على مدى أسبوع، قصفت الولايات المتحدة الأمريكية المدن الجنوبية في إيران، مما زاد الضغط على طهران للتخلي عن محاولات غلق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، فيما تشير الدلائل إلى أن القصف الراهن يستهدف تقطيع شرايين النقل التي تربط الموانئ الجنوبية الرئيسية الإيرانية ببقية البلاد، وخصوصاً بندر عباس التي تعد «البوابة الاستراتيجية» للبلاد، فيما يرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تسعى لتحقيق ثلاثة أبرزها قطع طرق إمدادات القوات الإيرانية المسؤولة عن تعطيل الحركة في مضيق هرمز.الضربات الأمريكية الأخيرة أدت إلى عزل مدينة بندر عباس، التي يبلغ عدد سكانها 500 ألف نسمة، والتي يمر عبرها ما يقرب من نصف تجارة البلاد، بشكل شبه كامل، وبحلول صباح الجمعة، كانت الطرق التي تربط المدينة ببقية البلاد محطمة، والسكك الحديدية مقطوعة، والميناء معزولاً تماماً عن البلد الذي يعتمد عليه.كما تضم بندر عباس القاعدة البحرية الرئيسية لإيران، والتي تعتبر بالغة الأهمية لقدرة النظام على السيطرة على مضيق هرمز.ويقول مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون: إن إدارة ترامب أصبحت مقتنعة بشكل متزايد بأن قطع الطريق على المدينة الساحلية هو المفتاح لإعادة فتح الممر البحري الحيوي، وأضاف: «هناك شعور متزايد، واستنتاج ينمو داخل البنتاغون، بأنه سواء أرادت الولايات المتحدة القيام بذلك أم لا، فليس لديها خيار آخر إذا أرادت إنهاء هذا الأمر»، معتبراً أن بندر عباس هي المدينة التي تُبقي إيران على قيد الحياة.3 أهداف استراتيجيةويؤكد سينا طوسي، المحلل في مركز السياسة الدولية، أن المعلقين في إيران حددوا ثلاثة أهداف محتملة لاستراتيجية فصل «بندر عباس»: «أولاً، تمهيد الطريق لغزو بري؛ ثانياً، تقليص طرق الإمداد للقوات الإيرانية المسؤولة عن تعطيل غلق هرمز؛ أو ثالثاً، زيادة الضغط على الرأي العام الإيراني على أمل أن يترجم ذلك إلى ضغط أكبر على الحكومة»، وفق التليغراف.ويعتبر ميناء «رجائي» بمثابة «البوابة الذهبية» لإيران، حيث يتعامل مع ما يقرب من نصف التجارة الإيرانية، بما في ذلك الآلات الصناعية ومواد البناء والإمدادات الزراعية والسلع الاستهلاكية التي تملأ الأسواق وتغذي المصانع، إلى جانب الصلب والأسمدة والمنتجات البترولية التي تمر عبر أرصفته، فيما سقطت القنابل على طول الممرات الممتدة غرباً وشمالاً من المدينة.السلطات الإيرانية قالت: إن جسر غاريفه، الواقع على طريق بندر عباس-خمير-لار، كان من بين خمسة جسور تضررت، إلى جانب جسر يمر بقرية لاتيدان، وجسرين على طريق كاهورستان باتجاه لار، وجسر نصف مكتمل على طريق بندر خمير-كيشار، ومعبر قرية مارو في مقاطعة خمير، فيما تعرضت حركة المرور لما يشبه حالة الشلل.وناشدت السلطات السكان البقاء بعيداً عن الطرق وإبقائها مفتوحة أمام فرق الإنقاذ، ومتابعة الأخبار الرسمية فقط بينما بدأ عمال الطوارئ عملية ترميم الطرق.كما استُهدف خط السكة الحديد، مما أجبر الركاب على النزول من قطاراتهم واستخدام حافلات النقل بين المدن كبديل. وأفاد المسؤولون أن تقاطع سكة حديد بندر عباس، الذي يقع على بعد نحو ستة أميال غرب المدينة، حيث يتفرع المسار باتجاه طرق الركاب وساحات الشحن وميناء رجائي نفسه، قد تعرض للهجوم، مما أسفر عن إصابة شخصين.ويستوعب ميناء بندر عباس ما يقرب من 85% من حركة الحاويات في البلاد و70% من تجارة الموانئ.**media[8009758]**استراتيجية الثمانيناتفيما يرى مؤرخون أن قصف خطوط السكك الحديدية والطرق في المنطقة كان تكتيكاً تم استخدامه لإضعاف إيران في ثمانينات القرن الماضي.ويؤكد روبين أنه سيكون «أسهل مما يعتقد الناس» فرض حصار على إيران لأنها لا تملك سوى ميناءين رئيسيين ونهر صغير صالح للملاحة، وتابع قائلاً: «إذا أرادت أمريكا نجاح المهمة فيجب عليها تدمير كل جسور بندر عباس».ورغم أن مدينة بندر عباس تنبض بالحياة في الأوقات العادية، إلا أن آلاف السكان شعروا بالقلق الشديد وتجنبوا الخروج عقب الضربات الأمريكية القوية، وتعد المدينة موطناً لسفن الصيد الخشبية التقليدية، وسفن الحاويات، وكذلك للصيادين الذين يسحبون الروبيان والهامور قبل الفجر ويبيعون صيدهم في الأسواق، كما أنها تعد مدينة ميناء عاملة وساحلاً سياحياً في آن واحد.أزمة إسطوانات الغاز والكهرباءولا يوجد في بندر عباس غاز طبيعي عبر الأنابيب، لذا يحمل السكان أسطوانات الغاز في ظل الحرارة الشديدة ويلاحقون شاحنات إعادة التعبئة بينما تتسبب انقطاعات الخدمات المصرفية في تعطيل بطاقاتهم، وأقرت شركة الكهرباء الإيرانية بتضرر الشبكة الجنوبية وقالت: إن فرق الطوارئ تعمل على مدار الساعة لإصلاحها، وهو تأكيد رسمي على أن تهديد ترامب «بإيقاف جميع محطات الطاقة الخاصة بهم» قد بدأ يؤتي ثماره.وتأتي هذه الإضرابات لتزيد من معاناة اقتصاد إيراني منهك بالفعل بسبب العقوبات والحرب، ويبلغ معدل التضخم قرابة 60% وفقاً للمقاييس الرسمية، وهو أعلى من ذلك بحسب الأسعار التي تدفعها الأسر فعلياً، حيث دمرت الحرب قطاعات الصلب والبتروكيماويات والقاعدة الصناعية، وتتعرض العملة لاضطرابات مع كل صدمة جديدة، ويؤثر عزل بندر عباس عن المناطق الداخلية في اقتصاد ضعيف أصلاً في وقت لا يستطيع فيه الإيرانيون تحمل ذلك.وأشار مارك كانسيان، وهو عقيد متقاعد في مشاة البحرية الأمريكية إلى أن: «ما تفعله الولايات المتحدة هو تصعيد، لكنها لا تضرب أهدافاً من شأنها أن تسبب الموت والمعاناة للسكان»، وأوضح: «هذه هي أنواع الضربات التي ستجعل السكان المدنيين يشعرون بآثار الحرب، لكنها لن تتسبب في انهيار اجتماعي أو انهيار نظام الرعاية الصحية»، لكنه شكك في مدى قوة هذه الاستراتيجية، وقال: «لقد أظهرت القيادة الإيرانية استعدادها لتحمل تضحيات جسيمة، واستعدادها لفرض ذلك على السكان».**media[8009757,8009756]**