اتفاقية مكة.. عندما يتكلم الردع تضطرب الحسابات – عبدالله بن محمد آل الشيخ

لم تكن «اتفاقية مكة».. مجرد توقيع عابر بين دول اجتمعت على مصالح مشتركة ولا صورة بروتوكولية تُضاف إلى أرشيف اللقاءات والقمم:

بل جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية لتقول بوضوح إن أمن الدول واستقرار الشعوب لم يعودا يحتملان الانتظار وإن السلام الذي ننشده جميعًا يحتاج إلى قوة تحميه وإلى ردع يمنع المغامرين من العبث به..

ولأنها مكة المكرمة قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم فإن للمكان دلالته وللتوقيت رسالته وللاجتماع معناه ومن هنا يمكن فهم ما أعقب الاتفاقية من بيانات وتأييدات..

وقراءات وردود أفعال وكذلك ما صاحبها من تعليقات متباينة: بعضها قرأها بعقل السياسة ومصالح الدول وبعضها الآخر أحاطها بتأويلات وتكهنات وكأن اتفاق دول المنطقة وتنسيق مواقفها أصبح عند البعض مصدر قلق بدل أن يكون خطوة نحو مزيد من الأمن والاستقرار..!

وبدا أن الاتفاقية قهرت حسابات البعض وأربكت توقعات آخرين: عربًا وعجمًا حتى خرجت قراءات تحاول أن تجد فيها ما ليس فيها أو تقلل من أهميتها أو تصور التعاون والردع وكأنهما إعلان حرب..!

لماذا يقلق البعض عندما تتعاون دول المنطقة لحماية أمنها..؟؟

أليس العالم كله قائمًا على التحالفات والشراكات والاتفاقيات الدفاعية؟

ألم نسمع على مدى سنوات طويلة دعوات تطالب دول منطقتنا بتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها؟

فلماذا عندما تفعل ذلك الآن تتكاثر علامات الاستفهام؟

إن اتفاقية مكة - في تقديري - تقول شيئًا واضحًا لا يحتاج إلى كثير من التأويل:

نحن دعاة سلام ولكن السلام لا يعني الضعف وحسن الجوار لا يعني أن تظل أبواب أوطاننا مفتوحة أمام الصواريخ والمسيّرات والأذرع والميليشيات..

وإنما قوة من أجل السلام لأن الدول التي اجتمعت في مكة ليست دولًا تبحث عن مغامرة أو حرب وإنما دول تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وجغرافيًا ولها مصالحها ومسؤولياتها تجاه أوطانها وشعوبها..

وحين تتلاقى الإرادات وتتبادل الدول الخبرات والمعلومات وتنسق قدراتها الدفاعية والأمنية فإن ذلك لا ينبغي أن يخيف دولة تبحث فعلًا عن السلام..

«فالردع ليس حربًا، الردع في كثير من الأحيان هو الذي يمنع الحرب..

إنها ضمانة حتى يعرف من يفكر في العدوان أن هناك ثمنًا وأن أمن الدول وسيادتها ومقدرات شعوبها ليست ساحات مفتوحة لاختبار الصواريخ والمسيّرات والمغامرات..

لقد دفعت منطقتنا أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية من الحروب بالوكالة والميليشيات العابرة للحدود والتهديدات المتكررة للممرات والمنشآت والأعيان المدنية..

وتعبت شعوب المنطقة من أن تستيقظ كل مرة على أزمة لم تصنعها..!

وتعبت اقتصاداتها من دفع فواتير حروب لا تريدها..

وتعب المواطن والمقيم من أن يتحولا إلى ضحايا لصراع قرره آخرون في مكان آخر..

وهنا لا يمكن تجاوز إيران وسياسات نظامها والحرس الثوري والأذرع المرتبطة به..

فهو شعب عريق.. وجار عزيز ويستحق الأمن والرخاء والاستقرار والتنمية كبقية شعوب المنطقة..

حديثنا عن سياساتٍ جعلت من التدخل خارج الحدود ومن دعم الأذرع والجماعات المسلحة ومن تصدير الأزمات أدواتٍ لتحقيق أهداف سياسية..

والتجارب أمامنا.. في اليمن والعراق ولبنان وسوريا وفي التهديدات التي طالت دولًا ومنشآت وممرات حيوية كانت المنطقة تدفع ثمن سياسة لا يبدو أنها أدركت حتى الآن أن أمن إيران لا يمكن أن يُبنى على حساب أمن جيرانها..

والمفارقة المؤلمة أن دول الخليج التي كانت في كثير من المحطات تدعو إلى التهدئة وتجنّب توسيع الصراع تجد نفسها أحيانًا في دائرة الخطر والتهديد..!

ولهذا فإن السؤال الكبير لم يعد ترفًا سياسيًا:

إلى متى تدفع الدول المسالمة ثمن صراعات لم تخترها..؟؟

وإلى متى تبقى بعض العواصم والمدن والموانئ والمنشآت المدنية أوراق ضغط في مواجهة لا علاقة لشعوبها بها؟

لا ثقة تبنيها التصريحات وحدها لقد سمعنا كثيرًا من التصريحات عن حسن الجوار..!

والحرص على أمن المنطقة واستقرارها وهذا كلام نرحب به ونتمنى أن يتحول إلى حقيقة وواقع..

لكن العلاقات بين الدول لا تبنى على التصريحات وحدها..

الثقة تُصنع بالأفعال نعم.. لا بالأقوال تُصنع عندما يأمن الجار على حدوده..

وعندما لا يخشى المواطن صاروخًا أو مسيّرة..

وعندما لا تتحول الميليشيات إلى أداة تفاوض..

وعندما تصبح السفارات والقنوات الدبلوماسية هي طريق حل الخلاف لا الأذرع والسلاح..!

عليه أن يمنحها أسباب هذه الثقة المملكة العربية السعودية سلام من موقع القوة لقد أثبتت المملكة العربية السعودية في أكثر من محطة ومناسبة:

أنها دولة سلام ووئام وحوار وأنها لا تبحث عن الحروب ولا تستثمر في الفوضى، بل تسعى إلى الاستقرار والتنمية وبناء العلاقات المتوازنة..

وهذه السياسة الحكيمة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان لا تتناقض أبدًا مع بناء القوة..

الدولة القوية أقدر على صنع السلام وحمايته..

والمملكة التي تمد يدها للحوار هي ذاتها المملكة..

التي لن تقبل أن يُمس أمنها أو سيادتها أو مقدرات شعبها..