شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، ندوة بعنوان «استلهام التراث في مسرح الطفل»، بمشاركة الدكتورة راندا حلمي، عميد كلية التربية النوعية بجامعة دمنهور، والدكتورة شيرين الجلاب، أستاذ التمثيل والإخراج المساعد بكلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة الإسكندرية، والدكتورة شوق النكلاوي، أستاذ أدب الطفل المساعد بكلية التربية للطفولة بجامعة مطروح، وأدارها الكاتب المسرحي هاني قدري.
وتناولت الندوة أهمية التراث الشعبي في بناء مسرح الطفل، ودوره في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب مناقشة سبل إعادة تقديم الحكايات والموروثات القديمة برؤى معاصرة تراعي طبيعة الطفل واحتياجاته، وتستفيد من القيم الفنية والثقافية للتراث، مع مراجعة الأفكار التي لم تعد ملائمة لمتطلبات التربية الحديثة.
تناولت الدكتورة راندا حلمي تاريخ المسرح وعلاقته بمسرح الطفل، مشيرة إلى أهمية التراث الشعبي وفن الأراجوز والحكايات القديمة باعتبارها مكونات أصيلة في الذاكرة الثقافية المصرية، ومصادر ثرية يستلهم منها الكاتب المسرحي أفكاره وشخصياته ومواقفه الدرامية.
وأكدت أن استلهام التراث لا يعني إعادة تقديمه بصورة حرفية، بل يستلزم فهمه وتحليله وإعادة صياغته بما يتناسب مع وعي الطفل المعاصر. وأوضحت أن بعض الحكايات المتوارثة تتضمن أفكارًا وصورًا نمطية تحتاج إلى المراجعة، سواء في رسم الشخصيات أو في الرسائل التي تصل إلى الأطفال.
وفي هذا السياق، ناقشت الندوة بعض المعالجات التي قد تعزز الاتكالية أو تقلل من قيمة العمل والسعي، إلى جانب الصور التي تختزل قيمة الشخصية في جمال المظهر الخارجي، كما في بعض المعالجات الشائعة لحكاية «سندريلا».
وشددت المناقشات على ضرورة تقديم الحكايات بصورة تعزز التفكير النقدي والقيم الإنسانية الإيجابية، وتمنح الشخصيات أبعادًا أكثر عمقًا وثراءً.
ومن جانبها، تناولت الدكتورة شيرين الجلاب فنون الأداء وعلاقتها بمسرح الطفل، ودور العرض المسرحي في نقل المعاني الثقافية والوطنية من خلال الحركة والصوت والتعبير وتجسيد الشخصيات والمواقف، بما يجعل المعرفة أكثر قربًا إلى وجدان الطفل.
كما ناقشت مفهوم الهوية الوطنية وأثره في تشكيل وعي الأطفال، مؤكدة أهمية دور المعلمات والعاملين في المجال التربوي في تعريف الأجيال الجديدة بتراثها وثقافتها، من خلال أساليب فنية وتربوية تتناسب مع أعمارهم وخبراتهم. وأبرزت المناقشات أن مسرح الطفل يتجاوز حدود الترفيه، ليصبح وسيلة للتعلم واكتشاف الذات وتعزيز الانتماء، متى قُدمت موضوعاته بلغة فنية ملائمة.
وتطرقت الدكتورة شوق النكلاوي إلى دور أدب الطفل في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة، وأهمية تحويل الحكايات الشعبية والموروثات الثقافية إلى أعمال أدبية وفنية تخاطب الطفل المعاصر، مع الحفاظ على روح التراث والابتعاد عن النقل الحرفي الذي قد يحد من تأثيره.
واستشهدت في طرحها بنموذج من أعمال الكاتب محمود عقاب، موضحه كيف يمكن توظيف الموروث في بناء الحدث والشخصيات، وتحويل عناصره إلى تجربة فنية تثير خيال الطفل وتساعده على التعرف إلى ملامح ثقافته.
هاني قدري يستعرض تجارب في توظيف الحكايات التراثية
وفي إدارته للندوة، ربط الكاتب المسرحي هاني قدري بين تاريخ المسرح وأدب الطفل وفنون الأداء، مؤكدًا مسؤولية الكاتب في إعادة تقديم التراث بصورة تجمع بين المتعة الفنية والوعي الثقافي، وتناسب احتياجات الأطفال وتطلعاتهم.
واستعرض قدري جانبًا من تجربته في الكتابة المسرحية، مشيرًا إلى عدد من الأعمال التي استلهمت الحكايات التراثية وأعادت توظيفها في سياقات معاصرة، من بينها «محكمة الحواديت» و«علاء الدين» و«مصباح صنع في الصين».
وتبرز هذه التجارب تنوع أساليب استلهام التراث، سواء عبر إعادة بناء الحكايات والشخصيات أو وضعها في مواقف جديدة تتيح مناقشة قضايا الطفل والمجتمع بلغة مسرحية قريبة من الجمهور الصغير.
كما تناولت المناقشات طبيعة التراث الشعبي القائم على الحكي الشفهي وانتقال الروايات بين الأجيال، وما يطرأ عليها من تغييرات وإضافات، ودور أشكال الأداء التقليدية، مثل الحكواتي والأراجوز وخيال الظل، في تحويل الحكاية إلى تجربة مسرحية تفاعلية تجمع بين التشخيص والتجسيد والتواصل المباشر مع الجمهور.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية توظيف التراث المصري والعربي في مسرح الطفل من خلال رؤية نقدية وإبداعية، تميز بين القيم الإيجابية والأفكار التي تستدعي المراجعة، بما يسهم في تنمية التفكير والوعي، وترسيخ الهوية الثقافية، وتقديم أعمال فنية تواكب الطفل المعاصر، وتجعل التراث ميراثًا حيًا قابلًا للتجدد والإبداع.