تعليق رئاسي وحزمة بيانات وزارية، شملت توجيهات ووعودًا مفادها أن الدولة حريصة على «التخضير» و«التشجير» ومتابعة ما وصف بـ«حالات التعدي على الأشجار» بالمخالفة للقانون، كانت هي حصيلة الرد الرسمي على تصاعد الجدل حول أزمة إزالة الأشجار وتقليص المساحات الخضراء في شوارع وميادين العاصمة وعدد من المحافظات، لصالح مشاريع التطوير العمراني الحكومية المستمرة منذ عدة سنوات. تجددت الاستغاثات والتساؤلات التي طرحها مواطنون وخبراء تحت قبة البرلمان وفي الإعلام والأبحاث المحدودة المتاحة، إذ أثارت مخاوف بشأن تداعيات مقلقة مرتبطة بقرارات وصفوها بالـ«عشوائية»، على البيئة والصحة العامة والنفسية، وقابلية العيش والتنقل في المدن، فخلال الأسابيع الماضية أزيلت العشرات من الأشجار من الجزيرة الوسطى بشارع جامعة الدول العربية الحيوي، بعدما استُبدلت المساحة الخضراء فيه بلافتات إعلانية ضخمة على الكباري التي أحاطت بتمثال نجيب محفوظ في ميدان سفينكس. برزت بقوة انتقادات لغياب الدراسات ورؤية الدولة للتعامل مع الأشجار والمساحات الخضراء والحدائق التاريخية القائمة، وكذلك للتخطيط الذي أغفل أهميتها ولم يراع علاقة السكان بمدينتهم، وهي أسئلة تكررت مع تحول قضية الأشجار من شكاوى متفرقة في أحياء متضررة من أعمال التطوير إلى قضية رأي عام مصحوبة بحملات ودعاوى قضائية تطالب بحمايتها من تلك الممارسات خلال سنوات «التطوير» الماضية. في المقابل، تعاملت القيادة السياسية مع الوقائع كل على حدة، أحيانًا بالنفي أو بالتأكيد على ضرورتها، مع التشديد على تجريم القطع في حال عدم وجود أسباب قانونية، فيما تواصل القيادة السياسية دعم مشروعات الدولة في التوسع العمراني وتطوير شبكات الطرق والبنية التحتية. فهل افتقرت الحكومة فعلًا إلى رؤية وخطط وأهداف معلنة؟ وإذا كان التعامل مع الأشجار والحدائق يبدو فوضويًا، فماذا تقول الحكومة وبياناتها والمنطق الذي يحكمها عن مصير هذا الملف؟ يستنكر المحامي البيئي، أحمد الصعيدي، المدير التنفيذي للمؤسسة المصرية للحقوق البيئية، لجوء السلطات إلى إزالة الأشجار العريقة «بجرة قلم» دون تخطيط أو دراسة كافية للتعامل مع ملف الأشجار، مثل أشجار شارع جامعة الدول العربية التي يبلغ عمر بعضها 50 أو 60 سنة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة مؤخرًا، حسبما يوضح لـ«مدى مصر». وفقا لما أُعلن في ديسمبر 2024، كان من المخطط تحويل شارع جامعة الدول العربية إلى «محور أخضر مستدام»، بمسطحات خضراء ومسارات للدراجات من ميدان سفنكس إلى شارع السودان، ليربط بين الطريق الدائري وكورنيش النيل ومحور 26 يوليو وشارعي السودان والبطل أحمد عبد العزيز، ضمن مشروع تطوير أوسع لمدينة الجيزة بهدف جذب الاستثمار. بحسب تقرير نشرته منصة التحقق «صحيح مصر»، عدّلت الهيئة الهندسية المخطط في فبراير الماضي، إذ طرح ممثلو الهيئة إزالة الأشجار كأحد الحلول في البداية، قبل أن تفاجأ المحافظة في الأسبوع الأول من أغسطس الماضي بإخطار من الهيئة الهندسية بقرار إزالة الأشجار والمساحات الخضراء. شارع جامعة الدول العربية بعد قطع الأشجار. المصدر: حساب @sherin0409 بأكس لكن الأزمة تتجاوز أشجار الشوارع لتمتد إلى الحدائق العامة، التي طالت مشروعات «التطوير» كثيرًا منها في السنوات الأخيرة، مثل الحديقة الدولية، و«الأورمان»، و«الحيوان»، و«الأسماك»، وأخيرًا «المسلة» بالزمالك، التي أعيد افتتاحها في أكتوبر الماضي، ورأت جمعية تنمية الزمالك أن عمليات التطوير بها قلّصت المساحات الخضراء وحوّلت الحديقة إلى مجمع تجاري، ما طمس هويتها التراثية. في السياق نفسه، عادت أزمة حديقة «الزهرية» إلى الواجهة، بعد إعلان الإعلامي عمرو أديب الأسبوع الماضي تلقيه تأكيدًا من مجلس الوزراء بعدم المساس بالحديقة، في وقت لا تزال تفاصيل مشروع تطويرها غائبة، رغم ما أُثير سابقًا بشأن مخطط يتجاوز نسبة البناء المسموح بها في الحدائق التراثية. تمتد حديقة «الزهرية» الواقعة بالقرب من برج القاهرة بحي الزمالك على مساحة نحو ثمانية فدادين، مقسمة إلى جزأين يفصل بينهما ممر تتوسطه شجرة تين بنغالي ضخمة يقدر عمرها بنحو 157 سنة، وتعد إحدى أشجار الحدائق النباتية التاريخية التي أنشئت في القاهرة خلال القرن التاسع عشر. أقامت المؤسسة المصرية للحقوق البيئية دعوى للمطالبة بإثبات حالتها والكشف عن الجهات المسؤولة عن «تطويرها»، والتي قضت فيها محكمة الأمور المستعجلة بعدم الاختصاص في يوليو الماضي. وأوضحت المؤسسة الشهر الماضي أن تدخلها جاء عقب توثيق دخول «معدات وكرفانات وأدوات بناء خشبية إلى حرم الحديقة في 3 يونيو 2026 تنفيذًا لمشروع تطوير تُقيمه إحدى الشركات الخاصة يتضمن إنشاء منشآت تجارية وسياحية، دون إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي أو تنظيم جلسات استماع مجتمعية». لهذا، وبينما توسعت الدولة في مشروعات الطرق والعمران في العاصمة، فقدت القاهرة أكثر من 910 آلاف متر مربع من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017-2020، ما يمثل نحو 11.6% من إجمالي المساحة الموجودة في 2017، بحسب دراسة رصدت التغيرات التي طرأت على المساحات الخضراء بين الكتل السكنية، وعلى جانبي الشوارع، وفي المشاتل التابعة للإدارة العامة، والحدائق العامة. وخلصت الدراسة إلى أن نصيب الفرد منها انخفض من 0.87 إلى 0.74 متر مربع مع زيادة عدد السكان، فيما تركزت أكبر الخسائر في مصر الجديدة وشرق مدينة نصر، بواقع 272,274 مترًا مربعًا و311,283 مترًا على الترتيب. وأشارت الدراسة إلى صعوبة الحصول على بيانات دقيقة حول المساحات الخضراء في القاهرة، نظرًا لاعتماد الباحثين على عدة مصادر لتجميع البيانات، مضيفة أن المشكلة لا تتعلق فقط بمحدودية إجمالي المساحات الخضراء، وإنما أيضًا بسوء توزيعها بين أحياء القاهرة. ففي عام 2020، كان نصيب الفرد مثلًا في المطرية 0.01 متر مربع، وعابدين 0.46 متر مربع، فيما تجاوز نصيب في المعادي والنزهة خمسة أمتار مربعة، مع ملاحظة الباحثين أنه «لطالما كان نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة أقل بكثير من المعايير الدولية الموصى بها»، والتي تحددها منظمة الصحة العالمية عند تسعة أمتار مربعة للفرد. «كل ذلك يتم رغم أنه من المفترض توافر الخبرة لدى المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، راجل بتاع تخطيط عمراني»، يقول الصعيدي. تطلب الأمر هذه المرة تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي وجّه بتبني مشروع يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، في أول رد رسمي بعد موجة الانتقادات الأخيرة. تبع هذا تحركات من مختلف مؤسسات الدولة، إذ وجّه عدد من أعضاء مجلس النواب أسئلة إلى الحكومة في البرلمان عن الضوابط والتراخيص اللازمة والتقييم الفني والبيئي ودراسة البدائل التي تسبق قرارات إزالة الأشجار المعمرة والمساحات الخضراء التي لم تقتصر على القاهرة والجيزة، وإنما امتدت إلى محافظات أخرى، وامتدت أسئلتهم إلى شاشات التليفزيون بالطبع. كما أمرت النيابة العامة بإجراء تحقيقات موسعة فى البلاغ المقدم بشأن وقائع قطع الأشجار في عدد من المناطق على مستوى الجمهورية، وكلفت الجهات الرقابية المختصة بإجراء التحريات اللازمة حول حقيقتها، وتحديد أسباب القطع وكمياته -حال ثبوت وقوعها- والتحقق من سلامة الإجراءات المتبعة. سبق هذا بأسبوعين، توجيه وزيرة التنمية المحلية والبيئة، منال عوض، خلال اجتماعها مع محافظ القاهرة، بحصر الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية وأسباب قطعها بدلًا من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة، مؤكدة «عدم التهاون مع قطع الأشجار أو التقليم الجائر لها». يعتبر الصعيدي أن هذه التوجيهات تمثل إقرارًا بوجود «مشكلة تستدعي التخضير»، ولكنه يشير إلى عدم التطرق إلى آليات للحفاظ على الأشجار القائمة وحمايتها، وهي «ضرورة ملحة»، حسب قوله، الأمر الذي يخص أيضًا المساحات الخضراء العامة، التي تغيب عنها البيانات والأطر القانونية المنظمة لها، وتخضع لقرارات جهات متعددة ومتداخلة الاختصاص لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها الدولة عن وقف قطع الأشجار. في 2024 وبعد موجة استياء وتحركات واسعة، أصدر محافظ القاهرة قرارًا حينها بمنع قطع الأشجار أو التقليم الجائر إلا بعد الرجوع إلى لجنة مختصة، وقالت وزيرة البيئة آنذاك، ياسمين فؤاد، إنه «لن يكون المنهج إننا نقطع الشجر». بشكل عام، ترتكز أحاديث الدولة في هذا الشأن عن المبادرة الرئاسية، مبادرة الـ«100 مليون شجرة» التي أطلقت في 2022، وأسفرت عن زرع 12.8 مليون شجرة في جميع المحافظات بحلول 2026، بعدما كان الرقم المعلن للأشجار المزروعة في 2024 نحو 12.4 مليون شجرة. بعد «كارثة جامعة الدول»، أعادت وزارة البيئة التأكيد على متابعة مبادرة «100 مليون شجرة» وزيادة أعداد الأشجار، فيما اشترطت موافقة المحافظ واستيفاء رأي جهاز شؤون البيئة قبل أي قطع أو اقتلاع جديد لأشجار. وبينما يتحدث الصعيدى والمعنيون بالملف البيئي عن «عداء» الدولة للأشجار، تقول الحكومة إنها تخطط لزرع أشجار المبادرة عبر تحديد 9900 موقع في المحافظات لتتحول إلى غابات شجرية أو حدائق تعتمد على مياه الصرف المعالج، مع توفير الشتلات وشبكات الري اللازمة. وتستهدف مصر زيادة نصيب الفرد إلى 15 مترًا مربعًا في نطاق القاهرة الكبرى بحلول 2050. غير أن الطريق إلى هذا المستهدف ليس واضحًا. في توجيهها، أوضحت وزيرة البيئة أن استعاضة الأشجار التي قٌطعت ستتم «مع مراعاة نوعية الأشجار بما يتناسب مع طبيعة المكان وأعمال التطوير». هذه الفلسفة تمتد إلى التعامل مع الأشجار بشكل عام، إذ يرى المسؤولون أن الأشجار المعمرة التي يتعارض وجودها مع خطط التطوير لا بد من إزالتها. الصعيدي من جانبه، يرى أن غياب إطار قانوني واضح ومنظم للأشجار، إلى جانب تعدد الجهات المعنية وتلقيها بلاغات وشكاوى متكررة يعكس الحاجة إلى تخطيط أكثر وضوحًا لإدارة الأشجار وحمايتها، مضيفًا أن زيادة عدد الأشجار لا ينبغي أن يكون على حساب الأشجار القائمة. يتحدث المهندس الزراعي محمود عبد الغفار لـ«مدى مصر» عن مشكلات تقنية مرتبطة بالتعامل مع الأشجار القائمة في القاهرة، منها أعمال الحفر، قائلًا إن أعمال الحفر غير المدروسة في أساسات الشوارع قد تُبقي على الشجرة مظهرًا جماليًا يخفي خطرًا داهمًا، إذ قد تصبح عرضة للسقوط وتشكيل تهديد مباشر على سلامة المواطنين. ويشير عبد الغفار إلى أن التخطيط لأي شارع جديد أو أعمال تطوير لشارع قائم يجب أن يضع الأشجار في الاعتبار منذ البداية، من اختيار الأنواع التي ستُزرع واحتياجاتها من التقليم والصيانة، إلى الأنواع المناسبة للزراعة في الشوارع، من حيث قدرتها على التحمل، والتكلفة. كما يؤكد أهمية التخطيط المسبق في تصميم أحواض الزراعة، لمنع امتداد الجذور وتشعبها تحت الأرض بحثًا عن المياه كما يحدث ذلك في مناطق قديمة كثيرة بالقاهرة نمت بشكل عشوائي، حيث تمتد الجذور لمسافات طويلة بحثًا عن مصدر للمياه، مثل إحدى المواسير، ما يؤدي إلى رفع الأرصفة وإتلافها، فضلًا عن إتلاف المواسير نفسها. من جانبه، قال محافظ القاهرة إبراهيم صابر في بيان منتصف الأسبوع الماضي، إنه سيتم وضع آلية واضحة لـصيانة وري الأشجار والحدائق بعد تنفيذ أعمال التشجير، لضمان استدامتها وعدم تحول المبادرات إلى أعمال مؤقتة، كما أشار إلى إطلاق مبادرات تشاركية لإشراك المواطنين والمجتمع المدني في التشجير، وتشجيع أصحاب المحال والعقارات على زراعة الأشجار أمام منشآتهم بالتنسيق مع الجهات المختصة. يرى عبد الغفار أن زراعة أشجار جديدة تكون في «الغالب أرخص وأسهل» من معالجة الأشجار القائمة، خاصة في ظل تدهور البنية التحتية وارتفاع تكلفة صيانة المرافق. «لو بتتكلم على كام شجرة ممكن، لكن إنك تكشف على كل الشجر ده مش هيحصل، وده مكلف، والتصليح هيكلفني». أما عن نقل الأشجار القائمة، فيؤكد أنه ليس حلًا سهلًا من الناحية العملية، إذ قد يتطلب معدات ثقيلة مثل أوناش بقدرة تصل إلى 50 طنًا وكساحات لنقل الأشجار، فضلًا عن احتمال تعرضها للتلف أثناء عملية النقل، مضيفًا: «فأنت كده كمان صرفت على الفاضي». ولكنه في الوقت نفسه يبدي تخوفه من عدم وضع خطط دقيقة تراعي هذه التفاصيل. ويوضح: «إحنا بنحفر وبعدين نكتشف احتياجاتنا»، بما في ذلك من استهلاك المياه، معتبرًا أن المشكلة الأوسع هي الاعتماد على التجربة والخطأ بدلًا من الدراسات المسبقة. رغم اختصاص وزارة البيئة بموجب قانون رقم 4 لسنة 1994 بحماية البيئة، لكن الأشجار داخل المدن ليست كلها خاضعة لنظام ترخيص بيئي موحد تديره الوزارة. تراجعت سلطة الوزارة التنفيذية والاستشارية في مواجهة سلطات «المحليات»، إذ كانت الوزارة تُفاجأ بقرارات إزالة الأشجار التي لم تكن على علم بها، بحسب ما كشفته أكثر من مرة تصريحات مسؤولي قطاع الأشجار بالوزارة. وفي فبراير 2026، تولت وزيرة التنمية المحلية منال عوض ملف البيئة بعد دمج الوزارتين بقرار جمهوري. في ورقتها البحثية عن العدالة البيئية «حتى لا يزول الأخضر»، المنشورة قبل أربع سنوات، انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تهميش أدوار أصحاب المصلحة في مناطق التطوير، في ظل أولوية سياسات التطوير المركزية لسرعة إنجاز الأعمال الإنشائية. كما أشارت إلى تعامل إدارات الأحياء مع المساحات الخضراء باعتبارها فرصة استثمارية، إذ تزامنت أعمال التطوير مع استغلال المساحات أسفل الكباري تجاريًا في كثير من الحالات، إلى جانب «تطوير» مساحات خضراء عبر تأجير أجزاء من الحدائق لإقامة مطاعم وكافيهات، مثل ميدان قصر عابدين. وبحسب «استراتيجية التنمية العمرانية لإقليم القاهرة الكبرى»، التي نشرت في 2012 بالتنسيق بين الهيئة العامة للتخطيط العمراني وبرنامج الأمم المتحدة «UN Habitat»، استهدف مخططو العاصمة أن تستوعب المجتمعات العمرانية الجديدة نحو ثمانية ملايين نسمة بحلول 2032، على أن يصل عدد سكانها إلى 15 مليونًا خلال الأربعين سنة التالية. كما سعت الاستراتيجية إلى تعزيز تنافسية القاهرة إقليميًا، في مواجهة مدن مثل دبي، «من خلال تحسين النقل والأماكن العامة والمساحات الخضراء وجودة البيئة العمرانية». يقول المعماري المتخصص في تنمية الأماكن التراثية عمرو أبو طويلة: «من 2008 معروف أن المقابر التراثية محتاجة تتشال. هتتشال. هل صدفة أننا في 2026 نلاقيها اتشالت؟ لا هم قايلين إنهم هيشيلوها، فالخطة والسياسة ماشيين كويس: جزيرة الوراق بتتشال، ماسبيرو اتشال وطلع مكانه أبراج». وبالتوازي مع الاستراتيجية السابقة، اتسعت المجتمعات العمرانية والأحياء والمدن الجديدة باتجاه الأطراف الصحراوية. لكن هذا التوسع العمراني لم يصاحبه انتقال مماثل للسكان، إذ يرصد مرصد العمران، في 2023، أن نحو 1.5 مليون شخص فقط يعيشون في المجتمعات العمرانية الجديدة التي تمتد على نحو 3,600 كيلومتر مربع، من بين 18.8 مليونًا في القاهرة الكبرى. نشرت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية آخر مستجدات أعمال الزراعة لزيادة المسطحات الخضراء، وزراعة الأشجار والنباتات والزهور، إلى جانب تهذيب وتقليم الأشجار ورفع كفاءة الزراعات القائمة. كان هذا في العاصمة الإدارية الجديدة. في المقابل، تابع أبو طويلة الضجة الأخيرة حول قطع أشجار شارع جامعة الدول، واهتم بالاطلاع على ما تعلنه الحكومة من إجراءات، فاطلع على بيان رئيس الوزراء بعد اجتماعه مع عدد من المسؤولين على خلفية الأزمات الأخيرة عن مشروع «تخضير» القاهرة الذي سيجري تنفيذه، بدءًا من أعلى الطريق الدائري و«عدد من المحاور والطرق الرئيسية». العاصمة الإدارية، من بيان وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية. caption لماذا «الدائري»؟ وعن أي قاهرة نتحدث؟ كان «الدائري» جزءًا من تصور التخطيط العمراني في السبعينيات للسيطرة على نمو القاهرة الكبرى، ووقف التعدي على الأراضي الزراعية، والفصل بينها وبين المجتمعات العمرانية جديدة. ثم تعرقل مساره في التسعينيات بسبب اعتراضات اليونسكو بسبب تأثيره المحتمل على موقع الأهرامات المدرج على قائمة المناطق التراثية. وفي الألفينات، أطلقت الدولة مشروع تحويله إلى حزام أخضر بطول مئة كيلومتر وزراعة نحو نصف مليون شجرة، بحسب وزارة الدولة لشؤون البيئة آنذاك. لذا، لم تأت تصريحات الحكومة الجديدة بعيدة عن توقعات أبو طويلة. لن تُعوض الأشجار والمساحات الخضراء المفقودة في القاهرة، ليس لأنها ضحية غياب التخطيط، بل لأن الدولة «صريحة تمامًا بشأن رؤيتها وأهدافها العمرانية، وتسير فيها بشكل واضح وثابت»، كما يقول لـ«مدى مصر». يوضح أبو طويلة أن «قلب المشروع الأيديولوجي» للدولة هو أن «العمران في مصر هو المحرك الأساسي لرأس المال». وبناءً عليه، تتحدد أولوية التخضير أيضًا بحسب القيمة الاقتصادية للأرض. يشهد الطريق الدائري مثلًا حركة مرور كثيفة وأبراجًا ومحالًا كما يمر بمناطق ذات قيمة استثمارية وعمرانية مرتفعة، كما أن أهميته وشبكة الكباري والمحاور التي تم أو يتم إنشائها، تكمن أهميتها في تيسير الوصول إلى المجتمعات العمرانية الجديدة. يربط أبو طويلة بين ما يجري في ملف الأشجار والحدائق وتوجه الدولة لتوظيف الأرض والعمران كأداة اقتصادية لتعظيم العائد، على إرث النهج الاقتصادي لعهد الرئيس حسني مبارك، موضحًا كيف استبدلت الدولة نمط استثمارها الرأسمالي التقليدي، مثل ضخ الأموال في مصنع أو مشروع إنتاجي وتشغيل العمال، إلى الاستثمار في التوسع العمراني واستغلال الأراضي المتاحة، لافتًا إلى اختيار مدبولي الذي راكم خبرته في التخطيط العمراني منذ عمله في وزارة الإسكان، قبل أن يتولى رئاسة الوزراء، ليقود المشروع العمراني للدولة. تضخ الحكومة الأموال في الامتدادات العمرانية، وإنشاء الطرق والبنية التحتية بالتمويلات، لترفع قيمة الأراضي وتتحول إلى مصدر للعائد، فيما يصفه أبو طويلة بـ«عملية مضاربة متركزة». إذ يدخل أصحاب رؤوس الأموال في السوق لشراء الأراضي أو الوحدات وإعادة بيعها، في حين قد تظل القيمة العقارية ترتفع قبل أن يتحول المشروع إلى منتج سكني مأهول. وبذلك، على حد وصفه، «القيمة تُخلق من المضاربة». تُظهر الصور المرفقة ببيان تطورات العاصمة الجديدة نموذجًا عمرانيًا مختلفًا عن الأشجار والمساحات الخضراء التاريخية التي فقدتها أحياء القاهرة، حيث تحل مساحات خضراء أكثر انتظامًا وقابلية للإدارة محل الغطاء النباتي القديم. ولا يقتصر هذا التحول على العاصمة الإدارية، إذ تزامن تطوير البنية التحتية مع توسع المجتمعات العمرانية والأحياء والمدن الجديدة باتجاه الأطراف الصحراوية، فيما تُسوَّق تجمعات سكنية مغلقة باعتبارها أنماطًا للعيش «الأخضر» و«المستدام». وترى دراسة عن «التمدد الأخضر» صادرة عن مركز حلول السياسات البديلة في 2022، أن هذا التحول للمساحات الخضراء من المركز إلى الأطراف ارتبط بمشروعات البنية التحتية المتسارعة، على نحو لا يعود بالنفع بالقدر نفسه على المجتمعات المقيمة في قلب القاهرة. The post إعادة رسم الخريطة الخضراء في مصر.. ابحث عن المنفعة first appeared on Mada Masr.