إلياس السخيـري.. تونسي محارب هادئ في «نسور قرطاج»
في تونس، لا تحتاج الجماهير إلى اللاعب الأكثر استعراضًا كي تمنحه حبها، فهي تعرف جيدًا قيمة أولئك الذين يركضون بصمت، ويقاتلون دون ضجيج، ويحملون الفريق فوق أكتافهم من دون أن يطلبوا الضوء، ولهذا، بدا إلياس السخيري مع السنوات أقرب إلى صورة اللاعب الذي يشبه تونس نفسها؛ هادئًا في ملامحه، صلبًا في شخصيته، وعنيدًا حين تبدأ المباريات الصعبة. ولد السخيري في فرنسا لعائلة تونسية مهاجرة، وكبر بين ثقافتين، قبل أن يختار لاحقًا تمثيل تونس، البلد الذي ظل حاضرًا في البيت والذاكرة والهوية، لم يكن من اللاعبين الذين خُلقوا للضجة الإعلامية أو المهارات الاستعراضية، بل لاعبًا صنع نفسه بالتدرج والانضباط، حتى أصبح واحدًا من أكثر لاعبي الوسط ثباتًا في الكرة التونسية الحديثة. بدأ رحلته في مونبلييه الفرنسي، وهناك تعلّم كرة القدم كما تُلعب في أوروبا؛ تنظيم، وركض، والتزام تكتيكي، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا ويواصل تطوره مع كولن، ثم آينتراخت فرانكفورت، حتى صار لاعبًا يعرف المدربون قيمته أكثر مما تصنعه العناوين، فهو من النوع الذي لا يلفت الانتباه بلقطة واحدة، لكنه يفرض نفسه على المباراة كلها؛ يقطع الكرات، يضغط، يربط الخطوط، ويمنح الفريق توازنه النفسي قبل التكتيكي. ومع المنتخب التونسي، اكتسبت قصته معنى مختلفًا. فتونس التي اعتادت أن تدخل البطولات الكبرى بشخصية المقاتل، كانت تحتاج دائمًا إلى لاعب وسط يمنحها الاستقرار وسط الفوضى، ووجدت ذلك في السخيري، لم يكن قائدًا بالصوت العالي، بل بالحضور، وبالقدرة على جعل زملائه يركضون بثقة أكبر حين يكون في الملعب. شارك السخيري في أكثر من نسخة لكأس العالم وكأس أمم أفريقيا، وكان حاضرًا في لحظات صعبة وأخرى تاريخية، أبرزها انتصار تونس على فرنسا في مونديال 2022، وهي المباراة التي منحت الجماهير التونسية واحدة من أكثر لحظاتها فخرًا في البطولة، حتى وإن لم تكفِ للعبور إلى الدور التالي، يومها، بدا المنتخب وكأنه يلعب بروح بلد كامل يريد أن يقول إنه قادر على الوقوف أمام الكبار دون خوف، وكان السخيري أحد أهم وجوه تلك الروح. ما يميز السخيري أنه لا يلعب بعقلية النجم، بل بعقلية الجندي، يعرف أن المباريات الكبرى لا تُربح دائمًا بالمهارات، بل بالصبر والالتزام والقدرة على الاحتمال، ولذلك، ظل لاعبًا لا يتعب من الركض، ولا يختفي حين تصبح المباراة ثقيلة، بل يظهر أكثر كلما زادت الحاجة إلى لاعب يتحمل الفوضى. وفي تونس، حيث ترتبط كرة القدم دائمًا بفكرة الكرامة والقتال والهوية، أصبح السخيري واحدًا من اللاعبين الذين يشعر الجمهور أنهم يشبهونهم، لا يبيع الوهم، ولا يصنع صورة متكلفة، بل يلعب كما لو أن كل مباراة مسؤولية شخصية تجاه القميص الذي يرتديه. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تدخل تونس مرحلة جديدة تبحث فيها عن تجاوز صورة المنتخب الذي يكتفي بالمشاركة المشرفة، إلى منتخب قادر على صناعة لحظة تبقى طويلًا في الذاكرة، وفي قلب هذا الحلم يقف إلياس السخيري، لاعبًا لا يملك ضجيج النجوم الكبار، لكنه يملك شيئًا أكثر ندرة أحيانًا؛ الثبات. ولهذا، فإن قصة إلياس السخيري ليست حكاية لاعب وسط أوروبي من أصول تونسية فقط، بل حكاية محارب هادئ حمل بلاده داخل الملعب كما تحمل الجيوش أعلامها؛ بثبات، وصبر، وإيمان بأن المعارك الطويلة تُكسبها القلوب التي لا تتعب.