في سبتمبر من كل عام، تتحول أروقة الأمم المتحدة إلى ميدان جيوسياسي رفيع، يختبر الثقل السياسي للدول ومدى قدرتها على توجيه البوصلة العالمية وبناء التحالفات الاستراتيجية، وتقديم الأفكار والطروحات الخلاقة لمعالجة الأزمات الكامنة والمتوقعة. وفي هذا الميدان تقف الدبلوماسية الإماراتية بقيادة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية كقوة دفع مؤثرة، وركيزة أساسية لصياغة التوافقات الدولية حول الراهن والمستقبل.في هذا المحفل الأممي يتألق الحضور الإماراتي عبر حراك مكثف متعدد المسارات، يتجاوز الأطر السياسية التقليدية إلى آفاق أرحب لتعزيز الشراكات الإيجابية، ووضع مقاربات عملية في ملفات مستجدة على المجتمع الدولي تشمل ملفات العمل المناخي، والأمن المائي، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. وبنفس القدر تعلن الدولة مواقفها السياسية الصريحة إزاء الأزمات الملحّة، وتأتي في مقدمتها القضية الفلسطينية التي تضعها الإمارات في صدارة أولوياتها الدبلوماسية عبر المطالبة بسلام عادل وفوري، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ووقف الاستيطان في الضفة المحتلة، مع التأكيد الحازم على حتمية إنهاء الصراع عبر حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.كما تنتهج الإمارات مساراً عقلانياً تجاه الصراع الأمريكي الإيراني، يدعو إلى تغليب لغة الحوار الجاد والحلول الدبلوماسية الوقائية لخفض التصعيد، واحترام سيادة دول المنطقة ومصالحها المشروعة في العيش بأمن واستقرار، والدفع باتجاه سلام دائم لا تهدئة مؤقتة يتواصل معها تهديد خطوط الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي.أما بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، فتحظى الإمارات بتقدير جميع الأطراف بالنظر إلى مبادراتها العملية لإنهاء النزاع ووساطتها الفاعلة التى أنجزت صفقات عدة لتبادل الأسرى والمحتجزين بين الطرفين، وهي مرشحة لتستضيف اجتماعات ثلاثية جديدة بين واشنطن وموسكو وكييف لإعادة إطلاق المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا.هذه المواقف الإماراتية تستند إلى رصيد متنامٍ من المصداقية كشريك دولي موثوق يحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الجميع، إدراكاً منها أن اتساع شبكة المصالح والشراكات يمنح الدبلوماسية فضاءً أرحب للفعل الإيجابي والتقريب بين وجهات النظر المتباعدة، وتحويل منصات الحوار إلى فرص للسلام. ويبرهن الحراك الاستثناني للوفد الإماراتي في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة على صواب هذا النهج ونجوعه. فقد أجرى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان عشرات اللقاءات الثنائية مع القادة والوزراء والمسؤولين في الدول والمنظمات، وشارك في اجتماعات رفيعة المستوى للمساهمة في إيجاد الحلول لأزمات العصر الحاضر، وتعزيز العمل المتعدد الأطراف لمجابهة التحديات المستقبلية.في كل عام تحصد الدبلوماسية الإماراتية ما زرعت من بذور الحوار البنّاء والمصداقية الدولية الراسخة، لتجني ثمار سياسة خارجية متوازنة استثمرت طويلاً في بناء الشراكات ومد جسور التعاون والإخاء والتضامن مع الدول والشعوب الشقيقة والصديقة. وفي كل عام أيضاً سيستمر هذا الإشعاع الدبلوماسي متألقاً في كل المحافل الدولية، ناطقاً بالحكمة والاعتدال، وحاملاً رسالة حضارية مستدامة تحملها الإمارات إلى العالم.