إشهار كتاب الأستاذ الدكتور بدر العبدالقادر عن مقالات خالد المالك في ديوانية القلم – د. ياسين علي محمد عزي

حين تعود مائة مقالة لخالد بن حمد المالك، كتبت على امتداد أعوام كانت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبعرّاب رؤيتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تعيد فيها تعريف طموحها وموقعها وما تستطيع أن تصنعه، لتصبح موضوعًا لكتاب لغوي من يقرأ بنيتها وسياقها ودلالاتها، فإننا لسنا أمام نصوص نجت من عمر الخبر فحسب، بل أمام لغة رافقت وطنًا أتاح له أمنه أن يمضي أبعد في البناء، وجاءت رؤية السعودية 2030 لتدفع بطموحه إلى آفاق أوسع، حتى أصبح المستقبل نفسه مشروعًا تتقدم إليه الدولة بالفعل لا وعدًا تؤجله الأيام. ولهذا يصبح السؤال أبعد من: ماذا قال خالد المالك في تلك المقالات؟ إلى ما هو أعمق: ماذا بقي فيها بعدما انقضت أخبارها وأصبحت جزءًا من التاريخ، وكيف استطاعت اللغة أن تحتفظ بما لا تحفظه الوقائع وحدها من صورة المرحلة وموقعها في سيرة الوطن؟

ومن هذا الموضع تحديدًا تقترب عبارة «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، التي حملها حوار «الأمن والتاريخ 2026»، من جوهر هذه القراءة؛ فخالد المالك لم يكتب وطنًا ثابت الملامح تنتظر وقائعه من يسجلها، بل رافق بقلمه دولةً لم يكن الأمن فيها غاية تقف عند الطمأنينة، وإنما القوة التي أتاحت للبناء أن يتسع، وللتخطيط أن يمتد، وللمستقبل أن يدخل في حساب الدولة بوصفه شيئًا يُصنع لا يُنتظر. وكان النماء شاهدًا متجددًا على ما يستطيع الاستقرار أن يثمره حين يصبح جزءًا من طاقة الوطن على التقدم. وفي سنوات تتلاحق فيها التحولات بهذا العمق، لا تُقاس منزلة الكاتب بكثرة ما عاصر، بل بما استطاعت لغته أن تحتفظ به من دلالات تلك المرحلة؛ فإذا انقضت الواقعة، بقي في المقالة ما يعيدها إلى موضعها من سيرة الدولة، وما يجعلها أبعد من خبر انتهى بانتهاء يومه.

وهذا ما جعل احتفاء ديوانية القلم الذهبي بالرياض بكتاب الأستاذ الدكتور بدر بن علي العبدالقادر بعنوان: «لغة الخطاب الإعلامي: مقاربات في البنية والسياق والدلالة» يتجاوز في نظري مناسبة التكريم للمؤلف؛ فالدكتور العبدالقادر لم يعد إلى نصوص خالد المالك ليجمع ما قاله صحفي عريق غني عن التعريف، بل ليقرأ كيف حضرت المملكة في لغته، وكيف أخذ الحدث السياسي والاقتصادي والاجتماعي مكانه داخل رؤية للدولة ومصالحها ومكانتها، وكيف استطاعت المقالة أن تحتفظ من زمنها بما لا تحتفظ به الواقعة وحدها.

ومن هنا يمكن أن تُقرأ تجربة خالد المالك لا بوصفها سجلًا لمواقف متفرقة، بل بوصفها كتابة رافقت المملكة وهي تعبر بين مراحل متلاحقة من تاريخها الحديث؛ كتابة لم يكن سؤالها عند حدود ماذا حدث، بل ماذا يعني ما حدث، وأين يقع من سيرة الدولة، وما الذي تستطيع اللغة أن تحفظه منه حين يغادر الخبر يومه ويبدأ التاريخ في استعادته.

فالخبر بطبيعته شديد الصلة بيومه، أما بعض المقالات فتملك عمرًا آخر؛ يمكن أن تُقرأ بعد أن تبرد مناسبتها لأن قيمتها لم تكن معلقة بالواقعة وحدها، بل بالطريقة التي أدخلت بها تلك الواقعة في فهم أوسع. وعند هذا الحد تتغير منزلة الكاتب؛ فلا يعود طول السيرة أو كثرة المقالات هو الذي يحدد أثره، بل مقدار ما احتفظت به كلماته من حياة تسمح للعلم، بعد سنوات، بأن يعود إليها ويسألها أسئلة لم تكن مطروحة يوم نشرت.

ويصبح خالد المالك، من هذه الناحية، أجدر بالتأمل حين تُقرأ لغته لا سيرته وحدها؛ فالسيرة تخبرنا متى بدأ وأين عمل وما المواقع التي شغلها، أما اللغة فتتيح لنا أن نرى كيف مرت المملكة في كتابته، وكيف أخذ الحدث السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي مكانه ضمن فهم أوسع للدولة وموقعها ومصالحها وعلاقتها بالعالم. وبين كاتب يتابع ما يقع وكاتب تشكل له السنوات طريقة في النظر مسافة لا تقاس بعدد المقالات، بل بما تتركه التجربة في زاوية الرؤية نفسها.

ولهذا تبدو عبارة «مدرسة خالد المالك» ذات معنى حين تتحدث عنها النصوص قبل أن يقولها المادحون؛ فالمدرسة لا تتشكل من مجرد الحضور الإعلامي، وإنما حين يصبح للكاتب عبر السنين أسلوب في النظر يمكن تمييزه، وعلاقة بين الواقعة ودلالتها، وبين الداخل والخارج، وبين المصلحة الوطنية واللغة التي تحملها، من غير أن تتحول الوطنية إلى شعار يسبق الفكرة أو يحل محلها. وحين يستطيع الباحث أن يتتبع هذه السمات في نصوص كتبت لقضايا وأزمنة متباعدة، يصبح وصف «المدرسة» نتيجة للكتابة لا لقبًا يضاف إليها.

وتكتسب السنوات التي اختارها الأستاذ الدكتور بدر العبدالقادر، من 2014 إلى 2026، دلالة خاصة؛ فهي تمتد عبر فترة تغير فيها كثير من الأسئلة التي كانت المملكة تطرحها على نفسها. ثم جاءت رؤية السعودية 2030 لتوسع حدود الممكن، فلم يعد الطموح متعلقًا بصون ما تحقق فحسب، بل بما يمكن أن يولد فوقه، وبإعادة تعريف الاقتصاد والمدينة والمؤسسة ومكانة الإنسان داخل مشروع وطن أصبح يتعامل مع المستقبل بوصفه مجالًا للعمل والبناء لا موعدًا مؤجلا.

وحين يتغير الوطن على هذا النحو لا تبقى اللغة التي تصفه على حالها؛ فمفاهيم التنمية والطموح وجودة الحياة والاستثمار في الإنسان والمكانة الدولية لم تعد تحمل الحدود نفسها التي حملتها من قبل، وما كان يُقرأ يومًا بوصفه شأنًا داخليًا أخذ يُرى كذلك في علاقته بموقع المملكة المتقدم في السياسة والاقتصاد والثقافة. فاللغة لا تتغير هنا لمجرد أن ألفاظًا جديدة دخلت إليها، بل لأن الواقع الذي تشير إليه الكلمات نفسه أصبح أكثر اتساعًا وتنوعًا في حضوره.

ولهذا يمكن أن تُقرأ مقالات خالد المالك بوصفها شاهدًا على تغير زاوية النظر بقدر ما هي شاهد على الأحداث؛ نرى فيها كيف اتسعت بعض المفاهيم، وكيف تبدلت قراءة حضور المملكة في العالم، وكيف أخذت الكتابة الوطنية تتجاوز إعلان الموقف إلى قراءة القوة التي جعلت ذلك الموقف ممكنًا. وهذه قيمة تتخطى صاحب المقال إلى الصحافة السعودية ذاتها؛ لأنها تجعل من أرشيفها سجلًا لما كان يحدث في الوعي وهو يقرأ زمنه قبل أن يتحول ذلك الزمن إلى تاريخ.

فالصحيفة لا تحفظ ما حدث فقط؛ بل تحفظ كذلك ما قيل عما حدث، وبين الواقعة والقول عنها يسكن جزء مهم من ذاكرة المجتمع. قد يخبرنا الأرشيف بعد عقود بأن قرارًا صدر في يوم معلوم، إلا أن المقالة تحفظ شيئًا آخر: كيف قُرئ ذلك القرار في وقته، وما الذي كان يعنيه، وأين وُضع من حركة الدولة، وما الأسئلة التي كانت تحيط به يوم كان الحاضر ما يزال مفتوحًا على احتمالاته.

وقد قادتني الفكرة نفسها في «من أمن الوطن إلى أمن المنجز» إلى أن ما يصل إلى العين أولًا لا يكون دائمًا هو الصورة كاملة؛ فالرقم لا ينفصل عن ظروفه، والوثيقة لا تستنفد الحكاية، والقرار قد يحمل وراء عباراته أسبابًا وإجراءات ومسافات لا تظهر في القراءة الأولى. ومن هنا لا تصبح قيمة الكتابة في إضافة شيء إلى الواقعة، بل في إنقاذها من أن تُقرأ بأقل مما فيها.

الحقيقة لا تختصرها أسبقية الوصول؛ فقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، ثم تفضي إلى فهم ناقص إذا انفصلت عما أحاط بها. وقد يكون الرقم دقيقًا وتكون الصورة التي يتركها غير مكتملة، كما قد تكون الواقعة ثابتة ثم يحملها الاقتطاع إلى دلالة لم تكن لتأخذها لو بقيت موصولة ببقية عناصرها؛ فصحة الجزء لا تمنحه حق تمثيل الكل.