إلغاء «شرائح الكودي» يضع الحكومة بين كفاءة التحصيل وتساؤلات العدالة الاجتماعية

في مشهد يعكس تعقيدات ملف تسعير الطاقة داخل أروقة الحكومة، فجّرت قرارات متلاحقة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك حالة من الجدل الواسع، بعد إلغاء نظام الشرائح في العدادات الكودية والاتجاه إلى تطبيق «السعر الموحد» على الاستهلاك.

إنها خطوة تحمل أبعادًا مالية وتنظيمية واضحة، لكنها في الوقت ذاته تفتح أبوابًا واسعةً للتساؤلات حول كفاءة التطبيق وحدود العدالة الاجتماعية.

البداية جاءت مع اعتماد تعريفة موحدة للاستهلاك داخل منظومة العدادات الكودية، لتصل- وفق التعديلات الأخيرة- إلى نحو 2.74 جنيه للكيلووات/ ساعة، بعد أن كان الاستهلاك يُحسب بنظام الشرائح المتدرجة التي تمنح أسعارًا أقل للاستهلاك المحدود.

وتؤكد مصادر بقطاع الكهرباء أن هذا التوجه يأتي ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة الدعم والوصول تدريجيًا إلى التكلفة الفعلية للإنتاج، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل مع السعي لتبسيط منظومة المحاسبة وتقليل الفاقد التجاري، لكن هذه الصورة «النظرية» اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا داخل شركات التوزيع.

ووفق مصادر بالشركة القابضة لكهرباء مصر، شهدت قطاعات الشئون التجارية ونظم المعلومات والعدادات حالة من الارتباك فور صدور قرارات تنظيمية سابقة حددت سعرًا موحدًا بنحو 2.14 جنيه للكيلووات/ ساعة، وهو ما خلق حالة من التضارب مع الأسعار المتداولة لاحقًا، وأثار تساؤلات حول آليات التطبيق وحدوده.

وبحسب ما أعلنه جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، فإن القرار رقم 142 لسنة 2024 نصّ على إلغاء نظام الشرائح للعدادات الكودية المخصصة للعقارات والوحدات المخالفة، على أن تتم المحاسبة بسعر ثابت من أول كيلووات، وحتى نهاية الاستهلاك، باعتباره «سعر التكلفة»، مع احتساب تكلفة التوصيل والعداد بشكل منفصل وفق التكلفة الفعلية.

القرار جري تعميمه على شركات التوزيع التسع مع توجيهات ببدء التطبيق الفوري، إلا أن التعليمات- بحسب مصادر تنفيذية- لم تحسم العديد من التفاصيل الفنية، ما أدى إلى حالة من التشتت داخل القطاعات المعنية.

هذا الارتباك لم يظل حبيس المكاتب، بل انعكس مباشرة على المشتركين، خاصة في ظل غياب توضيحات كافية بشأن نطاق تطبيق التعريفة الجديدة، وما إذا كانت تشمل كافة الاستخدامات، بما في ذلك الأنشطة التجارية كثيفة الاستهلاك داخل الوحدات المخالفة، مثل الورش والمحلات.

كما برزت تساؤلات حول الفارق بين «سعر التكلفة» المعلن للعدادات الكودية، وأسعار الشرائح العليا في النظام التقليدي، التي تتجاوز- وفق ما هو متداول- هذا السعر في بعض الحالات، وهو ما ألقى بظلال من الغموض على فلسفة التسعير.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة عن توجه الوزارة للتوسع في تركيب العدادات الكودية بشكل إلزامي للمخالفين وسارقي التيار، دون انتظار تقديم طلب من المواطن، في إطار خطة تستهدف تقنين الأوضاع مؤقتًا وضمان تحصيل مستحقات الدولة.

ووفق هذه التوجهات، سيتم تركيب العدادات حتى في حالات البناء المخالف، أو المقام على أراضٍ زراعية أو أملاك دولة، لحين حسم أوضاعها سواء بالتصالح أو الإزالة.

ورغم الأهداف المعلنة لضبط المنظومة وتقليل الفاقد، يرى خبراء أن إلغاء نظام الشرائح يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، إذ يتم تحميل محدودي الاستهلاك نفس تكلفة كبار المستهلكين، دون مراعاة الفروق في القدرة المالية، أو أنماط الاستخدام.

ويحذر هؤلاء من أن الاستمرار في هذا النهج دون مظلة حماية موازية قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المشتركين، ومقدم الخدمة.

وعلى المستوى القانوني، يثير تطبيق السعر الموحد على عدادات قائمة منذ سنوات تساؤلات حول استقرار المراكز القانونية، خاصة أن العداد الكودي طُرح في الأساس كحل مؤقت، وليس كنظام دائم بتكلفة مرتفعة، ما يستدعي- وفق تقديرات مختصين- مراجعة آليات التطبيق أو إدخال فترات انتقالية أكثر مرونة.

أما على مستوى الشارع، فقد بدت ردود الفعل أكثر وضوحًا وحدّة، عينة من مستخدمي العدادات الكودية أكدت أن القيمة شهدت زيادات ملحوظة رغم ثبات الاستهلاك، فيما عبّر آخرون عن استيائهم من اختفاء ميزة «الاستهلاك المحدود»، معتبرين أن النظام الجديد لا يشجع على الترشيد بقدر ما يفرض تكلفة ثابتة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت الدعوات لإلغاء «الشريحة الموحدة»، مدعومة بمقارنات رقمية بين القيمة قبل، وبعد القرار.

ومع اتساع دائرة الجدل، تتجه الأنظار إلى احتمالات تحرك برلماني لمساءلة الحكومة حول معايير التسعير الجديدة ومدى توافقها مع مبادئ العدالة الاجتماعية.

ويرى مراقبون أن الضغط المتزايد، سواء عبر الإعلام أو السوشيال ميديا، قد يدفع إلى إعادة النظر في القرار، أو على الأقل إدخال تعديلات تحقق قدرًا من التوازن، مثل استحداث شرائح مخففة داخل النظام الكودي المنزلى، أو تسريع إجراءات التحول إلى العدادات القانونية.

وبين سعي الحكومة والوزارة لإحكام السيطرة على الاستهلاك غير الرسمي وضمان تحصيل مستحقاتها، ومخاوف المواطنين من فاتورة لا تعكس قدراتهم.. يبرز التساؤل: هل تمضي وزارة الكهرباء في تطبيق السعر الموحد للكودى حتى نهايته؟، أم تعيد ضبط المعادلة استجابةً لصوت المشتركين؟

اقرأ أيضاًعاجل| «الكهرباء» تنفي مجددا تخفيف الأحمال في صيف 2026

عاجل| الكهرباء تكشف نتائج ترشيد الاستهلاك: وفرنا 18 ألف ميجاوات في أسبوع