إيران منتشية: ألم نقُل لكم؟

بعد سقوط الشاه في شباط 1979، سعت القيادة الإيرانية الجديدة إلى تصفية إرث العلاقة مع الولايات المتحدة. وقد جاء اقتحام السفارة الأميركية في طهران، في الرابع من تشرين الثاني 1979، والذي أعقبه احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين لمدّة 444 يوماً، ليشكّل ورقة ضغط سياسية وإعلامية قوية في يدها. وهي ورقةٌ فعلت فعلها في وجه إدارة الرئيس جيمي كارتر، الذي وجد نفسه عاجزاً عن إنهاء الأزمة، خصوصاً بعد فشل عملية «مخلب النسر» لتحرير الرهائن في نيسان 1980، ومقتل 8 عسكريين أميركيين في صحراء طبس شمال شرق إيران. سريعاً، تحوّلت الأزمة إلى عبء انتخابي على كارتر، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الثقة بقدرة إدارته على التعامل مع إيران. وفيما استثمر منافسه الرئاسي رونالد ريغان هذا الوضع في حملته الانتخابية للفوز بالرئاسة، جاء إفراج طهران عن الرهائن في 20 كانون الثاني 1981، بعد دقائق من أداء ريغان اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة، ليخلّف انطباعاً بنجاحها في جعل توقيت نهاية الأزمة جزءاً من الحسابات الانتخابية الأميركية.اليوم، وبعد أربعة عقود ونصف العقد من تلك المواجهة، تعود إيران إلى التأثير في الحسابات نفسها، إنّما هذه المرّة من بوّابة حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تجاوزت نتائجها الميدان العسكري، لتطاول الاقتصاد، وأسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي والدولي. فقد أدّت الانتخابات النصفية الأميركية إلى خسارة «الجمهوريين» السيطرة على مجلسَي «الكونغرس»، في هزيمة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب، ارتبطت بعدّة عوامل كان أبرزها الاعتراض على الحرب مع إيران، وكلفتها، وتداعياتها. وكانت سعت طهران، على مرّ الأشهر الماضية، إلى رفع هذه الكلفة، ليس فقط عسكرياً، بل عبر الاقتصاد أيضاً، وذلك عبر إغلاق مضيق هرمز، وتحويل الحرب من ملف خارجي إلى قضية تمسّ الحياة اليومية للأميركيين، وتضيف أعباء سياسية واجتماعية يتحمّلها الناخب بصورة مباشرة. ومن هنا، وإذ تعتقد طهران أنها بسياستها المشار إليها نجحت في إضعاف ترامب، فهي تقدّر أن خسارة حزبه ستحدّ من قدرته على إدارة المواجهة معها. وفي أول تعليق على نتائج الانتخابات، اعتبر رئيس البرلمان الإيراني، رئيس الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف، أن الأميركيين قالوا «لا للحرب»، مؤكداً تأييده لهذه الرسالة. ونبّه إلى أنه إذا تجاهلت الحكومة الأميركية إرادة شعبها، واتّجهت إلى مهاجمة إيران مجدّداً، فإنها ستواجه تداعيات ستكون بمثابة «كابوس» للولايات المتحدة. وفي الاتجاه نفسه، رأى أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي»، أن «شعبنا هزم ترمب استراتيجياً في المعركة وفي مضيق هرمز، إلى جانب هزيمة سياسية في واشنطن».

لا تعدّ إيران نتائج الانتخابات ضمانة بعدم تجدّد الحرب عليها

مع ذلك، لا تستبعد إيران لجوء ترامب إلى التصعيد العسكري لتعويض خسارته السياسية، وإظهار أنه لا يزال قادراً على فرض شروطه، خصوصاً أن المفاوضات عبر الوسطاء لا تزال تواجه خلافات جوهرية. وعليه، لا تتعامل طهران مع نتائج الانتخابات باعتبارها ضمانة بعدم تجدّد الحرب؛ إذ كانت أعلنت قيادتها العسكرية تحديث «بنك» الأهداف، وأكدت استعدادها للردّ على أيّ هجوم، وتوافر قدرات وأسلحة جديدة لديها، وإن أظهرت قيادتها السياسية، في الوقت نفسه، الانفتاح على الخيار الدبلوماسي، بما يتيح الجمع بين الاستعداد العسكري ومحاولة تثبيت الشروط التفاوضية. وأمّا السيناريو الثاني الذي تتحسّب له إيران، فهو أن تدفع نتائج الانتخابات ترامب إلى البحث عن مخرج تفاوضي، خصوصاً أن استمرار الحرب يهدّد ما تبقى من رصيده. وفي هذه الحال، لن تجد طهران حائلاً دون التمسّك بشروطها المتمثّلة بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري والعقوبات النفطية، والإفراج عن الأموال المجمّدة، وإعادة ترتيب الوضع في مضيق هرمز. يبقى احتمال ثالث، أكثر واقعية، هو استمرار حال المواجهة المحدودة عبر ضربات متبادلة وضغوط اقتصادية وأمنية، من دون العودة إلى حرب شاملة. إلا أن هذا السيناريو قد يكون الأكثر تعقيداً، كونه يبقي أسواق الطاقة والملاحة والتجارة تحت ضغط مستمر، ويمنع استقرار الأوضاع الإقليمية، من دون أن يفرض على أيّ من الطرفَين اتخاذ قرار نهائي بإنهاء الحرب.على أيّ حال، تعتبر إيران هزيمة «الجمهوريين» انتصاراً سياسياً لها، وترى أن صمودها في وجه الولايات المتحدة أسهم في إيصال ترامب إلى هذا الدرك من الخسارة. وهي تتوقّع أيضاً تراجعاً إضافياً في رصيد داعمي الحرب على إيران، بما يشمل حلفاء ترامب في أوروبا ودول أخرى، حيث تتصاعد التساؤلات حول جدوى الرهان على قوة أميركية لم تتمكّن من إخضاع طهران، أو فرض شروطها عليها.