استشهاد فلسطينيَّيْن يتهمهما الجيش الإسرائيلي بتمويل حماس

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرين في غزة، كانا متورطين في تسهيل تحويل ملايين الشواكل إلى الجناح العسكري لحركة حماس.

ونقلت وكالة "بلومبرغ" للأنباء، أمس الأحد، عن الجيش الإسرائيلي قوله في منشور على منصة "إكس"، إن "هذه الأموال استُخدمت مؤخراً لدعم الجهود التي تبذلها حماس لإعادة بناء قدراتها العسكرية، والتخطيط لشن هجمات إرهابية ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمدنيين الإسرائيليين".

واستشهد العنصران في غارتين منفصلتين، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين.

من ناحية أخرى، شن الجيش الإسرائيلي غارة على مستودع للأسلحة في وسط قطاع غزة، يوم الخميس الماضي.

إغلاق المعابر البرية

مع الضفة الغربية

أعلنت إسرائيل الأحد أنها ستغلق المعابر البرية كافة مع الضفة الغربية يوم الانتخابات الأسبوع المقبل، متوعدة في الوقت نفسه بـ"تدفيع الثمن باهظاً" رداً على مقتل جنديين في هجوم نفذه مسلحان فلسطينيان.

ويأتي هذا الإعلان بعد يوم من بدء الجيش الإسرائيلي عملية في مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة؛ حيث أمر نحو 250 عائلة بالمغادرة، بعضهم في منتصف الليل.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن نحو ألفي فلسطيني نزحوا من منازلهم في الخليل السبت، في إطار العملية التي يشنها الجيش.

وأفاد الجيش الإسرائيلي عبر تلغرام لاحقاً: "وافقت القيادة السياسية على حظر دخول وخروج العمال الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك المناطق الصناعية، بالإضافة إلى إغلاق المعابر البرية كافة طوال يوم الانتخابات (الثلاثاء)، الموافق 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026".

وطالبت السلطة الفلسطينية السبت بتحرك دولي "عاجل" على خلفية "التهجير القسري" الذي تنفذه إسرائيل في مدينة الخليل.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه نفّذ الجمعة والسبت عمليات في 40 منطقة مختلفة في أنحاء الضفة الغربية.

وأضاف أن قواته "اعتقلت نحو 40 مشتبهاً فيهم، من بينهم عناصر مرتبطون بحركتَي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب مشتبه فيهم بالتحريض والإخلال بالنظام العام ورشق الحجارة".

وكانت حركة حماس أشادت بـ"العملية البطولية النوعية" ونعت المهاجمَين، داعية إلى شن المزيد من الهجمات دون أن تعلن مسؤوليتها عنها.

وهدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يخوض معركة محتدمة للفوز في الانتخابات العامة المقررة الثلاثاء، بشن عملية واسعة في الضفة الغربية "لم تشهد مثيلاً لها منذ حرب الأيام الستة" في العام 1967.

من جهته، قال وزير المال اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصباً في وزارة الدفاع يشرف من خلاله على الشؤون المدنية في الضفة الغربية، إنه أمر شخصياً "بالهدم الفوري لصف من المباني غير القانونية" رداً على هجوم الجمعة.

وكتب على منصة إكس: "من يعتدِ علينا، سيدرك سريعاً أنه سيدفع ثمناً باهظاً".

وأفاد كاتس للتلفزيون الرسمي الإسرائيلي بأن أولئك السكان الذين نزحوا جميعاً من الحي ذاته في المدينة، "لن يُسمح لهم بالعودة قبل أن ننتهي من حل كل مشكلات حماس في الخليل".

ساعتان للمغادرة

وفي حي عين دير بحة الواقع بين تلتين، وُضعت علامات "X" على مبانٍ إشارةً إلى خلوها من السكان.

وخلت الشوارع من المارة والسيارات باستثناء مركبتين عسكريتين إسرائيليتين، فيما عُلّق علم إسرائيلي على منزل يبدو أن الجنود استولوا عليه.

وقال مختار الحي حجازي شاور التميمي (70 عاماً)، وهو صاحب متجر لبيع الدجاج والأعلاف، إن الجيش أيقظه في الساعة الأولى بعد منتصف الليل، وطلب منه ومن سكان آخرين المغادرة.

ولم يكن أمامه سوى ساعتين للمغادرة، فاكتفى بحزم ملابسه وأوراقه الرسمية. في حين لم تمتلك عائلات عديدة سيارات، وحاولت إيجاد سبل للجوء إلى أقارب لها في أماكن أخرى.

وقال إن ما يحدث الآن هو رغبة من نتنياهو في الفوز بالانتخابات، مضيفاً: "من يدفع الثمن دائماً هو... دم المواطن الفلسطيني".

وقال محافظ الخليل خالد دودين لوكالة فرانس برس إن نحو ثلث مدينة الخليل استُهدف في العملية، مضيفاً أن الجنود الإسرائيليين "بدأوا في الحي الذي أتى منه منفذا الهجوم، لكن لا ضمانة لعدم توسع العملية".

وتابع: "هذه حالة عقاب جماعي بحق مواطنين لا علاقة لهم ولا ناقة لهم ولا جمل في هذا الموضوع".

وأشار المحافظ إلى تضرر 150 أسرة، بينما قدّر رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري والناشط المحلي عيسى عمرو هذا العدد بـ250.

وقال رئيس البلدية لفرانس برس: "سنجد لهم مأوى، وسنقدم لهؤلاء الأشخاص المساعدة التي يحتاجون إليها كافة".

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه "يجري عمليات بحث دقيقة ومحددة" تتركز على المنطقة التي خرج منها المسلحان اللذان قُتلا خلال تبادل إطلاق النار.

وقال الجيش إن العملية ستستمر لأيام، تماشياً مع إجراءات مماثلة اتخذها عقب هجمات سابقة. لكن نتنياهو وعد بـ"مفاجأة كبيرة".

ودعا الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يكتسب زخماً متزايداً قبل انتخابات الثلاثاء، إسرائيل إلى تفكيك السلطة الفلسطينية.

ورداً على سؤال عما إذا كان يؤيد تفكيك السلطة الفلسطينية، تفاخر نتنياهو بالقول إنه رفض ضغوطاً من ثلاثة رؤساء أميركيين للعمل على إقامة دولة فلسطينية.

وقال نتنياهو في مقابلة مع شبكة "آي 24 نيوز" أُجريت في ساعة متأخرة من مساء الجمعة: "سأعمل على تحييد ذلك التهديد بوسائل أرى أن من الأفضل عدم الكشف عنها في الوقت الراهن"، في إشارة إلى السلطة الفلسطينية.

وعن هجماته على غزة ولبنان وسوريا وإيران، قال نتنياهو: "لقد غيّرنا الشرق الأوسط. قلت إننا سنُحدث تغييراً، وهذا ما فعلناه"، مضيفاً: "هناك مفاجأة كبيرة جداً بانتظار السلطة الفلسطينية أيضاً".

وربط نتنياهو بين المهاجمَين وحركة حماس التي نفذت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويأتي ذلك في وقت كثّف فيه المستوطنون الإسرائيليون اعتداءاتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة، وسُجِّلَت موجة جديدة منها خلال موسم قطاف الزيتون الجاري.

ووثقت منظمة "يش دين" الحقوقية 672 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون خلال الأيام الستة والعشرين الماضية، ارتبط قرابة نصفها بموسم الزيتون.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد في حظوظ كل من نتنياهو وكتلة المعارضة التي يقودها غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق المنتمي إلى الوسط، والذي يعارض بدوره إقامة دولة فلسطينية، لكنه تعهد في الوقت ذاته بالتصدي لعنف المستوطنين.

هجوم 7 أكتوبر

يزعزع الأمل بالسلام

ما زال داني رحاميم يؤمن بفكرة السلام، بخلاف كثيرين من جيرانه في كيبوتس ناحال عوز الإسرائيلي المعروف بتأييده التقليدي لليسار، والذين فقدوا الأمل بتحسّن العلاقات مع سكان قطاع غزة بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وهذا الرجل البالغ 72 عاماً، والذي أمضى 50 عاماً منها في ناحال عوز، هو المتحدث باسم هذا الكيبوتس الواقع على بُعد مئات الأمتار فقط من غزة.

وعلى طول الحدود مع القطاع، كانت تجمعات عدّة من الكيبوتسات المؤيدة تقليدياً لليسار في الخطوط الأمامية لهجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، علماً بأن اليسار يشكّل أقلية محدودة في إسرائيل منذ سنوات.

قُتل 16 شخصاً من أصل 400 هم سكان ناحال عوز. ويقول داني رحاميم إن وجود قاعدة عسكرية قريبة ساهم في الحدّ من عدد القتلى مقارنة بكيبوتسَي كفار عزة وبئيري المجاورين؛ حيث قُتل 64 شخصاً في الأول و102 في الثاني.

ويشير إلى أنّ "الناس تغيّروا؛ فمعظمهم لم يتحوّلوا إلى اليمين، لكنهم لم يعودوا يؤمنون بإمكان تحسّن العلاقات مع جيراننا" في غزة.

ويأتي حديثه قبل أيّام من أوّل انتخابات تشريعية تُنظّم منذ الهجوم الذي عزز التشدد في صفوف الرأي العام الإسرائيلي.

ويكرّر هذا الناشط الذي لطالما دعا إلى السلام: "أنا لا أستسلم"، جالساً تحت عريشة مزهرة في منزله، حيث غطّت طبقة جديدة من الطلاء آثار الرصاص على الجدران. وغالباً ما يردّ عليه أبناؤه بالقول: "أنت ساذج".

يكاد معسكر السلام يغيب عن المشهد السياسي الإسرائيلي؛ إذ يتصدّر منع قيام دولة فلسطينية وعود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانتخابية، فيما يتعهّد منافسه الرئيسي، الوسطي غادي آيزنكوت، باتخاذ موقف أشدّ معارضة لقيامها.

أعرف لمن لن أصوّت

على بُعد بضعة ممرّات من منزل داني رحاميم، تسكن ابنته مع صديقتها وابنيها. ويتنقّل أكبر الطفلين، الذي سيبلغ الرابعة قريباً، بدراجته بين الممرّات، فيما تختلط زقزقة العصافير بالطنين المتواصل لطائرات الاستطلاع المسيّرة.

وتقول صديقة ابنته: "يبدو المكان هادئاً، لكن الجثث كانت منتشرة في كل مكان".

ترتدي نعمة صادوق رحاميم (37 عاماً) قميصاً أسود تكريماً لأحد جيرانها الذين قُتلوا، وتضع قلادة تحمل نجمة داود، ويظهر الغضب في عينيها قائلة: "ما أريده ممّن سيتولّون قيادة بلدنا هو أمن حقيقي. أريد شخصاً يضمن ألّا يتكرّر ما حدث".

وفي كل جولة عنف سابقة، حين كانت الصواريخ تسقط على الكيبوتس والقنابل على غزة، كانت تفكّر في معاناة "جيرانها"، أما اليوم فتقول: "بات من الصعب عليّ التمييز بين حماس وبقية السكان".

ويمرّ نداف بيريز (44 عاماً)، وهو موظف في مستشفى لطالما صوّت لأحزاب اليسار أو أقصى اليسار. وقبل الهجوم، كان يشارك في مشروع لإنشاء عيادة لعلاج مرضى من غزة، على غرار مبادرات مماثلة في أماكن أخرى من المنطقة، لكن المسؤول في المجلس الإقليمي الذي أطلق المبادرة قُتل في الهجوم. ويقول نداف بيريز: "تساءلت إن كان الذين قتلوه يدركون أنهم برصاصهم يقتلون أيضاً فكرة مستقبل أفضل".

ويشرح بيريز أن مشاعره "تجاههم" باتت ملتبسة منذ ذلك الحين، مضيفاً: "هذا محزن، لكنني لم أعد أكترث كثيراً بما يحدث في غزة".

وفي القطاع الذي دمّرته ثلاث سنوات من الحرب، يواصل الجيش الإسرائيلي شنّ ضربات دامية بصورة شبه يومية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم قبل عام. أما بشأن انتخابات الثلاثاء، فيقول نداف بيريز إنه "لم يحسم قراره بعد"، ويضيف بغضب مكتوم، دون أن يذكر بنيامين نتنياهو بالاسم: "أعرف لمن لن أصوّت. لن أصوّت لرئيس الوزراء الذي كان في منصبه يوم 7 أكتوبر، ولم يأتِ إلى هنا قط، ولم يتحمّل مسؤوليته يوماً، ولم يعتذر أبداً".

أمّا داني رحاميم، فسيصوّت للمرشح اليساري يائير غولان، "الوحيد الذي يقول إن علينا العمل مع الأحزاب العربية".

ومن نقطة مراقبة تطلّ على غزة، يشير إلى السياج الذي اخترقه المهاجمون بسهولة بالغة في 7 أكتوبر، ثم إلى أقرب منازل القطاع، على بعد 750 متراً، وقد تحوّلت إلى ركام، وإلى مدينة غزة المدمّرة في البعيد، فيما يتردّد صدى إطلاق نار.

قبل أكثر من عشر سنوات، أصيبت ابنته الصغرى- وكانت مراهقة آنذاك- بنوبة هلع أثناء قصف، وسألته: "إذا كان دويّ القصف يصلنا بهذه القوة، فكيف يتحمّله أطفال غزة؟"، ويستذكر قائلاً: "قلت لنفسي يومها إنني ربما أحسنت تربيتها".

لكنها تغيّرت هي أيضاً، ولم تعد تتحدث عن الأطفال في غزة؛ حيث استشهد أكثر من 21 ألفاً و500 طفل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بحسب منظمة اليونيسف.