استخدام المصطلحات والمفردات والأسماء في الصحافة – د. يحيى جابر

تشير دراسات الاتصال واللغة إلى أن الكلمة في العمل الصحفي ليست مجرد أداة لنقل المعلومة، وإنما عنصر أساسي في تشكيل فهم الجمهور للحدث، فالمتلقي لا يتعامل مع المفردات باعتبارها وحدات لغوية منفصلة عن السياق، بل يربطها بخبراته السابقة وثقافته وقيمه وتصوراته، ولذلك يمكن لاختيار كلمة واحدة أن يغير زاوية استقبال الخبر وتأطيره، حتى عندما تبقى الوقائع الأساسية ثابتة، وهو ما جعل دراسة اللغة المستخدمة في وسائل الإعلام جزءًا مهمًا من بحوث الاتصال والتأطير الإعلامي، إذ يرى روبرت إنتمان أن التأطير يرتبط بانتقاء بعض جوانب الواقع وإبرازها داخل الرسالة الاتصالية بطريقة تؤثر في تعريف المشكلة وتفسير أسبابها وتقييمها، «المصدر- روبرت إم، إنتمان، التأطير، نحو توضيح نموذج متشعب، مجلة الاتصال، الولايات المتحدة الأمريكية، 1993»، وتؤكد المعايير المهنية في المؤسسات الصحفية الكبرى ذات المهنية، أن الدقة لا تتعلق بالأرقام والأسماء والتواريخ فقط، وإنما تشمل كذلك الكلمات والأوصاف التي تستخدمها الصحيفة في تقديم الحدث، إذ تنص معايير رويترز على أن الدقة تسبق السرعة، وتحذر من استخدام الألفاظ التي قد تضخم الواقع أو تخلق انطباعات غير صحيحة لدى القارئ، وتضرب مثالًا على ذلك باستخدام ألفاظ توحي بحجم أكبر من الحجم الحقيقي للحدث، «المصدر- وكالة رويترز، المعايير والقيم الصحفية، لندن، المملكة المتحدة، النسخة المحدثة والمتاحة عام 2026»، وتبرز أهمية المصطلح بصورة أكبر عندما يتناول الخبر قضية سياسية أو دينية أو عسكرية أو اجتماعية أو تاريخية، أو رياضية، لأن بعض المفردات تحمل دلالات إضافية تتجاوز معناها المعجمي، وقد تمنح الشخص أو الجهة صفة تبدو للقارئ وكأنها حقيقة موضوعية، بينما تكون في الأصل وصفًا صادرًا عن جهة معينة، ولذلك فإن الصحفي المهني يميز بين المصطلح الذي تنسبه المؤسسة إلى نفسها، والمصطلح الذي تستخدمه جهة أخرى لوصفها، والوصف الذي تستطيع الصحيفة أو المنصة الإعلامية ذات الموثوقية، إثباته من خلال الوقائع والمصادر المستقلة، «المصدر- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، الصحافة والأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي، باريس، فرنسا، 2018»، ومن هنا تظهر قاعدة أساسية في الكتابة الصحفية، وهي أن نقل الاسم لا يعني تبني دلالته، ونقل اللقب لا يعني المصادقة على مكانته، ونقل وصف جهة لخصمها لا يعني تحويل هذا اوصف إلى حقيقة صحفية، فإذا قالت جماعة عن نفسها إنها «حركة إصلاحية»، فإن الصحفي يستطيع نقل هذا الوصف منسوبًا إليها، لكنه لا ينبغي أن يحوله تلقائيًا إلى حكم مهني مستقل، لأن الحكم يحتاج إلى أدلة تتعلق بالبرنامج والسلوك والممارسة والوقائع، «المصدر- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، الصحافة والأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي، باريس، فرنسا، 2018»، وسأعطي مثلا هنا، مسمى حركة أنصار الله، وهو اسم أطلقته المليشيا الحوثية المنقلبة على الدولة في اليمن على نفسها، وآية الله خامنئي، وهو اسم ديني أطلقه الخامنئي والنظام الإيراني ليصدر قدسية للشخص بدل أن يقول حاكم إيران أو زعيم إيران، والكثير من الأمثلة والمصطلحات التي تصدر للقارئ والمتابع للأخبار، وتوضح هذه القاعدة الفرق بين الاسم والصفة والحكم، فالاسم قد يكون هوية رسمية لجهة أو مؤسسة، والصفة قد تكون تعريفًا وظيفيًا أو قانونيًا، بينما الحكم يتضمن تقييمًا يحتاج إلى أدلة، ولذلك فإن الصحفي لا ينبغي أن يحول الأوصاف التي تطلقها الأطراف على نفسها أو خصومها إلى أحكام تحريرية صادرة عن المؤسسة الإعلامية، وهي ممارسة ترتبط مباشرة بمبدأ الفصل بين الخبر والرأي، وبضرورة إسناد المعلومات إلى مصادرها، «المصدر- وكالة رويترز، المعايير والقيم الصحفية، لندن، المملكة المتحدة، النسخة المحدثة والمتاحة عام 2026»، ومن أبرز المجالات التي تكشف أهمية المصطلحات الأسماء والألقاب الدينية، إذ توجد في الديانات والمذاهب مؤسسات ومرجعيات ودرجات علمية وألقاب تختلف في معناها ومكانتها، ولذلك لا يجوز للصحفي أن يتعامل مع اللقب الديني وكأنه منصب حكومي أو صفة قانونية عامة، بل ينبغي أن يوضح طبيعته، وأن ينسبه إلى المرجعية أو المؤسسة التي تستخدمه عندما يكون ذلك ضروريًا لفهم الخبر، «المصدر- أكسفورد ريفرنس، معجم أكسفورد للدراسات الدينية، مطبعة جامعة أكسفورد، المملكة المتحدة، طبعات متعددة»، ومن الأمثلة على ذلك لقب «آية الله» كما قلنا، ولقب «آية الله العظمى»، وهما تعبيران يرتبطان بالتقاليد العلمية والدينية في الحوزات الشيعية الاثني عشرية، وتختلف مكانتهما وطرق استعمالهما بحسب السياق والمرجعية، وقد اكتسبت بعض هذه الألقاب حضورًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، خصوصًا في دراسة النظام السياسي الإيراني والعلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة، ولذلك فإن التغطية المهنية تقتضي الصل بين اللقب بوصفه مصطلحًا دينيًا، وبين الدور السياسي الذي قد يمارسه شخص يحمله، «المصدر- سعيد أمير أرجومند، عمامة من أجل التاج، الثورة الإسلامية في إيران، مطبعة جامعة أكسفورد، المملكة المتحدة، 1988، والمصدر- حميد دباشي، لاهوت السخط ، الأسس الأيديولوجية للثورة الإسلامية في إيران، مطبعة جامعة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 1993»، وينطبق الأمر نفسه على الألقاب العلمية، فالقول إن شخصًا «أستاذ» أو «طبيب» أو «باحث» أو «أكاديمي» ينبغي أن يستند إلى مؤهل أو منصب أو جهة علمية معروفة، أما الأوصاف مثل «الخبير البارز» أو «الرائد» أو «المفكر الكبير» فقد تكون أوصافًا صحفية أو تقديرية تحتاج إلى مصدر واضح، لأن استخدامها بصيغة تقريرية من دون سند قد يحول الرأي إلى حقيقة، وهو ما يتعارض مع القاعدة المهنية التي تفرق بين المعلومات القابلة للتحقق والتقييمات الشخصية، «المصدر- وكالة رويترز، المعايير والقيم الصحفية، لندن، المملكة المتحدة، النسخة المحدثة والمتاحة عام 2026»، وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا في أسماء الأحزاب والحركات والمنظمات، إذ قد تختار بعض الجهات أسماء تتضمن مفردات مثل «الحرية» أو «العدالة» أو «الإصلاح» أو «الديمقراطية» أو «الوحدة» أو «المقاومة» أو «التحرير»، وهذه المفردات تحمل شحنات إيجابية أو رمزية لدى قطاعات من الجمهور، إلا أن وجودها في الاسم لا يمثل دليلًا بذاته على طبيعة التنظيم أو برنامجه أو ممارساته، أو أهدافه الحقيقية ومن يقف خلفه، لأن الاسم يمثل الهوية التي تعلنها الجهة عن نفسها، بينما يحتاج تقييم أدائها إلى دراسة الوقائع والبرامج والمواقف والسلوك، «المصدر- موراي إيدلمان، الاستخدام الرمزي للسياسة، مطبعة جامعة إلينوي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1964»، وهنا تتضح أهمية ما يمكن تسميته الحمولة الدلالية للمفردة، وهي المعاني الإضافية التي قد تستدعيها الكلمة لدى الجمهور إلى جانب معناها المباشر، فاللغة السياسية والإعلامية لا تستخدم الكلمات في فراغ، وإنما داخل سياقات ثقافية وتاريخية ونفسية، ولذلك فإن المصطلح قد يستدعي لدى المتلقي صورة ذهنية أو موقفًا أو حكمًا سابقًا، وهو ما ناقشته بحوث التأطير السياسي واللغوي في دراسة علاقة اللغة ببناء التصورات العامة، «المصدر- جورج لايكوف، لا تفكر في فيل، اعرف قيمك وأطِّر النقاش، دار تشيلسي جرين، الولايات المتحدة الأمريكية، 2004، والمص