ابن خلدون وواشنطن.. هل بدأ أفول الإمبراطورية الأمريكية؟ – صبحي شبانة

قبل أكثر من ستة قرون، لم يكن عبد الرحمن بن خلدون يكتب تاريخ الدول فحسب، بل كان يؤسس علماً جديداً لفهم حركة المجتمعات وصعود الحضارات وسقوطها، وفي مقدمته الشهيرة لم ينظر إلى قيام الدول بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره دورة تاريخية تبدأ بالقوة والتماسك، ثم تبلغ ذروة النفوذ، قبل أن تتسلل إليها عوامل الضعف من الداخل، فتفقد تدريجياً قدرتها على الاستمرار. وقد اختلفت الأزمنة، وتبدلت أدوات القوة، لكن السؤال الذي بقي حاضراً هو: هل تخضع الإمبراطوريات الحديثة للقانون نفسه؟، هذا السؤال يفرض نفسه اليوم كلما جرى الحديث عن الولايات المتحدة، القوة التي تصدرت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، وبدا لسنوات طويلة أنها تمثل النموذج الذي لا ينافسه أحد، غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات دفعت كثيراً من المفكرين ومراكز الدراسات إلى إعادة طرح سؤال ظل مؤجلاً لعقود: هل تعيش أمريكا بداية مرحلة التراجع؟

ليس المقصود هنا الحديث عن انهيار وشيك، فالتاريخ لا يعرف السقوط المفاجئ للقوى الكبرى إلا في حالات استثنائية، وإنما عن مسار طويل تتراكم فيه عوامل الوهن حتى تصبح القوة أقل قدرة على فرض إرادتها، وأكثر انشغالاً بإدارة أزماتها الداخلية، وهذا تحديداً ما يجعل العودة إلى ابن خلدون ذات أهمية، لا لأنها تقدم نبوءة، بل لأنها تقدم منهجاً لفهم التحولات التي تطرأ على الدول والامبراطوريات والحضارات، كان ابن خلدون يرى أن الدولة تبدأ قوية عندما تتوافر لها حالة التماسك التي تمنحها القدرة على البناء والتوسع. ومع مرور الزمن تتحول القوة إلى رفاه، والرفاه إلى تنافس على المصالح، ثم تتراجع روح التضامن لتحل محلها الانقسامات والصراعات الداخلية، وإذا ترجمنا هذا المفهوم إلى لغة السياسة الحديثة، فإن العصبية وفقا لابن خلدون يمكن أن تُقرأ باعتبارها وحدة المجتمع وثقته بمؤسساته، وقدرته على الاتفاق حول مشروع وطني جامع.

وهنا تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار بالغ الصعوبة، فالاستقطاب السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة، والانقسام بين الحزبين لم يعد مجرد اختلاف في البرامج، بل تحول في كثير من الأحيان إلى انقسام حول طبيعة الدولة نفسها، وتراجعت ثقة الأمريكيين بمؤسساتهم السياسية والإعلامية والقضائية، بينما تصاعد الجدل حول الهوية والهجرة والعدالة الاجتماعية والعلاقات بين الولايات والسلطة الفيدرالية، اقتصادياً لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد وأكثر الأسواق ابتكاراً، لكن ذلك لا يلغي التحديات المتراكمة، فالدين العام يواصل الارتفاع، والعجز المالي أصبح سمة متكررة، فيما تتسع الفجوة بين الثروة والإنتاج الحقيقي من جهة، وبين المضاربات المالية والاقتصاد الواقعي من جهة أخرى، وهي ظواهر لا تعني الانهيار، لكنها تعكس ضغوطاً متزايدة على النموذج الأمريكي.

وفي الوقت نفسه لم يعد العالم كما كان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فالصين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت منافساً في التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والفضاء، وروسيا رغم العقوبات ما زالت لاعباً مؤثراً في المعادلات العسكرية والجيوسياسية، أما مجموعة «بريكس»، فتسعى إلى بناء مساحات جديدة من التعاون المالي والاقتصادي تقلل الاعتماد على الهيمنة الغربية التقليدية، كل ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد النظام الدولي منفرداً، ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي في ميزان القوة؛ فالإمبراطوريات لا تبدأ بالتراجع عندما تهزم عسكرياً، بل عندما تصبح تكلفة الحفاظ على نفوذها أكبر من قدرتها على تحمل هذه التكلفة، ولعل هذا هو المدخل الأكثر أهمية لفهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع أزمات متلاحقة، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن الملف الإيراني إلى الحرب في غزة، فكل أزمة جديدة تفرض أعباءً إضافية على واشنطن، وتدفعها إلى إنفاق المزيد من الموارد السياسية والعسكرية للحفاظ على توازنات أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق تبدو نظرية ابن خلدون أكثر قدرة على تفسير ما يجري مما تبدو عليه للوهلة الأولى، فهي لا تقول إن الحضارات تسقط لأنها تواجه خصوماً أقوياء فحسب، بل لأنها تفقد تدريجياً قدرتها على تجديد دمائها من الداخل، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت أمريكا ستنهار غداً، وإنما ما إذا كانت بدأت بالفعل تدخل المرحلة التي وصفها ابن خلدون بمرحلة انتقال الدولة من ذروة القوة إلى اختبار البقاء، فإذا كانت الحضارات، وفق قراءة ابن خلدون، لا تنهار بضربة خارجية واحدة، وإنما بفعل تراكم عوامل الضعف الداخلي والاستنزاف الخارجي، فإن السياسة الأمريكية خلال العقود الثلاثة الماضية تقدم نموذجاً يستحق التأمل، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت واشنطن نفسها القوة الوحيدة القادرة على قيادة النظام الدولي، غير أن هذا التفوق المطلق حمل في داخله بذور التحدي نفسه إذ تحول الشعور بالتفوق إلى قناعة بإمكانية إدارة العالم بالقوة العسكرية، وهي القناعة التي دفعت الولايات المتحدة إلى الانخراط في سلسلة طويلة من الحروب والصراعات الممتدة، من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى التوترات المتكررة في الخليج، فلم تكن الحروب مجرد عمليات عسكرية، بل تحولت إلى استنزاف اقتصادي وسياسي وإستراتيجي طويل الأمد، فقد أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، وخسرت آلاف الجنود، بينما بقيت الكثير من أهدافها بعيدة عن التحقق، ولم يكن الانسحاب من أفغانستان مجرد نهاية لحرب استمرت عشرين عاماً، بل شكل لدى كثير من المحللين رمزاً لتراجع قدرة القوة العسكرية وحدها على صناعة النظام السياسي الذي تريده واشنطن.