استدعاءات النسيان في عصر الذكاء الاصطناعي

ليست الذاكرة مجرد مستودع يحتفظ فيه الإنسان بصور طفولته وأسماء الأشخاص والأماكن والأحداث التي مر بها، بل هي إحدى القوى التي تصنع هويته وتمنحه الشعور باستمرار وجوده عبر الزمن. فنحن لا نعرف أنفسنا بما نعيشه في اللحظة الراهنة وحدها، وإنما بما نستطيع أن نصل إليه من ماضينا، وبما يبقى في وعينا من الأسرة والمكان واللغة، والتجارب، والخسارات، والانتصارات. وإذا كان الفرد يحتاج إلى ذاكرته لكي يعرف من هو، فإن المجتمعات تحتاج إلى ذاكرتها لكي تعرف من أين جاءت وكيف أصبحت ما هي عليه.لهذا اكتسبت الذاكرة مكانة مركزية في الفكر الحديث. ويستعيد بول ريكور في كتابه «الذاكرة.. التاريخ.. النسيان» التصور الأرسطي القائل إن «الذاكرة هي من الماضي». وهي عبارة موجزة لكنها تضعنا أمام جوهر المسألة؛ فالحدث ينتهي في زمنه، إلا أن أثره يستطيع الاستمرار في الحاضر بواسطة الذاكرة. غير أن ريكور يلفت النظر أيضًا إلى أن استعادة الماضي ليست إعادة آلية لما وقع؛ فهناك فرق بين الماضي نفسه وبين صورته التي تستحضرها الذات، ومن هنا تتداخل الذاكرة مع النسيان والتخيل والشهادة وكتابة التاريخ.ولا يعيش الإنسان ذاكرته منفردًا. فقد أسّس موريس هالبفاكس مفهوم الذاكرة الجماعية انطلاقًا من أن الفرد يتذكر داخل أطر اجتماعية. فالبيت والأسرة والحي والمدرسة والمدينة واللغة والأصدقاء ليست محيطًا خارجيًا للذاكرة، وإنما تشارك في تكوينها. قد ينسى الإنسان واقعة قديمة، ثم يعود إلى بيت طفولته فيستعيدها؛ أو يشم رائحة طعام فتعيده إلى مائدة أسرته؛ أو يسمع أغنية قديمة فتستيقظ مرحلة كاملة من حياته. وهكذا لا تحفظ الذاكرة الماضي في العقل وحده، بل توزعه بين الأشخاص والأماكن والأشياء.ويطور يان آسمان هذا التصور من خلال مفهوم الذاكرة الثقافية؛ فالمجتمع لا ينقل إلى أجياله الجينات وحدها، بل ينقل الحكايات والرموز والنصوص والطقوس، والأعياد، والأمكنة، والصور. ومن خلال هذه الوسائط يعرف الجيل الجديد شيئًا عن تجارب لم يعشها بنفسه. فالابن قد يتذكر، بمعنى ثقافي، بيتًا قديمًا لم يسكنه لأنه سمع قصصه مرارًا، وقد يشعر بالانتماء إلى أحداث سبقت ولادته لأنها أصبحت جزءًا من السردية التي كوّنت هويته.وهنا يكتسب طرح نادر كاظم أهمية بالغة في كتابه «استعمالات الذاكرة» في مجتمع تعددي مُبتلى بالتاريخ؛ لأنه ينبهنا إلى أن الذاكرة ليست مستودعًا بريئًا للماضي، بل استعمال للماضي في الحاضر. فاستحضار التاريخ واستخدام وقائعه يجريان داخل دائرة الوعي والإرادة، كما أن الجماعات قد تحمل ذكريات وروايات مختلفة للحدث نفسه. ولذلك يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد «ماذا نتذكر؟» ليشمل أيضًا «من يتذكر؟» و«ماذا يختار أن يتذكر؟» و«ماذا ينسى؟» و«لماذا يستدعي هذا الحدث في هذه اللحظة بالذات؟».وتزداد أهمية هذه الأسئلة في زمن العولمة؛ فالعولمة لا تنقل السلع ورؤوس الأموال والتقنيات وحدها، وإنما تنقل أنماط الحياة والصور واللغة والذوق والرموز بسرعة غير مسبوقة. يكفي أن نتأمل مدنًا كثيرة اليوم لنلاحظ تشابه مراكز التسوق والمقاهي والمطاعم والملابس والموسيقى والإعلانات، بل حتى المفردات التي تستخدمها الأجيال الجديدة. وليس الخطر في التواصل بين الثقافات؛ فهذا التواصل كان دائمًا مصدرًا للإثراء الحضاري، وإنما يكمن الخطر حين تتحوّل العولمة إلى توحيد للذاكرة، بحيث تتراجع الحكاية المحلية أمام الصورة العالمية، ويصبح الجيل أكثر معرفة بتفاصيل ثقافات بعيدة من معرفته بتاريخ حيه ومدينته وأسماء الأماكن القديمة فيها.والحداثة بدورها تحمل مفارقة مشابهة. فمن طبيعتها أن تتجه إلى الجديد، وأن تعيد بناء المدن والمؤسسات وأنماط الحياة، وهذا جزء من تطور المجتمعات. لكن السؤال يبدأ عندما يعني بناء الجديد محو القديم بالكامل. حين يُهدم بيت تاريخي أو سوق قديم أو حي كامل من دون توثيق، لا نفقد حجرًا فقط؛ بل قد نفقد وعاءً للذاكرة. وهنا تبدو أفكار هالبفاكس شديدة المعاصرة، في أن المكان يشارك الجماعة في تذكر نفسها. فإذا اختفت الأمكنة كلها، أصبح على الأجيال أن تتذكر ماضيها من دون العلامات التي كانت تمنحه وجودًا محسوسًا.ويمكن مشاهدة ذلك في مدن اليوم التي شهدت خلال عقود قليلة تحولات عمرانية واجتماعية هائلة. فالبيت القديم، والسوق، والبحر، والديوانية، والمهن التقليدية، وأسماء الأحياء والطرقات ليست مجرد مفردات تراثية للعرض في المناسبات، وإنما أجزاء من ذاكرة اجتماعية تشرح كيف عاش الناس وكيف تكونت علاقاتهم وتحولاتهم. والحفاظ عليها لا يعني رفض المدينة الحديثة، بل منع الحداثة من أن تصبح قطيعة كاملة مع الذاكرة.لكن التحدي الأكبر ربما يظهر اليوم في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. للمرة الأولى في التاريخ أصبح الإنسان قادرًا على تخزين كميات هائلة من الصور والرسائل والوثائق والتسجيلات خارج ذاكرته الشخصية. نحن نصور كل شيء تقريبًا، وتحفظ الهواتف والمنصات ومحركات البحث تفاصيل كانت الأجيال السابقة تعتمد في حفظها على الذاكرة والرواية الشفوية والوثيقة الورقية. والمفارقة أن قدرتنا على التخزين ازدادت، بينما قد تتراجع حاجتنا إلى التذكر.لقد أصبح الإنسان يعرف أنه يستطيع العودة إلى الهاتف بدل أن يحفظ، وإلى محرك البحث بدل أن يستعيد، وإلى الذكاء الاصطناعي بدل أن يبحث بنفسه بين الوثائق والنصوص. وهنا يظهر نوع جديد من المخاطر، أن نمتلك أرشيفًا ضخمًا وذاكرة ضعيفة. فوجود ملايين الصور لا يعني أننا نتذكر بصورة أفضل؛ لأن الذاكرة ليست تخزين المعلومات فقط، وإنما منحها المعنى وربطها بالخبرة والهوية.أما الذكاء الاصطناعي فيضاعف المسألة؛ لأنه لا يكتفي بتخزين الماضي واستعادته، بل يستطيع إعادة صياغته وتلخيصه وترتيبه وإنتاج صور ونصوص تبدو مقنعة عنه. وهذه قدرة معرفية كبيرة، لكنها تجعل السؤال النقدي أكثر إلحاحًا: من أين جاءت هذه الرواية عن الماضي؟ وعلى أي مصادر قامت؟ وما الذي حُذف منها أو أُعيد ترتيبه؟فإذا اعتمدت الأجيال القادمة على الإجابات الرقمية وحدها، من دون الرجوع إلى الوثائق والشهادات والمصادر والأرشيف، فقد يتحوّل التاريخ تدريجيًا من مجال للتحقق والنقد إلى مجموعة سرديات سهلة التداول. وهنا يلتقي خطر الذكاء الاصطناعي مع تحذير نادر كاظم من استعمالات الذاكرة؛ لأن المسألة لا تتعلق بوجود الماضي فقط، وإنما بمن يعيد تقديمه، وكيف يقدمه، ولأي غاية.ومع ذلك، ليس الحل في مقاومة التكنولوجيا أو العولمة أو الحداثة. فالذكاء الاصطناعي نفسه يستطيع أن يكون أداة استثنائية لحماية الذاكرة، عبر رقمنة المخطوطات والصحف القديمة، وفهرسة الأرشيفات، وترميم الصور، وتسجيل التاريخ الشفهي، وربط الوثائق المتفرقة، وتيسير الوصول إلى مواد كان الاطلاع عليها شديد الصعوبة. الفرق يكمن في أن نستخدم التقنية لخدمة الذاكرة، لا أن نسلّم إليها مسؤولية الذاكرة كاملة.ولهذا تبدو فكرة الذاكرة النافعة التي يناقشها نادر كاظم ذات دلالة في حاضرنا، فالذاكرة ليست شيئًا ثابتًا مغلقًا، وإنما قابلة للاستعادة والتأويل وإعادة التوجيه. والمطلوب ليس أن نعيش أسرى للماضي، ولا أن نحفظ كل تفاصيله، وإنما أن نبني علاقة نقدية معه، في أن نتذكر لكي نفهم، لا لكي نكرر الصراعات؛ ونحفظ التاريخ لكي نتعلم منه، لا لكي نحوله إلى عبء يمنعنا من المستقبل.إن أخطر أنواع النسيان في النهاية، ليس أن ينسى الإنسان اسمًا أو تاريخًا أو حادثة، بل أن تفقد الجماعة سلسلة المعنى التي تصل حاضرها بماضيها. فحين تضيع الحكايات والأماكن والشهادات، أو حين يحل ملخص رقمي سريع محل الذاكرة الحية، يصبح الماضي أكثر عرضة للاختزال وإعادة التشكيل.لذلك لم تعد حماية الذاكرة في عصر الذكاء الاصطناعي ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية. فالسؤال الذي سيواجه الإنسان مستقبلًا ربما لن يكون: «هل نستطيع حفظ الماضي؟» فنحن نملك من أدوات التخزين ما لم يمتلكه أي عصر سابق، وإنما سيكون السؤال الأصعب: «أي ماضٍ سنحفظ؟ ومن سيختار ما نتذكره؟ وكيف نضمن ألا تتحوّل وفرة المعلومات إلى شكل جديد من أشكال النسيان؟».فالذاكرة لا تحفظ التاريخ وحده؛ إنها تحفظ الإنسان داخل التاريخ. وإذا كانت العولمة والحداثة والتكنولوجيا تدفعنا بسرعة نحو المستقبل، فإن الذاكرة هي التي تضمن ألا نصل إليه وقد نسينا الطريق الذي جئنا منه.