لم تعد الانتخابات الفلسطينية استحقاقاً إجرائياً مؤجلاً، ولا مجرد وسيلة لتجديد شاغلي المؤسسات، وإنما أصبحت مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعيته، وتأهيل مؤسساته الوطنية، بما يمكّنه من مواجهة المرحلة المقبلة، واستعادة وحدة القرار والمؤسسات، والانخراط الفاعل في المسار الدولي المتنامي نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد حل الدولتين.
وتأتي أهمية هذا الاستحقاق في لحظة سياسية مختلفة؛ إذ تتبلور جهود دولية، في مقدمتها الجهد السعودي-الفرنسي، لإحياء حل الدولتين وتحويله من مبدأ سياسي عام إلى مسار عملي. وقد شكّل إعلان نيويورك، الذي جاء ثمرة للمؤتمر الدولي رفيع المستوى الذي ترأسته فرنسا والمملكة العربية السعودية، إطاراً دولياً للدفع نحو تنفيذ حل الدولتين.
ومن هنا فإن السؤال الفلسطيني لم يعد: هل نُجري الانتخابات؟ بل أصبح: كيف نجعل الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله؟
فالسلطة الوطنية الفلسطينية، بوصفها إطاراً لإدارة شؤون الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، كما لا يجوز أن تبقى منظمة التحرير بعيدة عن مقتضيات التجديد الديمقراطي وتوسيع التمثيل. والمطلوب هو إعادة ترتيب العلاقة بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني ضمن رؤية وطنية واحدة، تجعل من منظمة التحرير الإطار الوطني الجامع، ومن السلطة الوطنية أداة لإدارة شؤون الدولة الفلسطينية ومؤسساتها في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.
وهذا يتطلب، في المقام الأول، تجديد الشرعية الشعبية للمؤسسات الفلسطينية الثلاث: المجلس التشريعي، والمجلس الوطني، ورئاسة الدولة، وفق قواعد انتخابية واضحة تضمن النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتتيح مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات، كل وفق الآليات التي تتناسب مع ظروفه.
وقد استقر عدد مقاعد المجلس التشريعي عند 132 مقعداً، بعد التراجع عن مقترح رفع العدد إلى 200 مقعد. أما المجلس الوطني فقد حُدد عدد أعضائه بـ350 عضواً، منهم 200 يمثّلون دائرة الأراضي الفلسطينية، و150 يمثِّلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.
وتكتسب العلاقة بين المجلسين أهمية خاصة؛ إذ إن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين يصبحون أعضاء حكميين في المجلس الوطني طوال مدة ولايتهم، وتُحتسب عضويتهم ضمن المقاعد المخصصة لتمثيل الأراضي الفلسطينية، من دون زيادة العدد الإجمالي للمجلس الوطني. وبذلك، ومع وجود 132 عضواً منتخباً للمجلس التشريعي، يبقى استكمال حصة الداخل في المجلس الوطني بحاجة إلى 68 عضواً إضافياً، إلى جانب 150 عضواً يمثِّلون الشتات، ليكتمل العدد الإجمالي البالغ 350 عضواً.
وهذه الصيغة تحمل دلالة سياسية ومؤسساتية مهمة؛ فهي تربط بين الشرعية النيابية داخل الوطن والشرعية الوطنية لمنظمة التحرير، وتجعل تجديد المجلس التشريعي جزءاً من عملية تجديد المجلس الوطني، بدلاً من التعامل مع المؤسستين باعتبارهما مسارين منفصلين.
ومن هنا ينبغي أن تكون الانتخابات التشريعية والوطنية والرئاسية مسارات متكاملة ضمن عملية واحدة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. فالمجلس التشريعي يجدد شرعية المؤسسة النيابية، والمجلس الوطني يجدد شرعية التمثيل الوطني لمنظمة التحرير، بينما تمنح الانتخابات الرئاسية الشرعية الشعبية لرأس النظام السياسي. وبذلك تتجدد الشرعيات في إطار وطني واحد، بدلاً من استمرار حالة التآكل والتداخل والانقسام التي أصابت النظام السياسي الفلسطيني طوال السنوات الماضية.
لكن تحديد المواعيد الانتخابية وحده لا يكفي؛ فالانتخابات ينبغي أن تكون جزءاً من خارطة طريق وطنية متكاملة تبدأ بتوفير البيئة السياسية والقانونية والأمنية اللازمة لإجرائها، وضمان مشاركة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وإتاحة أوسع مشاركة ممكنة لفلسطينيي الشتات، ثم احترام نتائج الصناديق وتسليم المؤسسات المنتخبة صلاحياتها كاملة.
والغاية النهائية ليست مجرد إنتاج مؤسسات جديدة، وإنما إعادة توحيد النظام السياسي والجغرافي والقانوني الفلسطيني: حكومة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات شرعية واحدة، ومرجعية وطنية واحدة، بما يعيد قطاع غزة إلى الإطار الوطني الفلسطيني، ويجعله جزءاً متكاملاً من الدولة الفلسطينية المنشودة.
وهنا تبرز مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع وممثِّل الشعب الفلسطيني، بما يقتضي تجديد مؤسساتها وتوسيع قاعدتها التمثيلية وإدخال أجيال جديدة إلى مؤسساتها القيادية، بما يعيد إليها الحيوية السياسية ويعزِّز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
كما أن حركة فتح، بما لها من موقع تاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية، مدعوة إلى مواصلة دورها الوطني من خلال التجدد الديمقراطي والانفتاح على الشراكة الوطنية، والاستفادة من رصيدها التاريخي في بناء المستقبل، لا الاكتفاء بإدارة الواقع القائم.
وفي المقابل، فإن إنهاء الانقسام لا يعني إعادة إنتاج ازدواجية السلطة، ولا شرعنة تعدد مراكز القرار. فالوحدة الوطنية الحقيقية تقوم على الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والقانون والمؤسسات المنتخبة، وعلى حصر القرار الوطني في مؤسساته الشرعية، بما في ذلك القرار السياسي والأمني، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي والجغرافي.
وهذا ليس شأناً فلسطينياً داخلياً فحسب، بل شرط من شروط نجاح المسار الدولي نحو الدولة الفلسطينية. فالمجتمع الدولي الذي يدعم حل الدولتين يحتاج إلى شريك فلسطيني موحد، ذي شرعية شعبية ومؤسساتية، قادر على إدارة الحكم وإعادة الإعمار وتحمل مسؤوليات الدولة، وعلى تنفيذ الالتزامات المترتبة على قيامها.
ومن هنا تتضح أهمية الجهد السعودي-الفرنسي؛ إذ إن بناء التأييد الدولي لحل الدولتين يتطلب، في الجانب الفلسطيني، إعادة بناء البيت الوطني على أسس ديمقراطية ومؤسساتية تُمكّن الشعب الفلسطيني من امتلاك قراره وتجديد شرعيته، وتُمكّن مؤسساته من التعامل مع الاستحقاقات السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية للمرحلة المقبلة.
ولا يبدأ حل الدولتين من نقطة الصفر؛ فقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 لعام 1947 شكَّل الأساس الدولي التاريخي لفكرة إقامة دولتين في فلسطين، رغم عدم تنفيذ الحل الذي نص عليه، ثم توالت قرارات الأمم المتحدة التي أكدت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وصولاً إلى الإطار الدولي الراهن القائم على إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا يكتمل مسار الحل من دون معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، باعتبارها أحد المكونات الأساسية للقضية الفلسطينية وأحد استحقاقات التسوية. وفي هذا السياق يظل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 لعام 1948، ولا سيما الفقرة الحادية عشرة منه، مرجعية أساسية في قضية اللاجئين، إذ تناول عودة اللاجئين الراغبين في العودة والعيش بسلام مع جيرانهم في أقرب وقت ممكن، إلى جانب التعويض. وقد أعادت الجمعية العامة تأكيد هذا الإطار في قرارات لاحقة.