بعدما اتفقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والقيادة الإيرانية على شروط لإنهاء الصراع بينهما وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو تطور أشاع ارتياحا كبيرا في الأسواق العالمية. ولكن على الرغم من أن الاتفاق يمثل فرصة لترمب للخروج من حرب أثبتت باستمرار أنها لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الأميركي، فإنه يعرضه أيضا لانتقادات من داخل الحزب الجمهوري المنتمي إليه، وتشكيك من الحلفاء، وتساؤلات حول صمود الاتفاق. وبحلول الاثنين، انتقد بعض مؤيدي النهج الصارم مع إيران داخل الحزب الجمهوري الاتفاق بشدة ووصفوه بأنه كارثة تكتيكية. وكتب إريك إريكسون، أحد الشخصيات المحافظة المؤثرة، على منصة إكس "استسلم ترمب لإيران". وقال السناتور الأميركي ليندسي غراهام، وهو حليف لترمب وداعم للحرب، في منشور على إكس إنه "قلق إلى حد ما" من أن وصف إيران للاتفاق المبدئي يختلف عن وصف البيت الأبيض. ورفض جيه. دي. فانس نائب ترمب، وهو من أقل مساعدي الرئيس تشددا، الانتقادات المبكرة. وقلل فانس خلال مقابلة مع شبكة (إيه.بي.سي) الاثنين من احتمال حصول إيران على الفور على بعض أصولها المجمدة، قائلا إنها لن تحصل على تلك الأموال إلا إذا حققت معايير معينة تتعلق ببرنامجها النووي. (انقسامات الحزب) ومع تعامل الجمهوريين منذ سنوات مع انقسامات عميقة بين دعاة الانعزال عن شؤون الدول الأخرى ودعاة التدخل فيها، فإن أي اشتعال لانقسام آخر قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، التي سيحاول الجمهوريون خلالها الدفاع عن أغلبيتهم الضئيلة في مجلسي النواب والشيوخ، قد يعكس صورة لحزب في حالة من الفوضى. ويتوقع محللون أن تنخفض أسعار البنزين، لكنها ستظل أعلى من مستويات ما قبل الحرب لبعض الوقت، مما يعني أن الناخبين سيظلون يواجهون على الأرجح ارتفاعا في سعر الوقود مع اقتراب الانتخابات. ومن غير المقرر فتح المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب حوالي 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، بالكامل حتى يوم الجمعة. وحتى عندها، ستستغرق عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية أسابيع أو أشهر مع زيادة القيود على الإمدادات في وقت تعمل فيه دول الخليج على زيادة الإنتاج وإصلاح البنية التحتية المتضررة. وقال ديفيد جوربيناز رئيس قسم سوق النفط العالمية لدى شركة (آي.سي.آي.إس) المتخصصة في توفير معلومات السوق "من الناحية الواقعية، مسألة عودة حجم التدفق إلى مستويات ما قبل الصراع ستنتظر لعام 2027". وقد يقلل هذا التأخير من أي مكاسب سياسية قد يحققها ترمب والجمهوريون، لا سيما وأن الناخبين لا يزالون يركزون على ضغوط تكاليف المعيشة. وحتى أوائل يونيو، شعر نحو 70 بالمئة من الأميركيين بعدم الرضا عن طريقة تعامل ترمب مع هذه المخاوف. (اتفاق اوباما) ومن المواقف التي كثيرا ما يكررها ترمب فيما يتعلق بإيران هو أن الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما مع الجمهورية الإسلامية، والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، كان كارثة. وأشار ترمب مرارا بسخرية إلى أن إدارة الرئيس الديمقراطي أوباما أرسلت شحنات من النقود إلى طهران، في خطوة كانت تهدف إلى تسوية خلاف مالي طويل الأمد، مع تسهيل التوصل إلى الاتفاق في الوقت نفسه. والآن، ومع تفاوض ترمب على اتفاق نووي، فإنه يخاطر بتعريض نفسه لهجمات من الديمقراطيين إذا لم يكن الاتفاق النهائي أفضل بنحو واضح من خطة العمل الشاملة المشتركة. ولعدم وضوح تفاصيل الاتفاق الحالي، يصعب إجراء مقارنة مباشرة. لكن مستشاري ترمب قالوا إنه عبر عن قلقه في أحاديث خاصة بشأن التأكد من اعتبار اتفاقه أفضل من اتفاق أوباما. ومن المخاوف الرئيسية التي تراود المحافظين المتشككين هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح لإيران بالوصول إلى أصولها المجمدة، وإلى أي مدى. (تجدد القتال) من المخاطر الكبيرة الأخرى خطر اشتعال القتال من جديد، مما يتسبب في ارتفاع أسعار الطاقة مرة أخرى في وقت يولي فيه الناخبون اهتمامهم إلى انتخابات التجديد النصفي. وعبر القادة الإسرائيليون عن الغضب في أحاديث خاصة، إذ يرون الاتفاق الأولي شكلا من أشكال الاستسلام في وقت كانت إسرائيل وواشنطن تقتربان فيه من هزيمة طهران. ويشعر بعض غلاة المحافظين في طهران بعدم الرضا أيضا لاعتقادهم أن القادة هناك كان ينبغي عليهم الصمود لفترة أطول. وقال جوناثان رينهولد العالم السياسي في جامعة بار إيلان قرب تل أبيب إن المسؤولين الإسرائيليين سيواجهون صعوبة في إقناع ناخبيهم بالاتفاق. وأضاف أن أفضل سيناريو سياسي للحكومة الإسرائيلية هو انهيار المحادثات مع إيران بسرعة واستئناف الحرب. ووصلت العلاقات بين ترمب والقادة الأوروبيين إلى أدنى مستوياتها، إذ انتقد الرئيس الأميركي دول حلف شمال الأطلسي لعدم انضمامها إلى الجهود الحربية الأميركية الإسرائيلية. وعلى الرغم من صعوبة التوصل إلى استنتاجات قاطعة بشأن التداعيات الجيوسياسية طويلة الأمد للصراع، فقد استغلت الولايات المتحدة في الأشهر القليلة الماضية قدرا كبيرا من نفوذها الدبلوماسي والسياسي، وأثارت في بعض الحالات استياء حلفاء قدامى. (قضايا معقدة) أرجأ الاتفاق المؤقت بالأساس القضايا الأكثر تعقيدا. ولم يتضح ما سيحدث بشأن برنامج إيران النووي، ولدى كلا الجانبين روايات مختلفة بشأن المتفق عليه حتى الآن. وأمام طهران وواشنطن الآن 60 يوما للتوصل إلى اتفاق أشمل، وهي مهمة ضخمة بالنظر إلى كون البلدين على خلاف بشأن برنامج طهران النووي منذ عقود. وذكر ترمب أنه قد يستأنف الهجمات إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، وهي خطوة من شأنها على الأرجح إثارة غضب الناخبين الذين تشير استطلاعات الرأي العام إلى عدم تقبلهم شن الحرب في المقام الأول. ومع ذلك، إذا خالف ترمب التوقعات وأبرم اتفاقا مهما مع إيران، فقد يمنح ذلك الجمهوريين انتصارا سياسيا. وقال تشارلي جيرو المحلل الجمهوري المقيم في ولاية بنسلفانيا "سجل الإيرانيين في الوفاء بوعودهم سيء للغاية، لذلك فإن أحد الأسئلة المطروحة هو متى تنفجر هذه القضية". وأضاف "إذا تمكن ترمب، من خلال وسائل أخرى، من إنجاح الأمر، فسيكون ذلك في اعتقادي إيجابيا للغاية بالنسبة له ولإدارته". (رهان نتنياهو) راهن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن الحرب المشتركة التي خاضها جنبا إلى جنب وكتفا بكتف مع ترمب ستسقط الحكام في إيران وتعزز صورته قبل الانتخابات الداخلية باعتباره مهندس تحالف أميركي إسرائيلي قادر على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. بدلا من ذلك، أصبح رئيس الوزراء، الذي شغل المنصب لمدة أطول من أي زعيم إسرائيلي آخر، يسير في مسار تصادمي مع ترمب، في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأميركي لإخراج نفسه من الحرب، بينما لم يحقق أي منهما أهداف الحرب وأصبح الجيش الإسرائيلي مكتوف الأيدي في عملياته العسكرية في لبنان. ويتوخى المسؤولون الإسرائيليون الحذر في تصريحاتهم العلنية في الوقت الراهن، خشية إغضاب حليفهم الأكبر، المعروف بحساسيته تجاه النقد. لكن في الأحاديث الخاصة وخلف الأبواب المغلقة، لا تخفى مشاعر الإحباط على أحد. وقال أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين، في تقييم صريح شريطة عدم الكشف عن هويته، "الاتفاق المبدئي سيء لإسرائيل. ولا أحد في القيادة الإسرائيلية يرى شيئا خلاف ذلك، من رئيس الوزراء إلى رئيس الأركان". (ملاحقة حزب الله) تصادم نتنياهو وترمب مرارا بسبب رفض إسرائيل الحد من عملياتها لملاحقة حزب الله في لبنان، الذي يمثل وقف القتال فيه مطلبا إيرانيا رئيسيا. وفي بداية الشهر، وصف ترمب نتنياهو بأنه "مجنون" في مكالمة هاتفية عاصفة، وأمره بعدم ضرب بيروت بينما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأوقف نتنياهو الهجمات في ذلك اليوم، لكنه قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بعدها بأسبوع، مما كان سببا في شن إيران هجمات صاروخية على إسرائيل وتدخل ترمب بتوجيه انتقادات علنية شديدة لكلا الجانبين. وقبل ساعات من إعلان الولايات المتحدة وإيران عن اتفاقهما المؤقت، قصفت إسرائيل العاصمة اللبنانية مرة أخرى يوم الأحد، بعد إطلاق صواريخ على إسرائيل من لبنان، وهو هجوم وصفه ترمب بأنه "صغير وبلا قيمة". وقال نتنياهو إن إسرائيل خرجت من هذه الأزمة "قوية وثابتة"، بقيادة حازمة وحكيمة. وفي مؤتمر صحفي، أقر بوجود خلافات بينه وبين ترمب في بعض الأحيان. وأضاف نتنياهو "هو رئيس الولايات المتحدة، وأنا رئيس وزراء إسرائيل. نتفق في كثير من الأحيان، ونختلف في أحيان أخرى. أنا مسؤول عن مصالح إسرائيل الأمنية". وقال دان شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل في عهد إدارة أوباما، والذي يعمل حاليا في مركز أبحاث (مجلس الأطلسي) "هذه لحظة فارقة تتباين فيها المصالح". (خيبة إسرائيلية) دأب نتنياهو على تصوير نفسه أمام الرأي العام الإسرائيلي على أنه يملك مواهب فريدة في التعامل مع ترمب، بعدما اصطدم مرارا مع واشنطن في عهد الإدارتين الديمقراطيتين لباراك أوباما وجو بايدن. وخلال ولاية ترمب الأولى، حصلت إسرائيل على الكثير من واشنطن، التي نقلت سفارتها إلى القدس ودعمت "اتفاقيات إبراهيم" التي أرست علاقات دبلوماسية. وفيما يتعلق بإيران، تخلى ترمب عن اتفاق نووي تسنى التوصل إليه بطريق التفاوض في عهد أوباما، وشكت إسرائيل مرارا من أنه متساهل للغاية. وفي انتخابات 2019، وضع نتنياهو لوحات إعلانية ضخمة في شوارع تل أبيب والقدس يظهر فيها هو وترمب يبتسمان ويتصافحان. لكن جوناثان رينولد، أستاذ السياسة بجامعة بار إيلان بالقرب من تل أبيب، يقول إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يهدم ادعاء نتنياهو بأن العلاقة الوثيقة مع ترمب تميزه عن المرشحين الآخرين لمنصب رئيس الوزراء. ويضيف رينولد "لن يتمكن نتنياهو من إقناع الرأي العام الإسرائيلي بهذا الاتفاق.. أفضل ما يمكن أن يأمل فيه هو أن يفشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق وأن تعود الحرب في غضون 60 يوما، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل". وانعكست هذه التطورات في صورة نتيجة لاستطلاع رأي نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوم الجمعة، إذ أظهر أن 41 بالمئة فقط من الإسرائيليين اليهود يعتقدون بأن أمنهم يمثل أولوية بالنسبة لترمب، بانخفاض عن 64 بالمئة في مارس. وقال إيلي كوهين، وزير الطاقة في حكومة نتنياهو، إن إسرائيل ستكون مستعدة للتصرف بمفردها إذا أعادت إيران بناء قدراتها النووية والصاروخية، لكنه أضاف أن فرص إقدام طهران على هذه الخطوة خلال ولاية ترمب ضئيلة. ومضى كوهين قائلا "إذا حاولت إيران استئناف برامجها النووية وبرامج الصواريخ الباليستية، فسنكون على أهبة الاستعداد وسنتصرف".