ابن رشد في قرطبة: حين تصبح العقلانية من جديد لغةً للحضارة – د. عبدالحق عزوزي

بعد تسعة قرون على ميلاد ابن رشد، تستعد قرطبة لأن تجدد صلتها بأحد أكثر أعلام تاريخها إشعاعاً وكونية. فالمنتدى المخصص لأبي الوليد ابن رشد، الذي يقوده تحالف الأمم المتحدة للحضارات، بمبادرة من ممثله السامي السيد ميغيل أنخيل موراتينوس، وبشراكة مع رابطة العالم الإسلامي برئاسة معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، لا يندرج في إطار احتفاء تذكاري عابر، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة فكر ابن رشد في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، والتساؤل عمّا يمكن أن يقدمه هذا الفكر لعالم يواجه انقسامات جيوسياسية، وتوترات هوياتية، وتحولات غير مسبوقة أفرزها الذكاء الاصطناعي.

ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد في قرطبة سنة 1126، وينتمي إلى تلك الفئة النادرة من المفكرين الذين تجاوز أثرهم حدود الجغرافيا واللغة والزمن. فقد كان فقيهاً وطبيباً وفيلسوفاً ومتكلماً، وأحد أبرز ممثلي حضارة عربية إسلامية جعلت من العلم والترجمة والتبادل الفكري وانتقال المعارف أدوات أساسية للارتقاء بالإنسان وتوسيع آفاقه المعرفية.

وتكتسب هذه الرسالة اليوم راهنية خاصة. فمجتمعاتنا تتوفر على كم هائل من المعلومات لم تعرف البشرية له مثيلاً، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة مزيداً من الحكمة أو التبصر. وشبكات التواصل الاجتماعي قرّبت المسافات بين الأفراد، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى فضاءات للاستقطاب والانغلاق والتوتر. أما الذكاء الاصطناعي، فإنه يضاعف قدرات الإنسان بوتيرة غير مسبوقة، لكنه يطرح في الآن نفسه أسئلة جوهرية تتصل بالحرية والكرامة والمسؤولية واستقلالية القرار الإنساني.

ومن هنا بالذات يلتقي فكر ابن رشد بروح تحالف الحضارات. فالحضارة لا تغتني حين تنغلق على ذاتها، وإنما حين تلتقي بالآخر وتتفاعل معه. والتاريخ الفكري لابن رشد يقدم مثالاً بليغاً على ذلك: فقد دُرس الفكر اليوناني باللغة العربية، وشُرح وأُعيد بناؤه وإغناؤه، قبل أن ينتقل عبر الترجمات اللاتينية والعبرية إلى فضاءات فكرية أخرى، ويسهم في تشكيل جانب مهم من النقاش الفلسفي الأوروبي.

فالحضارات، بهذا المعنى، ليست قلاعاً مغلقة، ولا عوالم صماء منفصلة، وإنما هي مسارات متشابكة من الأفكار والعلوم والخبرات الإنسانية، تقوم على الأخذ والعطاء وعلى التفاعل والتراكم المشترك.

وقرطبة، بما تحمله من رمزية تاريخية، تجسد هذه الفكرة بوضوح استثنائي. فهي تذكّرنا بأن البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرد حد فاصل بين شمال وجنوب، بل كان على مدى قرون فضاءً لانتقال المعرفة وعبور الأفكار والتلاقح بين المسلمين واليهود والمسيحيين.

وفي زمن تسعى فيه بعض الخطابات إلى حصر الشعوب داخل هويات مغلقة ومتصادمة، فإن العودة إلى ابن رشد تعني التأكيد من جديد أن الكوني لا يولد من إلغاء الاختلاف، وإنما من الحوار بين الاختلافات.

وهذه التأملات تجد صداها المباشر فيما شهدته مدينة فاس يومي 27 و28 أبريل 2026، خلال المنتدى الدولي حول «مستقبل الحضارة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي نظمته الجامعة الأورومتوسطية بفاس من خلال كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، وبشراكة مع رابطة العالم الإسلامي وتحالف الأمم المتحدة للحضارات.

لقد أكد نداء فاس المنبثق عن هذا اللقاء مبدأ أساسياً: إن الابتكار التكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته، بل يجب أن يظل في خدمة الإنسان وكرامته، وفي خدمة السلام.

ومن هنا تبدو الصلة الفكرية بين قرطبة وفاس ذات دلالة عميقة. ابن رشد يذكرنا بضرورة العقل، ونداء فاس يذكّرنا بضرورة أن تكون لهذا العقل بوصلة أخلاقية، خصوصاً في زمن الخوارزميات والأنظمة الذكية.

فالذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدراته، لا يمكن أن يعفينا من مسؤولية بناء ذكاء إنساني أكثر وعياً ومسؤولية. وكلما ازدادت قوة التكنولوجيا، ازدادت حاجتنا إلى أخلاق تحكم استخدامها، وإلى ضمير إنساني يحدد غاياتها وحدودها.

إن منتدى قرطبة يشكل، من هذا المنظور، فرصة لإعادة اكتشاف ابن رشد لا باعتباره شخصية عظيمة من الماضي فحسب، بل بوصفه محاوراً حياً لعصرنا. وبعد تسعة قرون على ميلاده، لا يزال صوته يخاطبنا بوضوح لافت: لا حضارة تملك المعرفة كلها بمفردها، ولا تكنولوجيا تستطيع أن تحل محل الضمير الإنساني، ولا سلام دائم يمكن أن يُبنى من دون حوار.

ومن قرطبة إلى فاس، تمتد في النهاية قناعة واحدة عبر القرون: العقل ينير درب الإنسان، والحوار يقرب بين الحضارات، والأخلاق هي البوصلة التي ينبغي أن توجه التقدم.

- أستاذ التعليم العالي ورئيس كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات

بعد تسعة قرون على ميلاد ابن رشد، تستعد قرطبة لأن تجدد صلتها بأحد أكثر أعلام تاريخها إشعاعاً وكونية. فالمنتدى المخصص لأبي الوليد ابن رشد، الذي يقوده تحالف الأمم المتحدة للحضارات، بمبادرة من ممثله السامي السيد ميغيل أنخيل موراتينوس، وبشراكة مع رابطة العالم الإسلامي برئاسة معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، لا يندرج في إطار احتفاء تذكاري عابر، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة فكر ابن رشد في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، والتساؤل عمّا يمكن أن يقدمه هذا الفكر لعالم يواجه انقسامات جيوسياسية، وتوترات هوياتية، وتحولات غير مسبوقة أفرزها الذكاء الاصطناعي.

ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد في قرطبة سنة 1126، وينتمي إلى تلك الفئة النادرة من المفكرين الذين تجاوز أثرهم حدود الجغرافيا واللغة والزمن. فقد كان فقيهاً وطبيباً وفيلسوفاً ومتكلماً، وأحد أبرز ممثلي حضارة عربية إسلامية جعلت من العلم والترجمة والتبادل الفكري وانتقال المعارف أدوات أساسية للارتقاء بالإنسان وتوسيع آفاقه المعرفية.

وتكتسب هذه الرسالة اليوم راهنية خاصة. فمجتمعاتنا تتوفر على كم هائل من المعلومات لم تعرف البشرية له مثيلاً، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة مزيداً من الحكمة أو التبصر. وشبكات التواصل الاجتماعي قرّبت المسافات بين الأفراد، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى فضاءات للاستقطاب والانغلاق والتوتر. أما الذكاء الاصطناعي، فإنه يضاعف قدرات الإنسان بوتيرة غير مسبوقة، لكنه يطرح في الآن نفسه أسئلة جوهرية تتصل بالحرية والكرامة والمسؤولية واستقلالية القرار الإنساني.

ومن هنا بالذات يلتقي فكر ابن رشد بروح تحالف الحضارات. فالحضارة لا تغتني حين تنغلق على ذاتها، وإنما حين تلتقي بالآخر وتتفاعل معه. والتاريخ الفكري لابن رشد يقدم مثالاً بليغاً على ذلك: فقد دُرس الفكر اليوناني باللغة العربية، وشُرح وأُعيد بناؤه وإغناؤه، قبل أن ينتقل عبر الترجمات اللاتينية والعبرية إلى فضاءات فكرية أخرى، ويسهم في تشكيل جانب مهم من النقاش الفلسفي الأوروبي.

فالحضارات، بهذا المعنى، ليست قلاعاً مغلقة، ولا عوالم صماء منفصلة، وإنما هي مسارات متشابكة من الأفكار والعلوم والخبرات الإنسانية، تقوم على الأخذ والعطاء وعلى التفاعل والتراكم المشترك.

وقرطبة، بما تحمله من رمزية تاريخية، تجسد هذه الفكرة بوضوح استثنائي. فهي تذكّرنا بأن البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرد حد فاصل بين شمال وجنوب، بل كان على مدى قرون فضاءً لانتقال المعرفة وعبور الأفكار والتلاقح بين المسلمين واليهود والمسيحيين.