ازدواجية المعايير وأزمة الشرعية الدولية – د. عبدالحق عزوزي

من أراد أن يفهم طبيعة التحولات التي يعرفها النظام العالمي اليوم، فعليه ألا يكتفي بمتابعة الحروب المشتعلة هنا وهناك، بل أن يتأمل الفجوة الآخذة في الاتساع بين ما يقوله القانون الدولي وما تفعله القوة على أرض الواقع؛ فالمعضلة الكبرى لم تعد في غياب المواثيق والقواعد والمؤسسات، وإنما في قدرة النظام الدولي على فرض احترامها بصورة متساوية، سواء تعلق الأمر بدولة قوية أو ضعيفة، بحليف أو خصم، بشمال العالم أو جنوبه.

وقد أكدت قمة مجموعة العشرين الأخيرة على مستوى القادة، المنعقدة في جوهانسبورغ في نوفمبر 2025، حجم هذه المعضلة. فقد تعهد إعلان القمة بإصلاح «تحويلي» لمجلس الأمن يجعله أكثر تمثيلًا وشفافية وفعالية، ودعا صراحة إلى تمثيل أفضل للمناطق التي ظلت ناقصة التمثيل أو غير ممثلة، وفي مقدمتها إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

ولعل المفارقة هي أن العالم لم يعد يختلف كثيرًا حول تشخيص المرض؛ فالخلاف الحقيقي يبدأ عند البحث عن العلاج. الجميع تقريبًا يتحدث عن إصلاح الحوكمة العالمية، وعن ضرورة إعطاء دول الجنوب العالمي صوتًا أكبر، وعن مؤسسات دولية أكثر عدالة وتمثيلًا؛ لكن السؤال الذي يبقى بلا جواب: من هو مستعد فعليًا للتنازل عن جزء من سلطته من أجل إقامة نظام دولي أكثر توازنًا؟

لقد وُلدت أغلب المؤسسات المركزية للنظام العالمي الحالي من رحم الحرب العالمية الثانية. وأنشئت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في سياق دولي يختلف جذريًا عن عالمنا الراهن.

تغيرت موازين الاقتصاد والديموغرافيا والتكنولوجيا، وصعدت قوى جديدة، واستعادت إفريقيا وآسيا وزنًا متزايدًا، وأصبح الجنوب العالمي فاعلًا لا يمكن اختزاله في موقع المتلقي؛ ومع ذلك بقيت بنية القرار الدولي أبطأ بكثير من التحولات التي شهدها العالم.

وقد خطا المجتمع الدولي خطوة سياسية مهمة عندما اعتمد «ميثاق المستقبل» سنة 2024، إذ أقر بصورة واضحة بضرورة إصلاح مجلس الأمن ومعالجة «الظلم التاريخي» الذي لحق بإفريقيا. وفي المفاوضات الحكومية الدولية لسنة 2026، استمر طرح النموذج الإفريقي القائم على منح القارة ما لا يقل عن مقعدين دائمين، فضلًا عن تمثيل أوسع في المقاعد غير الدائمة.

لكن الطريق من الإعلان السياسي إلى الإصلاح القانوني طويل وشاق.

فتعديل ميثاق الأمم المتحدة لا يحتاج فقط إلى أغلبية الثلثين في الجمعية العامة، بل إلى تصديق ثلثي أعضاء المنظمة، بما في ذلك جميع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن؛ وهنا تحديدًا يظهر جوهر المعضلة: من يمتلك القوة داخل النظام الدولي هو نفسه من ينبغي أن يوافق على إعــادة توزيع جزء مـن تلك القوة.

ولذلك فإن أزمة مجلس الأمن ليست أزمة نصوص فقط، بل أزمة توازنات ومصالح وإرادات سياسية. والأمين العام للأمم المتحدة، مهما كانت شخصيته أو قدرته الدبلوماسية، يتحرك بدوره داخل هوامش ترسمها هذه التوازنات.

صحيح أن الميثاق يمنحه أدوارًا سياسية ودبلوماسية مهمة، لكن قدرته على الفعل تصبح محدودة عندما يصل الانقسام بين القوى الكبرى إلى القضايا المرتبطة بالحرب والسلم والأمن الاستراتيجي. ثم إن ما يهدد النظام العالمي ليس غياب القانون، وإنما فقدان الثقة في حياده.

إن العالم يعيش بالفعل بين سندان قوة القانون ومطرقة قانون القوة؛ وقانون القوة، إذا أصبح قاعدة العلاقات الدولية، لن يمنح حتى الأقوياء أمنًا دائمًا؛ لأن القوة متحولة، وموازينها لا تثبت لأحد إلى الأبد.

وقد كتب جان جاك روسو قبل أكثر من قرنين ونصف أن «القوة لا تصنع الحق».

فالقوة تستطيع احتلال الأرض، وتدمير المدن، وفرض حصار، وإسقاط حكومة؛ لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعية مستدامة، ولا سلامًا دائمًا، ولا نظامًا يقبله الجميع.

إن المعركة الحقيقية التي تنتظر المجتمع الدولي ليست بين الشرق والغرب، ولا بين الشمال والجنوب، وإنما بين تصورين للعالم: عالم تكون فيه القوة في خدمة القانون، وعالم يُعاد فيه تشكيل القانون باستمرار لخدمة القوة.

وفي اللحظة التي يصبح فيها القانون أقوى من صاحبه، وأقوى من خصمه، وأقوى من مصالح اللحظة، يمكننا عندها فقط الحديث عن نظام دولي حقيقي.

أما قبل ذلك، فسيظل العالم يتأرجح بين قوة القانون وقانون القوة؛ وستبقى الإنسانية تدفع ثمن الفرق بينهما.

من أراد أن يفهم طبيعة التحولات التي يعرفها النظام العالمي اليوم، فعليه ألا يكتفي بمتابعة الحروب المشتعلة هنا وهناك، بل أن يتأمل الفجوة الآخذة في الاتساع بين ما يقوله القانون الدولي وما تفعله القوة على أرض الواقع؛ فالمعضلة الكبرى لم تعد في غياب المواثيق والقواعد والمؤسسات، وإنما في قدرة النظام الدولي على فرض احترامها بصورة متساوية، سواء تعلق الأمر بدولة قوية أو ضعيفة، بحليف أو خصم، بشمال العالم أو جنوبه.

وقد أكدت قمة مجموعة العشرين الأخيرة على مستوى القادة، المنعقدة في جوهانسبورغ في نوفمبر 2025، حجم هذه المعضلة. فقد تعهد إعلان القمة بإصلاح «تحويلي» لمجلس الأمن يجعله أكثر تمثيلًا وشفافية وفعالية، ودعا صراحة إلى تمثيل أفضل للمناطق التي ظلت ناقصة التمثيل أو غير ممثلة، وفي مقدمتها إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

ولعل المفارقة هي أن العالم لم يعد يختلف كثيرًا حول تشخيص المرض؛ فالخلاف الحقيقي يبدأ عند البحث عن العلاج. الجميع تقريبًا يتحدث عن إصلاح الحوكمة العالمية، وعن ضرورة إعطاء دول الجنوب العالمي صوتًا أكبر، وعن مؤسسات دولية أكثر عدالة وتمثيلًا؛ لكن السؤال الذي يبقى بلا جواب: من هو مستعد فعليًا للتنازل عن جزء من سلطته من أجل إقامة نظام دولي أكثر توازنًا؟

لقد وُلدت أغلب المؤسسات المركزية للنظام العالمي الحالي من رحم الحرب العالمية الثانية. وأنشئت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في سياق دولي يختلف جذريًا عن عالمنا الراهن.

تغيرت موازين الاقتصاد والديموغرافيا والتكنولوجيا، وصعدت قوى جديدة، واستعادت إفريقيا وآسيا وزنًا متزايدًا، وأصبح الجنوب العالمي فاعلًا لا يمكن اختزاله في موقع المتلقي؛ ومع ذلك بقيت بنية القرار الدولي أبطأ بكثير من التحولات التي شهدها العالم.

وقد خطا المجتمع الدولي خطوة سياسية مهمة عندما اعتمد «ميثاق المستقبل» سنة 2024، إذ أقر بصورة واضحة بضرورة إصلاح مجلس الأمن ومعالجة «الظلم التاريخي» الذي لحق بإفريقيا. وفي المفاوضات الحكومية الدولية لسنة 2026، استمر طرح النموذج الإفريقي القائم على منح القارة ما لا يقل عن مقعدين دائمين، فضلًا عن تمثيل أوسع في المقاعد غير الدائمة.

لكن الطريق من الإعلان السياسي إلى الإصلاح القانوني طويل وشاق.

فتعديل ميثاق الأمم المتحدة لا يحتاج فقط إلى أغلبية الثلثين في الجمعية العامة، بل إلى تصديق ثلثي أعضاء المنظمة، بما في ذلك جميع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن؛ وهنا تحديدًا يظهر جوهر المعضلة: من يمتلك القوة داخل النظام الدولي هو نفسه من ينبغي أن يوافق على إعــادة توزيع جزء مـن تلك القوة.

ولذلك فإن أزمة مجلس الأمن ليست أزمة نصوص فقط، بل أزمة توازنات ومصالح وإرادات سياسية. والأمين العام للأمم المتحدة، مهما كانت شخصيته أو قدرته الدبلوماسية، يتحرك بدوره داخل هوامش ترسمها هذه التوازنات.