجميل. أما العرض ذاته فكانت الفقرات شديدة التفاوت من حيث الجودة والترتيب، لا يوجد أي مجهود مبذول في الفكر الموسيقي ولا التوزيع ولا التدريب، لفتت نظري مطربة شابة محجبة صوتها جيد تغني لأم كلثوم. هناك محاولات مع الملابس لكنها تبدو «رخيصة»، لا يبدو أن المصمم أو الصانع بذلا مجهودًا في الجودة. الفرقة الموسيقية على المسرح من شباب صغير السن جدًا، وكذلك كل الراقصين والراقصات. ثم العديد من الفقرات غير المترابطة، راقصة بشمعدان، ثم راقصة بلدي جميلة هي وبدلتها لكن بلا أي فهم لتقنيات الرقص الشرقي المصري، ولا أي أذن موسيقية (قابلتها أثناء رجوعي لسيارتي راحلة، عندما جاملتها بأن أداءها كان جيدًا، ردت مجاملتي بلهجة غير مصرية)، ثم انتقال مفاجئ من الأغاني القديمة لأم كلثوم لأغاني الألفينات مع نانسي عجرم والشاب مامي ومصطفى قمر (أصبحوا تراث غالبًا)، ثم فجأة انطلقت الفقرة الشعبية والتي غاصت من حمدي بتشان و«أستوكه» حتى عدوية طبعًا و«بنت السلطان». حتى هذه اللحظة كنت في مرحلة تقييم مخيب للآمال فنيًا لكن لم أدخل في دهاليز النقد الاجتماعي، لا أنا ولا صديقاتي، ففي النهاية، أنا سيدة أخرى في منتصف أربعيناتي، جاءت مثل الأخريات على باقي الطاولات لتسمع أغاني إذاعتها المفضلة «إذاعة الأغاني القديمة»، وذكريات مراهقتها وعشريناتها مع نانسي عجرم ومصطفي قمر. هناك فقرة عجيبة آذتني تمامًا، حين قامت الفرقة الراقصة بتقديم فقرة مسخ كامل لأغنية «بيبة»، من فيلم «عرق البلح»، بلا أي سياق أو فهم للأغنية ومعانيها وعلاقة الفيلم أصلًا بـ«سمارة». «إيجيبت» تقابل مصر لم أتوقف كثيرًا عند إحباطي من عدم ترابط البرنامج وفقراته وافتقاره لرؤية فنية، وقلت ربما لأن اليوم هو السبت وليس الخميس والجمعة (عطلة نهاية الأسبوع). افتقد البرنامج بعض الفقرات التي اشتهر بها، حتى جاءت فقرة الفرح الشعبي. وهنا فجأة نفس الفرقة الراقصة من الشباب والشابات صغار السن، تظهر بملابس الطبقات الشعبية، العروس ترتدي فستان زفاف بلا أكمام ولكن أسفله قميص أبيض بأكمام «بادي كارينا» كما يتم تسميته، العريس شاب صغير ممتلئ الجسم، يرتدي رابطة عنق «بابيون» كبير ذهبي اللون، وكذلك هي ملابس المعازيم في الزفة، مع أصباغ ومكياج مبالغ فيه باللون الأحمر الفج، ثم الصراخ والكلام بلهجة الأحياء الشعبية، وهكذا أصبحت هذه «فقرة» و«شو» بل وتم تسجيله بالفيديو طبعًا من جانب جمهور الحاضرين، خاصة مع دخول مفاجئ لغوريلا عملاقة، مثل التي تظهر في الشوارع في افتتاح المحلات والمطاعم الجديدة. وتحول المكان فجأة لحالة من الاندهاش والفرجة على تصور الحضور عن حياة مواطنين مصريين آخرين هذه هي حياتهم اليومية والعادية جدًا. بلغ الخلط مداه عندما ظهر على المسرح شاب «يُعقّب» أو يرقص رقصات المهرجانات، مع اثنين في ملابس الفنون الشعبية (جلاليب صعيد وتحطيب) مع الفقرة الشهيرة في عروض الفنون الشعبية للحصان (اثنان من الراقصين يمثلان سويًا أنهما حصان راقص) وهكذا استمر الخلط والغناء والانتقال من أغنية شعبية لأخرى، والتليفونات الذكية تلتقط الفيديوهات الحية لهذه الفقرات العجيبة مستمرة. تذكرت كم فرحًا شعبيًا حضرته وشهدته في مناطق المطرية والأميرية وإمبابة وعين شمس وشبرا، وأنا طفلة، قبل أن تنتقل الأفراح لقاعات الأفراح على كورنيش إمبابة والكيت كات ومراكز الشباب والنوادي الشعبية. وتخيلت كيف يمكن أن يشعر بعض العاملين في المكان من عمال وضيافة عند مشاهدتهم هذه الخلطة العجيبة، من حياتهم العادية جدًا في الأفراح الشعبية، لتتحول من خلال هذه المبالغات لفقرة عرض أخرى، مثلها مثل المكوجي ومحل سندوتشات الفول والطعمية أو عربة الكبدة. استمرت فقرة الخلط العجيب تلك طويلًا، بين الفلكلور والفنون الشعبية ممزوجة بالعصر الذهبي للفن الشعبي في كباريهات شارع الهرم حيث عدوية وكتكوت الأمير وحمدي بتشان، مع نجوم المهرجانات الشعبية من أوكا وأورتيجا و أجواء فيلم «اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق»، وتخيلتُ ماذا لو ظهرت فجأة بديعة مصابني ومحمود وعلي رضا ورضوان الكاشف وأحمد عدوية وتحية كاريوكا وسهير زكي، وشاهدوا هذا الخلط الكامل بلا أي رؤية فنية لتراثهم الفني والثقافي والترفيهي على مر السنين. كل هؤلاء الفنانين العظماء كلٌ في مجاله، سواء كان فنًا شعبيًا أو سينما أو رقص أو ترفيه عادي جدًا، لكنه متقن ومبذول فيه جهد واحترام للجمهور وتشكيل لذائقته وإلا لم يكن سيتحول كل هذا الموروث الرائع لتراث أو «ريبرتوار» يمكن استعادته وإعادة توزيعه وتقديمه في عرض مثل «هشك بشك» وبل مئات مثله. تمنيت لو بذل القائمون على «سمارة» مجهودًا أكبر، وربما استقدام مخرج أو شخص صاحب رؤية فنية ليصنع من هذه الطاقات الشابة عملًا أكثر جدية فنيًا، في نفس المكان ولنفس الجمهور، خاصة وأنه يمتلك الموارد المادية من تذاكر الدخول مرتفعة الثمن والجمهور المشتاق بالذات من الأجيال الأكبر سنًا في الأربعينيات والخمسينيات. حائرة بين مصر و«إيجيبت» لا أعلم كيف أتعامل مع بيتي القديم المتهالك الذي طالته يد التطوير سوى أن أقبل بأنها قادمة لا محالة، وأن ذكرياتي المتعددة والمعقدة مع وسط البلد هي ملكي، لكن شوارعها ومبانيها ليست ملكي ولم تعد لي، فأنا لم أعد أشتري ملابسي منها، وأتساءل في صمت عن نظافة أكواب الشاي والقهوة (سيئة الطعم) على مقاهيها، وأفهم جيدًا أنها تتحول ببطء لساحة «عرض» مفتوحة لآخرين من خارجها سواء مصريين أو غير مصريين، وبهذا تمثل مصدر رزق لجيل جديد من الشباب والعمال والعاملات في عوالم السياحة السريعة حيث «التيك التوك» والمؤثرين «الإنفلونسرز» و«الفوديز» والبحث عن أي تجربة مثيرة كالتي تبحث عنها كل الطبقات، التي تتصارع وتتقابل يوميًا على فيديوهات المنصات القصيرة قبل «سمارة». فلماذا إذًا تملكني الضيق من تخبط وخلطة عرض «سمارة» الذي تبنّى نفس المدخل للتعامل مع موروثنا الفني والترفيهي الذي تجاوز المائة عام؟ ربما كنت غاضبة من نفسي، من امتيازاتي التي تسمح لي بالتحرك بين عوالم مصر و«إيجيبت» بسلاسة، قلما تتوافر لآخرين، أو هو الحزن على بيتي القديم حيث تزحف إليه «الجنترة» ويد التطوير الغاشمة، أم هو الخوف العميق المستتر من اتساع الفجوة كل يوم بين مصر و«إيجيبت»؟The post استوديو سمارة: عندما جاءت «إيجيبت» لزيارة مصر first appeared on Mada Masr.