في قلب العاصمة الإيرانية، تحوّلت الأسواق التقليدية والنابضة بالحياة إلى مساحات صامتة يسودها الذهول والترقب، لم يعد السؤال عن سعر البضاعة في حوانيت طهران يعني بالضرورة أن صفقة بيع ستتم، فمع تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحرب الأخيرة التي ضاعفت من خنق الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً بسنوات طويلة من العقوبات والحصار، بات قطاع عريض من الإيرانيين يكتفون بالوقوف أمام واجهات المتاجر متفرجين، أو الاكتفاء بالسؤال عن الأسعار دون قدرة فعلية على الشراء.تشير الأرقام الرسمية وغير الرسمية إلى فجوة مرعبة تتسع يوماً بعد يوم، فقد لامس معدل التضخم السنوي حدود التسعين بالمئة، بينما قفزت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية إلى أكثر من ضعفي ما كانت عليه العام الماضي.وفي السوق غير الرسمي، قفز سعر صرف الدولار الواحد ليصل إلى نحو 2.7 مليون ريال إيراني، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبيل اندلاع الحرب. هذا الانهيار المتسارع في قيمة العملة انعكس بشكل كارثي على الدخول المادية؛ إذ تهاوت القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور من نحو 120 دولاراً شهرياً قبل عام لتستقر عند قرابة 65 دولاراً فقط في الوقت الحالي.بازار تجريش.. من صخب التجارة إلى معركة البقاءفي بازار تجريش التاريخي الواقع شمال طهران، تبدّلت ملامح الحياة اليومية جذرياً. الممرات التي كانت تعج صخباً بالمتسوقين والمتبادلين للسلع باتت هادئة بصورة محبطة للتجار. المتاجر التي اعتادت على مدار سنوات استقبال زبائن يقتنون احتياجاتهم بالكيلوغرامات والكميات الكبيرة، تقف اليوم عاجزة أمام زبائن يقلصون مشترياتهم إلى أدنى حد ممكن.يُلخّص ناصر (61 عاماً)، وهو بائع فواكه ومكسرات مخضرم، هذا التحول بقوله إن زبائنه الذين اعتادوا شراء ما بين كيلوغرامين إلى خمسة كيلوغرامات باتوا اليوم يكتفون بشراء كيلوغرام واحد أو حتى نصف كيلوغرام فقط.ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية بنبرة يائسة تعكس حجم الضغط: «الأسعار أصبحت مرتفعة للغاية، ولا سبيل أمامنا سوى مطالبة السلطات بتحقيق استقرار حقيقي في سعر صرف العملة، لنتمكن من التخطيط ولو قليلاً للمستقبل.. نحن تائهون، جميعنا كذلك».ولا يختلف حال قطاع تجارة التجزئة للملابس والسلع الأخرى، فعلي نوروزي (36 عاماً)، صاحب متجر للملابس الرياضية في البازار، يصف الوضع الحالي للوكالة نفسها أيضاً بأنه «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء».ويشير إلى أن العديد من المصنّعين أعلنوا إفلاسهم بالفعل واستغنوا عن عمالهم، بينما أغلقت متاجر كثيرة أبوابها نهائياً تحت وطأة الإيجارات المرتفعة، وفواتير الخدمات الباهظة، والركود المطبق، مؤكداً أن مستودعات التجار أصبحت شبه خالية لعدم وجود جدوى اقتصادية من جلب بضائع جديدة لا يمتلك المواطن ثمنها.حين تصبح أبسط مقومات الحياة ترفاًخلف الأرقام والنسب المئوية، تختبئ قصص بشرية مؤلمة لآلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بين فكيّ مجاعة معيشية محتملة وغلاء فاحش.تروي آزاده (45 عاماً)، وهي امرأة عاطلة عن العمل، قصتها اليومية مع السوق قائلة إنها باتت تقصده لمجرد المشاهدة وتزجية الوقت.وتضرب مثالاً صارخاً على فداحة الغلاء بارتفاع سعر قطعة قماش مطبخ بسيطة كانت تشتريها قبل أشهر قليلة مقابل 22 سنتاً لتصل إلى 1.10 دولارـــ أي خمسة أضعاف قيمتها السابقة.ومع تراكم الأعباء، اضطرت آزاده للاستغناء كلياً عن أنواع الفاكهة المختلفة وباتت عاجزة تماماً عن التفكير في أبسط حقوقها الإنسانية كقضاء العطلات أو الترويح عن النفس.وفي قطاع الخدمات، يروي ميكانيكي السيارات مجتبى رضائي (57 عاماً) مأساته اليومية بالقول إن عدد زبائنه تراجع بنسبة هائلة ليصل إلى عُشر ما كان عليه سابقاً، مع قفزات جنونية في أسعار قطع الغيار والصيانة بواقع ضعفين أو ثلاثة أضعاف.ويوضح بمرارة: «أشعر بالحرج حقاً عندما أضطر لإبلاغ الزبائن بالأسعار الباهظة؛ فالناس يأتون لمجرد الاستفسار ثم يغادرون ورؤوسهم مطأطأة».وتتجاوز الأزمة حدود الغذاء والدواء لتقتطع من جذور الحياة الاجتماعية للإيرانيين؛ حيث غدت أنشطة أساسية مثل شراء الملابس الجديدة، أو الخروج للترفيه، أو تناول وجبة عائلية في مطعم، أموراً خارجة تماماً عن نطاق القدرة المالية.وتختصر آزاده هذا الشعور المأساوي بتساؤل عميق: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطًا فقط بأننا على قيد الحياة بيولوجياً، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟»الموقف الرسميفي مواجهة هذه التقارير القاتمة وحالة الاستياء الشعبي الواسعة، تتبنى الحكومة الإيرانية موقفاً مغايراً، حيث رفض وزير الاقتصاد مراراً التوقعات والتحليلات التي تتحدث عن قرب حدوث انهيار اقتصادي شامل وشيك في البلاد.واتهم الوزير أطرافاً خارجية وخصوماً سياسيين بالسعي المتعمد لتأجيج المخاوف النفسية والنقدية، ودفع أسعار الصرف نحو مزيد من الارتفاع المفتعل.غير أن هذه التصريحات الرسمية تصطدم بالواقع المعيشي اليومي على الأرض، حيث يرى الخبراء والمراقبون أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في ضبط أسعار الصرف، بل في استعادة ثقة الشارع والأسواق، وإيقاف نزيف الإفلاسات المتسارع الذي يهدد بإغلاق ما تبقى من شرايين التجارة والنشاط الاقتصادي في العاصمة والمدن الكبرى.