إعلام الحكومة اليمنية وجيشها.. كيف تفوق على دعاية المليشيا المزيفة؟ – د. يحيى جابر

تفوق إعلام الحكومة اليمنية وجيشها في الآونة الأخيرة بشكل لافت على إعلام الميلشيا الحوثية المضلل، والمزيف، ولفت انتباه المتابع اليمني والعربي قوة معظم الإعلام التابع للشرعية في رصد الحقيقة ونقلها عبر وسائل متعددة للعالم، بطريقة مهنية وفعالة وخالية من المبالغة والتزوير والتضليل، وبشكل منظم ومحترف، مما يدل على أن الحكومة اليمنية أستفادت كثيرًا من الأخطاء السابقة ووحدت صفوفها وأعادت ترتيب نفسها ووسائل إعلامها التي كانت تعاني كثيرا من العيوب المهنية والتناقض والصراع الداخلي بسبب الأحزاب وغيرها من قضايا ليست جوهرية، إضافة لطريقة تناول الأخبار والمعلومات بطريقة معظمها غير معني وإنشائي، والآن أصبح الإعلام الشرعي وإعلام الجيش بالذات قوة ضاربة ويقدم معلومات وتغطية ذات مصداقية عالية لفت الانتباه لما يقوم به الجيش اليمني، وشاهد العرب بكل شفافية كيف تقوم المسيرات الخاصة بالجيش بكافة تشكيلاته كدرع الوطن والعمالقة وغيرها من مناطق عسكرية باصطياد قادة المليشيا وجنودهم بكل سهولة ومن زوايا مختلفة وبكل وضوح ودون تزييف، وبكل مصداقية، ودون مبالغة، الأمر الذي جعل الإعلام العسكري بالذات ومعظم المنصات التابعة للشرعية والجيش تنال متابعة واسعة بما فيها حاضنة المليشيا والشعب المغلوب على أمره في المناطق المحتلة من المليشيا، وهو تغير نوعي لافت ومهم.

الفارق الأهم بين الدعاية والإعلام القادر على المنافسة هو طريقة التعامل مع الدليل، فالدعاية تبدأ غالبًا من النتيجة التي تريد من الجمهور تصديقها، ثم تختار الكلمات والصور التي تخدم هذه النتيجة، بينما يبدأ العمل الصحفي من السؤال، ماذا حدث فعلًا؟ وما المصادر التي تثبت ذلك؟ وما المعلومات التي لا تزال غير مؤكدة؟، وهنا استطاع معظم الإعلام الحكومي والشرعي والعسكري اليمني أن يجد مساحة لتصدير روايته، عندما قدم معلومات ميدانية وصورًا وبيانات مرتبطة بالعمليات العسكرية، دون مبالغة وبكل مصداقية، ودون ضجيج إنشائي، لأن الميدان في النهاية هو الاختبار الأصعب لأي رواية، فإذا أعلنت جهة عن انتصار كبير، فإن الصور والخرائط وحركة القوات والنتائج الميدانية تصبح عناصر يمكن مقارنتها، وإذا ادعت تحقيق خسائر ضخمة في صفوف خصمها، يصبح من الممكن البحث عن أدلة مستقلة تؤكد الادعاء أو تضعفه، أما الوثيقة والصورة والتاريخ والموقع فتمنح الجمهور فرصة للحكم بنفسه، وهنا يتحول الإعلام من طرف في معركة كلامية إلى أداة تحقق، يضاف لذلك ما خزنه المتلقي عن الوسيلة الناقلة، من جودة وسمعة وموثوقية ومصداقية، وهي مميزات كبيرة تحظى بها الوسيلة مع مرور الوقت.

لعبت الصورة دورًا مهمًا في الحرب الإعلامية اليمنية، لأن الجمهور يتفاعل مع الصورة بسرعة أكبر من النص، لكن قيمة الصورة لا تأتي من وجودها وحده، وإنما من إمكانية التحقق منها، فالصورة التي لا يعرف تاريخها أو مكانها أو مصدرها قد تتحول إلى أداة تضليل، بينما الصورة الأصلية المرتبطة بموقع وتاريخ ومعلومات قابلة للفحص تستطيع أن تكون دليلًا، وهذه النقطة تزداد أهمية في البيئة الرقمية الحالية، حيث يمكن إعادة استخدام صورة قديمة في حدث جديد، أو اقتطاع جزء من مقطع طويل، أو تغيير عنوان مادة مرئية، بل أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع مصطنعة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ولذلك فإن الإعلام العسكري الذي يريد منافسة الدعاية لا يكفيه امتلاك الصور، وإنما يحتاج إلى منظومة تحقق قبل النشر وبعده، وأهمية بالغة للصورة الأصلية، وتظهر الأبحاث الحديثة أن دراسة الدعاية نفسها أصبحت تعتمد على أدوات تحليلية متقدمة، وقدمت دراسة بحثية منشورة في أغسطس 2026 موردًا ثنائي اللغة لتحليل 23 تقنية دعائية في النصوص العربية والإنجليزية، وهو تطور يعكس انتقال التعامل مع البروباغندا من الانطباعات العامة إلى التصنيف والتحليل المنهجي، «المصدر - دراسة بروبل، كشف الدعاية باستخدام التقنيات والمقاطع والتفسيرات، 2026».

يمكن للخطاب الدعائي أن يصنع صورة مضللة عن القدرات العسكرية، لكن الميدان يظل قادرًا على اختبار هذه الصورة، وقد رصد مركز التميز للاتصالات الإستراتيجية في حلف شمال الأطلسي في دراسة عن الحرب المعلوماتية في اليمن تركيز الإعلام المرتبط بالحوثيين على إظهار القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والعمليات العسكرية، واستخدام هذه المواد لبناء صورة الحركة باعتبارها قوة عسكرية قادرة على إحداث تأثيرات كبيرة، «المصدر - مركز التميز للاتصالات الإستراتيجية في حلف شمال الأطلسي، الحرب بالوكالة الإيرانية في اليمن، مشهد حرب المعلومات، 2020»، وفي هذه النقطة تحديدًا يمتلك الإعلام العسكري للحكومة اليمنية والجيش اليمني، لأن الإعلان عن القوة شيء، وإثبات نتائجها شيء آخر، وكلما أصبحت النتائج قابلة للرصد والمقارنة تراجعت المساحة التي تستطيع الدعاية أن تتحرك فيها، ولذلك فإن عرض الوقائع الميدانية دون مبالغة قد يكون أكثر تأثيرًا من إنتاج خطاب مليء بكلمات مثل «الساحق» و»التاريخي» و»غير المسبوق»، والخطب الرنانة الإنشائية والدينية في الإعلام، لأن الإفراط في هذه الأوصاف والمسارات، يستهلك قيمتها ويجعل الجمهور يتعامل معها باعتبارها جزءًا من اللغة الدعائية.

المصداقية هي السلاح الذي لا يمكن شراؤه بالمال أو فرضه بالقوة، وإنما تُبنى بالتراكم، وكل معلومة صحيحة تضيف إليها، وكل خطأ غير مصحح يخصم منها، وكل مبالغة تضعفها، ولذلك فإن الإعلام الذي يريد التفوق على الدعاية الحوثية لا يستطيع أن يطالب الجمهور بالثقة فيه لمجرد أنه يمثل الدولة أو الجيش، وإنما عليه أن يقدم أسبابًا عملية لهذه الثقة، وهنا تظهر قاعدة صحفية شديدة البساطة، إذا كانت المعلومة غير مؤكدة، يجب وصفها بأنها غير مؤكدة، وإذا كان الرقم أوليًا، يجب الإشارة إلى ذلك، وإذا تغيرت المعلومات، يجب تحديث الخبر، وإذا ثبت الخطأ، يجب الاعتراف به وتصحيحه، لأن الجمهور قد يقبل أن تتغير المعلومات في الحرب بسبب صعوبة الوصول إلى الميدان، لكنه يصعب عليه قبول أن يتمسك المصدر بمعلومة ثبت خطؤها، وهذا هو أحد المجالات التي يمكن فيها للإعلام الرسمي والعسكري أن يتفوق بوضوح، لأن منافسة الدعاية لا تعني إنتاج دعاية مقابلة، وإنما بناء فارق مهني بينها وبين الإعلام الحكومي والمؤيد للشرعية، وكلما اتسع هذا الفارق أصبح من السهل على الجمهور التمييز بين المعلومة والرسالة التعبوية.