إلى الشرق.. إلى الداخل (3) حين وصلت «بـالـي» قابلت نفسي! – د. ناهد باشطح

تسأل «ريبيكا سولنيت» في كتابها «دليل ميداني للضياع»، «كيف ستبحث عن شيء تجهل تمامًا ماهيته؟ وما الذي يمكن أن نكتشفه عندما نخرج من خرائطنا المعتادة؟»

نحن النساء اللواتي ارتبطنا بأدوار اجتماعية عدة نرتبك إذا ما تركناها، ربما لهذا نسافر، ليس دائمًا لكي نجد ما نبحث عنه، بل لكي نضع أنفسنا، ولو قليلا، خارج حدود ما نعرفه.

منذ أن صاغ «شارل بيرو» في القرن السابع عشر «ذات الرداء الأحمر» Little Red Riding Hood.أحد اشهر النسخ الأدبية من الحكاية الشعبية التي عرفناها عربياً باسم «ليلى والذئب» ظل الغريب في المخيلة رمزاً يستدعي الحذر.

كبرنا، وبقي شيء من ذلك الذئب يسكن مخيلتنا؛ لا سيما نحن النساء، تعلّمنا ألا نثق بسهولة، وألا نقبل مساعدة من لا نعرفه، وأن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا يريد هذا الغريب في المقابل؟

في «نوسا دوا بجزيرة بالي»، وجدت نفسي ذات يوم أمام هذا السؤال، لا في حكاية قرأتها، وإنما في طريق لم أستطع أن أكمله وحدي.

لماذا نفترض أحيانًا أن المساعدة لا بد أن يكون وراءها مقابل؟ وماذا يحدث عندما يبهجنا لطف غريب؟

قبل أن يبدأ معسكر الثراء التدريبي بيوم، قررت أن أغادر منتجعي وأذهب إلى المنتجع الذي سيقام فيه، لألتقي بعض المتدربين الذين تعرفت إليهم عبر مجموعة «الواتس اب»، غرباء لم ألتقيهم من قبل بعيداً عن العالم الافتراضي.

بدا الأمر بسيطا في رأسي: أخرج، أمشي قليلاً، وأصل. لكن طرقات منطقة «نوسا دوا»رغم قربها من البحر وشواطئها النظيفة ومنتجعاتها الفاخرة كان لها رأي آخر. اكتشفت أن المشي فيها ليس بالسهولة التي توقعتها، ووقفت لا أعرف كيف سأكمل الطريق. لاحظ حيرتي شاب بسيط في العشرين من عمره ربما، يعمل في أمن المنتجع، سألني إلى أين أريد الذهاب، ثم عرض ببساطة أن يوصلني، وافقت، وأنا أفترض تلقائيًا أنني سأدفع له مقابل ذلك.

عندما وصلنا، أردت أن أعطيه مبلغًا مقابل مساعدته، لكنه رفض، فأصررت، فابتسم وقبل وشكرني كثيراً، وددت أن أخبره أن المبلغ لم يكن قيمة الخدمة، بل قيمة اللطف الذي شعرت به.

لم يكن المبلغ هو ما شغلني في تلك اللحظة، بل السؤال الذي تركه رفضه في داخلي: متى أصبح العطاء بلا مقابل أمراً يفاجئنا؟

ربما نحن الذين نعيش في المدن الكبيرة اعتدنا أن نفهم العلاقات من خلال الخدمة والمقابل والوقت المحسوب، ثم تأتيك في أول الطريق تجربة بسيطة تذكّرك بأن الإنسان قد يساعد إنساناً فقط لأنه يستطيع.

كنت قد جئت إلى الشرق أبحث عن تجربة مختلفة، ولم أكن أعرف أن أول دروسها سيأتيني قبل أن يبدأ المعسكر، شاب بسيط لا أعرف اسمه، رفض أن يأخذ مني شيئًا مقابل ان يوصلني الى المكان الذي أريد.

ماذا يحدث لنا عندما نبتعد عن كل ما يعرّفنا؟

كنت أتوقع أن يكون اكتشافي الأول هو بالي؛ الطبيعة، الناس، الطقوس، الاختلاف الثقافي. لكن الذي بدأ يظهر لي هو أنا بكل أفكاري التي تبرمجت عليها.

امرأة تسافر وحدها إلى الشرق للمرة الأولى للمعرفة، بعيدة عن دور الأم، والكاتبة، والدكتورة، وعن الناس الذين يعرفون تاريخها وصورتها وأفكارها

كنت أظن أنني قطعت آلاف الأميال لأرى مكاناً جديداً وأكتسب معارف أكثر، ولم أكن أعرف أن المسافة الحقيقية التي سأقطعها في «بالي» ستكون بين المرأة التي عرفتها طوال حياتي... والمرأة التي بدأت أتعرف إليها هناك.

لم يكن هذا هو الدرس الأخير لرحلة لم تمتد طويلاً، لكنها غيرت في حياتي ما لم تغيره السنين والأحداث.

تسأل «ريبيكا سولنيت» في كتابها «دليل ميداني للضياع»، «كيف ستبحث عن شيء تجهل تمامًا ماهيته؟ وما الذي يمكن أن نكتشفه عندما نخرج من خرائطنا المعتادة؟»

نحن النساء اللواتي ارتبطنا بأدوار اجتماعية عدة نرتبك إذا ما تركناها، ربما لهذا نسافر، ليس دائمًا لكي نجد ما نبحث عنه، بل لكي نضع أنفسنا، ولو قليلا، خارج حدود ما نعرفه.

منذ أن صاغ «شارل بيرو» في القرن السابع عشر «ذات الرداء الأحمر» Little Red Riding Hood.أحد اشهر النسخ الأدبية من الحكاية الشعبية التي عرفناها عربياً باسم «ليلى والذئب» ظل الغريب في المخيلة رمزاً يستدعي الحذر.

كبرنا، وبقي شيء من ذلك الذئب يسكن مخيلتنا؛ لا سيما نحن النساء، تعلّمنا ألا نثق بسهولة، وألا نقبل مساعدة من لا نعرفه، وأن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا يريد هذا الغريب في المقابل؟

في «نوسا دوا بجزيرة بالي»، وجدت نفسي ذات يوم أمام هذا السؤال، لا في حكاية قرأتها، وإنما في طريق لم أستطع أن أكمله وحدي.

لماذا نفترض أحيانًا أن المساعدة لا بد أن يكون وراءها مقابل؟ وماذا يحدث عندما يبهجنا لطف غريب؟

قبل أن يبدأ معسكر الثراء التدريبي بيوم، قررت أن أغادر منتجعي وأذهب إلى المنتجع الذي سيقام فيه، لألتقي بعض المتدربين الذين تعرفت إليهم عبر مجموعة «الواتس اب»، غرباء لم ألتقيهم من قبل بعيداً عن العالم الافتراضي.

بدا الأمر بسيطا في رأسي: أخرج، أمشي قليلاً، وأصل. لكن طرقات منطقة «نوسا دوا»رغم قربها من البحر وشواطئها النظيفة ومنتجعاتها الفاخرة كان لها رأي آخر. اكتشفت أن المشي فيها ليس بالسهولة التي توقعتها، ووقفت لا أعرف كيف سأكمل الطريق. لاحظ حيرتي شاب بسيط في العشرين من عمره ربما، يعمل في أمن المنتجع، سألني إلى أين أريد الذهاب، ثم عرض ببساطة أن يوصلني، وافقت، وأنا أفترض تلقائيًا أنني سأدفع له مقابل ذلك.

عندما وصلنا، أردت أن أعطيه مبلغًا مقابل مساعدته، لكنه رفض، فأصررت، فابتسم وقبل وشكرني كثيراً، وددت أن أخبره أن المبلغ لم يكن قيمة الخدمة، بل قيمة اللطف الذي شعرت به.

لم يكن المبلغ هو ما شغلني في تلك اللحظة، بل السؤال الذي تركه رفضه في داخلي: متى أصبح العطاء بلا مقابل أمراً يفاجئنا؟

ربما نحن الذين نعيش في المدن الكبيرة اعتدنا أن نفهم العلاقات من خلال الخدمة والمقابل والوقت المحسوب، ثم تأتيك في أول الطريق تجربة بسيطة تذكّرك بأن الإنسان قد يساعد إنساناً فقط لأنه يستطيع.

كنت قد جئت إلى الشرق أبحث عن تجربة مختلفة، ولم أكن أعرف أن أول دروسها سيأتيني قبل أن يبدأ المعسكر، شاب بسيط لا أعرف اسمه، رفض أن يأخذ مني شيئًا مقابل ان يوصلني الى المكان الذي أريد.

ماذا يحدث لنا عندما نبتعد عن كل ما يعرّفنا؟

كنت أتوقع أن يكون اكتشافي الأول هو بالي؛ الطبيعة، الناس، الطقوس، الاختلاف الثقافي. لكن الذي بدأ يظهر لي هو أنا بكل أفكاري التي تبرمجت عليها.

امرأة تسافر وحدها إلى الشرق للمرة الأولى للمعرفة، بعيدة عن دور الأم، والكاتبة، والدكتورة، وعن الناس الذين يعرفون تاريخها وصورتها وأفكارها

كنت أظن أنني قطعت آلاف الأميال لأرى مكاناً جديداً وأكتسب معارف أكثر، ولم أكن أعرف أن المسافة الحقيقية التي سأقطعها في «بالي» ستكون بين المرأة التي عرفتها طوال حياتي... والمرأة التي بدأت أتعرف إليها هناك.

لم يكن هذا هو الدرس الأخير لرحلة لم تمتد طويلاً، لكنها غيرت في حياتي ما لم تغيره السنين والأحداث.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.