إمبراطورية الخوارزميات: كيف يُعاد رسم خريطة القوة العالمية؟ – جانبي فروقة

في 30 نوفمبر 2022 أطلقت OpenAI منتجاً تجريبياً لم يتوقع كثيرون أن يغيّر العالم وبعد أقل من 60 يوماً فقط كان أكثر من 100 مليون شخص قد استخدموا ChatGPT في أسرع موجة تبنٍّ لتقنية استهلاكية شهدها التاريخ الحديث ويكفينا أن نعرف أن تيك توك TikTok احتاج نحو 9 أشهر للوصول إلى 100 مليون مستخدم وأما انستغرام Instagram احتاج إلى أكثر من سنتين للوصول إلى الرقم نفسه، إن العالم بأسره اكتشف اليوم أن القوة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش أو احتياطيات نفط أو أساطيل بحرية بل بما تملكه من خوارزميات وقدرات حوسبة وبيانات ويبدو أن العالم أمام فصل جديد من التاريخ يمكن تسميته بحقبة «إمبراطورية الخوارزميات» فعلى امتداد القرن العشرين ارتبط مفهوم القوة العظمى بالسيطرة على الأرض والبحر والجو أما في القرن الحادي والعشرين فقد ظهر مجال رابع لا يقل أهمية عن تلك المجالات جميعاً وهو المجال الرقمي واليوم لم يعد السؤال هو كم دبابة تملك الدولة؟ بل أصبح كم مركز بيانات تملك؟ وما حجم قدرتها الحاسوبية؟ وهل تستطيع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة بشكل مستقل؟ وهذه الأسئلة لم تعد نظرية أو أكاديمية وقد فرضت الولايات المتحدة مؤخرا قيوداً على تصدير بعض التقنيات والقدرات المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة إلى عدد من الجهات والدول بحجة الأمن القومي وبغض النظر عن المبررات السياسية أو الأمنية فقد حملت هذه الخطوات رسالة واضحة للعالم وهي أن التكنولوجيا الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تصبح أداة نفوذ جيوسياسي تماماً كما كان النفط في القرن العشرين وهنا تحديداً تبدأ ملامح الإمبراطورية الجديدة والأخطر في هذه التقنية أنها لا تشبه الموارد الطبيعية كالنفط فالنفط يمكن استخراجه وشراؤه وتخزينه ونقله ليُستهلك لاحقاً أما الذكاء الاصطناعي فهو كيان رقمي يتطور ويتعلم كل يوم وبالتالي مَن يملك «الإصدار الخامس» بينما أنت لا تزال عالقاً في «الإصدار الثالث» يستطيع أن يرى فرصاً اقتصادية وثغرات أمنية ومخاطر مستقبلية لا يمكنك حتى تخيلها هذا الفارق الذي قد يبدو صغيراً على الورق سيصبح في ميادين الأمن السيبراني أو الصناعة العسكرية فارقاً هائلاً يفصل بين البقاء والتبعية المطلقة.

إن الذكاء الاصطناعي الذي نتحدث عنه اليوم ليس مجرد أدوات لكتابة النصوص أو إنشاء الصور أو تلخيص الاجتماعات المعركة الحقيقية تدور حول ما يُعرف بـ»الذكاء الاصطناعي الحدودي (Frontier AI) أي النماذج الأكثر تقدماً القادرة على البرمجة المعقدة وتحليل البيانات الضخمة وتسريع اكتشاف الأدوية وتحسين الأنظمة العسكرية وإدارة البنى التحتية الحيوية. وقد وصف الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA إنفيديا جنسن هوانغ هذه المرحلة بقوله: