اتفاق واحد وروايات متعددة… غموض أميركي من الصين إلى الشرق الأوسط

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

توقّع الولايات المتحدة اتفاقاً أو تعلن نجاح وساطتها في تفاهم، ثم تبدأ معركة أخرى عمّا يعنيه النص فعلياً.يتكرر المشهد اليوم في أكثر من ملف. في غزة، تتمسك إسرائيل بنزع سلاح "حماس" قبل استكمال الانسحاب، فيما تجمع الخطة الأميركية نزع السلاح والانسحاب والترتيبات الأمنية والسياسية في مسار واحد. وفي لبنان، تتداخل مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية مع مسار منفصل رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وسط خلاف على شروط الانسحاب ونزع سلاح "حزب الله". أما في الملف الإيراني، فأعادت مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية السؤال نفسه بشأن ترتيب فتح مضيق هرمز ورفع الحصار والعقوبات وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.قد تبدو الحالات الثلاث مرتبطة بتعقيدات حروب 2023 - 2026، لكن تاريخ الديبلوماسية الأميركية يكشف نمطاً أقدم. فمن التقارب مع الصين، مروراً بكامب ديفيد وأوسلو والاتفاق النووي الإيراني واتفاق الدوحة مع "طالبان"، شاركت واشنطن مراراً في صناعة نصوص استطاعت الأطراف قبولها قبل أن تتفق بالكامل على معناها.يُعرف هذا الأسلوب باسم "الغموض البنّاء". فحين يتعذر حلّ الخلاف، يمكن الاتفاق على صيغة تحتمل أكثر من قراءة. يستطيع كل طرف تقديمها إلى جمهوره وفق تفسيره، ويحصل الوسيط على مساحة تسمح بوقف حرب أو فتح علاقة أو إطلاق عملية سياسية.لكن الغموض الذي يسهّل الوصول إلى الاتفاق قد يتحول إلى أزمة عند التنفيذ. فحين تبدأ ترجمة النص إلى خطوات، تظهر المشكلة الحقيقية. على ماذا اتفق الأطراف فعلياً؟

يقدّم التقارب الأميركي - الصيني في عهد ريتشارد نيكسون أحد أشهر الأمثلة على ذلك.كانت تايوان عقبة مركزية أمام إعادة بناء العلاقة بين واشنطن وبكين. وفي "بيان شنغهاي" عام 1972، أعلنت بكين أن تايوان جزء من الصين، فيما قالت واشنطن إنها تقر بأن الصينيين على جانبي المضيق يقولون إن هناك صيناً واحدة وإن تايوان جزء منها، وإنها لا تتحدى هذا الموقف.سمحت الصياغة للطرفين بالمضي قدماً من دون حسم الخلاف. لم تتبنَّ واشنطن صراحة الموقف الصيني من السيادة على تايوان، فيما استطاعت بكين اعتبار البيان خطوة باتجاه مبدأ "الصين الواحدة".وعندما أقامت الدولتان علاقات ديبلوماسية كاملة عام 1979، استخدمتا صيغة محسوبة مشابهة. نجح الغموض هنا في أداء وظيفته، إذ بقي الخلاف قائماً، لكن الطرفين استطاعا بناء علاقة استراتيجية فوقه.

الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون يصافح الزعيم الصيني ماو تسي تونغ خلال زيارته التاريخية إلى الصين عام 1972. (الأرشيف الوطني الأميركي)

انتقلت الفكرة إلى الشرق الأوسط بأشكال مختلفة.أنتجت كامب ديفيد عام 1978 إطارين مختلفين. الأول مهّد للسلام المصري - الإسرائيلي وانسحاب إسرائيل من سيناء، فيما تناول الثاني الضفة الغربية وغزة، واقترح ترتيبات لحكم ذاتي فلسطيني خلال مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، مع إبقاء قضايا الوضع النهائي مفتوحة.قاد الجزء الأكثر تحديداً إلى سلام مصري - إسرائيلي مستمر، بينما تعثر المسار الذي ترك النتيجة السياسية مفتوحة.وتكرر المنطق بصورة أوضح في أوسلو عام 1993. أنشأ الاتفاق سلطة فلسطينية انتقالية ووضع مساراً لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية، لكنه رحّل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية إلى مفاوضات الوضع النهائي.كان حسم هذه الملفات منذ البداية كفيلاً بإسقاط المسار، لذلك توافق الطرفان على آلية تفاوضية من دون حسم النتيجة النهائية. لكن القضايا المؤجلة عادت لاحقاً لتصبح من أبرز العقبات أمام استكماله.وهكذا ظهر نوع آخر من الغموض. فبدلاً من اختيار كلمات تسمح بقراءتين، يجري تأجيل القضية التي يستحيل الاتفاق عليها لإنقاذ ما يمكن الاتفاق عليه.

الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن يتصافحان خلال لقائهما الأول في قمة كامب ديفيد، بحضور الرئيس الأميركي جيمي كارتر، في 7 أيلول/سبتمبر 1978. (الأرشيف الوطني الأميركي)

في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، أخذت المشكلة شكلاً مختلفاً.كان الاتفاق شديد التفصيل في الجانب النووي، إذ حدد مستويات التخصيب والمخزون وعدد أجهزة الطرد المركزي وآليات التفتيش والمراحل الزمنية، وربط تخفيف العقوبات بتنفيذ إيران التزاماتها والتحقق منها.

لكن مساحة الخلاف ظهرت في الآثار الاقتصادية لرفع العقوبات. فقد شمل الاتفاق رفع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، فيما بقيت عقوبات أميركية أخرى مفروضة لأسباب تتعلق بـ"الإرهاب" وحقوق الإنسان وغيرها خارج نطاقه.وهكذا ظهرت فجوة بين رفع العقوبات المنصوص عليها في الاتفاق وبين قدرة إيران على استعادة علاقاتها التجارية والمالية بصورة أوسع. فمن الناحية القانونية، أمكن لواشنطن القول إنها نفذت التزاماتها المتعلقة بالعقوبات النووية، فيما اشتكت طهران من أن استمرار القيود الأخرى حدّ من الفوائد الاقتصادية التي انتظرتها من الاتفاق.

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف خلال المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني في فيينا، في 1 تموز/يوليو 2015. (وزارة الخارجية الأميركية)

المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد والقيادي في طالبان عبد الغني برادر خلال توقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة والحركة، في 29 شباط/فبراير 2020. (وزارة الخارجية الأميركية)

في لبنان، تبدو المعضلة أكثر تعقيداً، لأن الخلاف لا يتعلق بترتيب تنفيذ اتفاق واحد فقط، وإنما بالعلاقة بين مسارين رعتهما واشنطن.نصت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وعلى ضمان سيادته ووحدة أراضيه. لكن لبنان وإسرائيل لم يكونا طرفين فيها، فيما بقيت كيفية ترجمة هذا الالتزام على الأرض مفتوحة.بعد ذلك، رعت واشنطن مساراً منفصلاً بين لبنان وإسرائيل انتهى إلى إطار يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بنزع سلاح الجماعات المسلحة وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني. وهنا ظهرت قراءتان مختلفتان. يتمسك "حزب الله" بالمذكرة الأميركية - الإيرانية باعتبارها تفرض وقف العمليات والانسحاب الإسرائيلي، فيما تتعامل واشنطن وإسرائيل مع المسار اللاحق باعتباره الإطار الذي يحدد شروط التنفيذ في لبنان.وهكذا وجد لبنان نفسه أمام مسارين رعتهما واشنطن، أحدهما وضعه ضمن تفاهم إقليمي أوسع، والآخر أعاد تحديد شروط وقف النار والانسحاب ونزع السلاح على المستوى اللبناني - الإسرائيلي. وبين المسارين، بقيت حدود الالتزامات الأميركية وكيفية تنفيذها موضع قراءات متباينة.

وزاد الخلاف تعقيداً مع ربط إسرائيل انسحابها بنزع سلاح "حزب الله"، مقابل رفض الحزب البحث في سلاحه قبل الانسحاب. وحتى آلية التحقق بقيت موضع تفاوض، إذ نفى مسؤول لبناني في 13 آب/أغسطس التوصل إلى اتفاق على لائحة دول تتولى هذه المهمة.

السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر خلال توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، في 26 حزيران/يونيو 2026. (وزارة الخارجية الأميركية)