في عمق الفهم الاجتماعي نجد اختلافًا بين علم الاجتماع (السوسيولوجيا) وبين المقاربات الفينومينولوجية للظواهر الاجتماعية، برغم أنهما قد يبدوان كمنهجين متقاربين في بعض جوانبهما؛ فالأول يركز على الهياكل الكبرى، والمؤسسات، والقوانين، والأنماط والإحصاءات، بينما تركز الفينومينولوجيا على تجارب الأفراد اليومية، والمعاني الذاتية، والتفاعلات المباشرة، بمعنى أن الأول ينظر إلى الكيفية التي يحدد بها المجتمع سلوك الأفراد ويشكلهم، بينما تنظر المقاربات الفينومينولوجية إلى الكيفية التي يبني بها الأفراد المجتمع ويخلقون معانيه باستمرار، وبهذا المدخل تتناثر أسئلة كثيرة، تزداد كلما تعمقنا في الفهم أكثر.
في ترجمة الأستاذ أبو بكر أحمد باقادر عن براين تيرنر في دراسته النقدية لفكر ماكس فيبر، استعدت ملاحظة قديمة ظهرت لي خلال قراءاتي وبحثي في كتب مفكرين وفلاسفة غربيين، وأذكر أنني سبق أن ذكرتها في مقال مضى عليه سنوات، لكن المستجد الذي جدد هذه الملاحظة هو ما أورده الأستاذ باقادر حول غياب دراسة وبحث الظاهر الاجتماعي عن الأمة العربية والإسلامية حقبًا من السنين وحتى اليوم، الأمر الذي جعل كثيرًا من المفكرين والفلاسفة الغربيين لا يصلون في بعض فلسفاتهم وبحوثهم إلى الفهم الأقرب للواقع العربي والإسلامي.
تبدو ترجمة باقادر لكتاب «علم الاجتماع والإسلام» بمثابة جرس في الذهن والفكر العربي والإسلامي، علّه يأخذنا في المسار إلى اتجاه أكثر صوابًا في قراءة مجتمعنا وفهم ظواهره، أقول ذلك لأن الحداثة والتنوير، أو ما غلب عليهما من نزعة تغريبية، سادا الثقافة العربية بصورة خاصة منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأصبح من يمثل امتدادًا لهما اليوم جزءًا من المشهد الذي يسمى «النخب الثقافية» وإذا كانت الانطلاقة الحديثة قد ارتبطت بمراكز ثقافية وفكرية عربية كالقاهرة ودمشق وبغداد وبيروت، فإن ما يعنيني في هذه اللحظة هو الفكر والثقافة السعودية. وهي حديثة النشأة إذا ما قيست بالمراحل الطويلة من التاريخ التي عرفت فيها مدن عربية أخرى حضورًا ثقافيًا وفكريًا ممتدًا، لكنها اليوم، وبالظاهر المادي، صارت تملك علوًا في الصوت والحضور، وسيكون هذا الحضور أكثر اتساعًا وأعلى صوتًا لو أتيح له مجال أوسع للتفكير الحر والإنتاج الفكري.
لا بد أن نتوقف عند سؤال أرى أنه مهم ويتصل بجوهر هذه السطور: إذا كان غياب الدراسة العميقة للظاهرة الاجتماعية العربية قد أسهم في قصور بعض القراءات عن فهمها، فما الذي حال دون أن يتولى الفكر العربي نفسه هذه المهمة؟ وهل يمكن فهم هذا الغياب بعيدًا عن الظروف التي تشكل فيها الفكر والثقافة العربية الحديثة؟
والبديهي في الأمر أن الإجابة لا يمكن أن تنفصل عن واقع العلاقة بين السياسة والثقافة؛ إذ إن الفكر لا ينشأ في فراغ، والثقافة لا تتحرك بمعزل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي تحتضنها، فكل نظام عربي حاكم قد يعلن، بدرجات متفاوتة، إتاحة حرية التفكير، لكن المسألة لا تقاس بالإعلان وحده، وإنما بالمضمون الحقيقي لهذه الحرية، وبالمساحة التي يستطيع العقل أن يتحرك فيها، وأن يسأل ويبحث ويختلف وينتج.
لا يمكن القول إن الفكر العربي أو الثقافة العربية قاصرة بطبيعتها عن قراءة ودراسة فلسفة النظام الاجتماعي وظواهره، وإنما ينبغي البحث في الظروف التي جعلت هذه المهمة محدودة أو متقطعة أو محكومة في بعض مراحلها بقيود سياسية واجتماعية، وحينها تصبح سلامة الفكر مرتبطة بحدود المسموح، وهنا يبدأ العقل في البحث عن الوصول الآمن قبل البحث عن الحقيقة، ويتحول السؤال من: ماذا نريد أن نفهم؟ إلى: ما الذي يمكننا أن نقوله؟
ولعل هذا من بعض أهم أسباب الغياب الحقيقي، إذ لا يعود غيابًا في المعرفة وحدها، بل يصبح غيابًا في القدرة على إنتاج المعرفة، وكأن حال الغياب التاريخي في الفكر والفلسفة والثقافة في الواقع العربي لا يزال مستمرًا، برغم الوصول إلى حقبة الدولة الحديثة.
أيام حضور الاستعمار في الوطن العربي، تسابقت العقول والأفكار العربية في بحث نهم عن الفلسفة والفكر الغربي، فدخلت الحداثة والتنوير، أو ما اصطلح عليه أحيانًا بالتغريب، وتمادت بعض القراءات في نقد التاريخ العربي إلى درجة الاتهام والرؤية الظلامية؛ فالنور والتنوير في مقابل الظلمة والتجهيل أصبحا ثنائية حاضرة في كثير من القراءات.
وفي تاريخ الدولة المستقلة انقسم الفهم والفكر والفلسفة والثقافة العربية، في صور متعددة، بين اتجاهات مختلفة: اتجاه اقترب من السلطة وخدم رؤيتها أو تحرك في إطارها، واتجاه مناهض للنظام الحاكم ومعادٍ له، واتجاه ثالث اختار مساحات أخرى، بين مهاجر متفاعل مع جديد واقعه، وبين مواطن صامت أو منسحب إلى مجاله الخاص، وهكذا استمر الغياب.
وطبيعي أنه لا يمكن لفكر وعقل أن يصل إلى فهم أمر دون الغوص في عمقه، وحرث أرضيته، وتعرية جذوره، وإن لم يكن هذا كافيًا وحده للوصول إلى الحقائق التي يمكن البناء عليها بأسس صحيحة في قراءة وفهم السلوك الاجتماعي وظواهره، فإنه لا طريق آخر لترقية وتطوير المفاهيم الجمعية وإعادة هندسة الفكر والعقل الاجتماعي إلا من خلال محاولات فهمه، وهذه المحاولات لا يمكن أن تنضج إلا في فضاء يحفظ للعقل مساحة التفكير، ويؤمن حق الاختلاف، حتى لما هو مختلف أو معاكس للسلطة أو للرؤية السائدة، فالعقل نعمة، والفكر وسيلة، والتفكير أمر إلهي لكل الناس، مسلمًا كان أو غير مسلم، وأي أمة لا تفكر لا تنتظر من نفسها تقدمًا أو ارتقاءً، والتفكير عملية ذهنية، خطواتها التفكر والتأمل والبحث والاستقصاء، تأكل بالقراءة وتشرب بالتجارب والمقارنة، ولا حاجة للقول إن العقل هو القوة الرئيسة والأولى في الإنسان، فهو الأداة التي بها يفهم الإنسان ذاته، ويفهم مجتمعه، ويعيد النظر في الأفكار التي ورثها أو اكتسبها.
ومن أشد ما يهدد مستقبل المجتمع العربي، في تقديري نتيجة هذا الغياب، تحول النفاق الاجتماعي في بعض البيئات من سلوك فردي إلى آلية للتكيف والخضوع والمحافظة على المكانة الاجتماعية، وحتى قد يأخذ هذا السلوك أسماء وأوصافًا جميلة وأنيقة، مثل التهذيب، وحسن الخلق، واللباقة، وحتى التواضع والسلوك النبيل، فيختلط الشكل بالجوهر، ويصبح ما هو في حقيقته تجنب للمواجهة أو خضوعًا للضغط الاجتماعي مقبولًا باعتباره سلوكًا حسنًا.
ومن هذه الجزئية تتداخل القراءة السوسيولوجية مع القراءة الفينومينولوجية، فمن منظور علم الاجتماع يمكن أن يظهر هذا السلوك بوصفه نتيجة لعلاقات الاستبداد والخضوع أو لضغوط البنية الاجتماعية، بينما تكشف القراءة الفينومينولوجية عن كيفية عيش الفرد لهذا السلوك، وكيف يتحول إلى معنى يومي مألوف، ثم إلى عادة، ثم إلى عرف اجتماعي يصعب الخروج عليه، ومن العبث أن ننتظر من الجهل نورًا، أو من التخلف تقدمًا، لكن الأخطر أن يتحول الجهل والتخلف إلى حالة اجتماعية مألوفة، لا يشعر معها الفرد بأنه يعيش خارج دائرة المعرفة والتفكير.