أثارت سلسلة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت ما لا يقل عن سبع سفن شحن في البحر الأسود هذا الشهر، قبالة سواحل رومانيا وبلغاريا العضوين في حلف شمال الأطلسي، تساؤلات داخل الحلف حول ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للتصعيد واختبار مدى تماسك دعم الحلف لأوكرانيا في حربها ضد الغزو الروسي.
وتهدد هذه الهجمات التي وقعت داخل المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين خط الملاحة العالمي، وأسفرت عن مقتل شخصين، فيما لا يزال 25 شخصاً على الأقل في عداد المفقودين، كما تنطوي على خطر جر دول أخرى بشكل مباشر إلى الحرب في أوكرانيا.
وطوال فترة الحرب، قصفت روسيا مراراً موانئ أوكرانيا على البحر الأسود ونهر الدانوب، مما دفع كييف للاعتماد على طرق بديلة لنقل صادراتها من الحبوب إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، كما انتهكت طائرات روسية مسيرة المجال الجوي الروماني مراراً بالقرب من موانئ أوكرانيا على نهر الدانوب.
وفي أحدث الحوادث، اندلعت حرائق على متن سفينتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيرة يومي الأربعاء والخميس، إحداهما في المياه الإقليمية الرومانية. وقال الرئيس الروماني نيكوسور دان يوم الخميس في بروكسل إن "طائرتين مسيرتين" اصطدمتا بالسفينتين دون تحديد هويتهما، محذراً من أن "سيكون هناك رد فعل من الدولة الرومانية".
ويتزايد الشك الموجه إلى روسيا، حيث صرح رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف أمام البرلمان: "لا يوجد أي منطق في قيام أوكرانيا بمهاجمة سفنها وأطقمها، بالنظر إلى أن نتيجة كل هذه الهجمات تصب في مصلحة روسيا"، مضيفاً: "المشكلة هي أننا لا نستطيع إثبات ذلك".
وشهد شهر أكتوبر سلسلة هجمات متتالية، حيث تعرضت ناقلة المواد الكيميائية "واين تريدر" التي ترفع علم سان مارينو والقادمة من تونس إلى رومانيا، لهجوم مسيرة يوم الخميس أدى لاشتعالها، وتم إنقاذ 5 من طاقمها فيما لا يزال 7 مفقودين.
ويوم الأربعاء، تعرضت ناقلة "يارا جيه" التي ترفع علم جزر القمر والقادمة من تركيا إلى رومانيا لغارة مسيرة واشتعلت النيران فيها، فيما أكد وزير الدفاع الروماني بالوكالة رادو ميروتا أن التحقيق جار.
ويوم الثلاثاء، تعرضت سفينتان لهجوم قبالة سواحل بلغاريا، وتم إجلاء طاقم سفينة "تشيلسي 3" التي تشغلها شركة أوكرانية وترفع علم مالطا والبالغ 15 فرداً، بينما لا يزال 11 فرداً من طاقم سفينة "إتش إس ديجنيتي" التي ترفع علم غينيا بيساو مفقودين، وأفاد طاقم تشيلسي 3 أن السفينة ضربت بثلاث مسيرات.
وفي وقت سابق من الشهر، هاجمت مسيرات بحرية وجوية سفينتين في المنطقة الاقتصادية لبلغاريا، حيث غرقت سفينة ترفع علم توغو دون العثور على بحارتها الـ12، بينما أجلت عبّارة بلغارية 18 من طاقم سفينة ترفع علم بالاو بعد تضررها.
وقبل ذلك بيوم، اشتعلت النيران في سفينة شحن تركية تحمل ذرة إثر هجوم مسيرة ثم غرقت قبالة رومانيا، ما أسفر عن مقتل شخصين وإنقاذ 11، ووصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنها "ضربة مروعة شنتها طائرتان روسيتان مسيرتان على سفينة مدنية" في مياه محايدة، فيما قالت سفيرة روسيا في صوفيا إنها لا تملك معلومات من وزارة الدفاع.
وقال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته الخميس إنه التقى رئيسي وزراء بلغاريا ورومانيا لمناقشة الأمن في البحر الأسود و"أحدث الهجمات على السفن التجارية"، مضيفاً: "عزز الحلف وجوده على طول الجناح الشرقي بما في ذلك زيادة قدرات مكافحة المسيرات، وسيواصل العمل عن كثب مع حلفائنا في البحر الأسود مع تعديل وضعنا الدفاعي والردعي حسب الحاجة".
وتنص المادة 5 من ميثاق الناتو على أن الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع، لكن المحلل الدفاعي الروماني رادو تيودور شكك في انطباقها على هذه الضربات لأنها وقعت في المناطق الاقتصادية الخالصة، قائلاً: "مسألة ما إذا كانت المنطقة الاقتصادية مشمولة بالمادة 5 محل نقاش، ويبدو أنها لم تكن كذلك حتى الآن، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات"، معتبراً أن الحلف كان بطيئاً في الاستجابة.
وتعد حوادث أكتوبر أحدث حلقة في سلسلة اختراقات المسيرات التي هزت رومانيا ودولاً أخرى في الناتو منذ الغزو الروسي، وفي أغسطس نشرت رومانيا مقاتلتين إف-16 لتدمير مسيرة بحرية تحمل متفجرات قرب مشروع غاز رئيسي في البحر الأسود.
وقال مصدر في قطاع الدفاع الروماني غير مخول بالحديث علناً، إن الهجمات مصممة لإلحاق الضرر الاقتصادي بأوكرانيا وإن "رومانيا ليست الهدف في الوقت الحالي"، مضيفاً: "طوال الصيف كنا نبحث عن حطام مسيرات في الماء وعلى الشواطئ، وإذا استمر هذا الوضع يجب على أحدهم أن يفعل شيئاً".
وكشف المصدر عن نقاشات تركية لدعوة دول البحر الأسود للتخطيط لمهمة مرافقة القوافل عبر ممر آمن عسكري، لكنه أشار لصعوبة المهمة لأن "سفننا الرومانية لا تملك أنظمة دفاع جوي ضد المسيرات، وهذا سيشكل خطراً كبيراً على البحرية".
وفي يوليو وسعت رومانيا وبلغاريا وتركيا اتفاقية قوة المهام البحرية لمكافحة الألغام لتشمل "حماية البنية التحتية الحيوية للغواصات" بوجود بحري دائم في المنطقة الاقتصادية الرومانية.
ويوم الأربعاء أعلن وزير الدفاع البلغاري ديميتار ستويانوف عزم بلاده الانضمام لمشروع "درون إيدج" للناتو بنهاية أكتوبر، وهي مبادرة أطلقت في يوليو وانضمت إليها رومانيا أيضاً وتستهدف استثمار أكثر من 40 مليار دولار في قدرات مكافحة المسيرات خلال 5 سنوات.
من جانبه، قال سيزار جورجي مؤسس شركة أغريكولوم للاستشارات في مجال الحبوب، إن حوادث المسيرات لم تؤثر على التجارة في ميناء كونستانتا الروماني، لكن القلق الرئيسي هو ارتفاع تكاليف التأمين، مضيفاً: "أقساط التأمين على المخاطر في ازدياد، فكل من يرغب بالقدوم إلى كونستانتا سيدفع أقساطاً إضافية"، معرباً عن خشيته من "حادث خطير" في الميناء بعد انفجار مسيرة بحرية أوكرانية فيه في يونيو وثلاث مسيرات أخرى قربه، قائلاً: "إنها مسألة وقت".