إسرائيل تنحر ذاتها: عندما تتحول القوة من ضمانة للأمن إلى نحرٍ إراديّ لديمومة الحياة

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

لم تكن إسرائيل في تاريخها الحديث أكثر تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً مما هي عليه اليوم، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالاً يتجاوز نتائج الحروب ومعادلات الردع التقليدية: هل تستطيع دولة أن توفر لمجتمعها شروط حياة آمنة ومستقرة وطبيعية إذا استمرت في التعامل مع محيطها الجغرافي والديموغرافي بمنطق القوة والعداء؟السؤال هنا لا يتعلق ببقاء إسرائيل كدولة، ولا يفترض انهيارها أو زوالها، وإنما يتعلق بشروط الحياة داخلها ومستقبل الأجيال التي ستعيش فيها. فقد تبقى الدولة قائمة وتمتلك جيشاً متفوقاً وتكنولوجيا متقدمة وقدرات ردع هائلة، لكنها قد تجد نفسها في الوقت ذاته أمام بيئةٍ إقليمية أكثر عداءً، ومجتمع إسرائيلي أكثر ارتباطاً بالحرب واعتماداً على الحماية الخارجية، وأقل قدرة على إنتاج حياة طبيعية ومستقرة.ومن هنا تنطلق هذه القراءة من معادلة أراها مفتاحاً لفهم الشرق الأوسط جيوسياسياً وواقعياً:الجغرافيا تصنع السياسة، والديموغرافيا تصنع القوة والتاريخ والحاضر والمستقبل.فإسرائيل لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، ولا تستطيع إلغاء محيطها العربي، ولا تستطيع تجميد الزمن، ولا منع الأجيال الفلسطينية الجديدة من إعادة إنتاج قضيتها. كما أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع وحده تحويل الانتصار في الميدان إلى سلام دائم.وهذه الحقيقة لا تنطبق على إسرائيل وحدها. فإيران، التي سعت بدورها إلى بناء مجال نفوذ واسع يمتد من أراضيها عبر العراق وسوريا إلى لبنان، اصطدمت أيضاً بالحدود التي تفرضها الجغرافيا والديموغرافيا والسيادة الوطنية وتعدد مراكز القوة.ولذلك، فإن المقارنة بين "إسرائيل الكبرى" و"إيران الكبرى" لا تقوم على التطابق بين المشروعين، وإنما على اختبار فرضية واحدة: هل تستطيع قوة إقليمية أن تعيد تشكيل فضاء جغرافي وديموغرافي واسع وفق إرادتها إلى ما لا نهاية؟أولًا: الجغرافيا التي تصنع السياسةإسرائيل ليست جزيرة منفصلة عن الشرق الأوسط، فهي تقع في قلب المشرق، على ملتقى آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط، وتتصل مباشرة بالمجالين المصري والشامي، وتتحرك في فضاء جغرافي يمتد جنوباً نحو البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، وشمالاً نحو تركيا وسوريا ولبنان.هذه الجغرافيا تمنح إسرائيل أهمية استراتيجية، لكنها تفرض عليها حقيقة لا تستطيع التكنولوجيا تغييرها: أمنها المستدام مرتبط بعلاقتها بالمجال الجغرافي المحيط بها.يمكن إسرائيل أن تحصّن حدودها، وأن تطور أنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، وأن تمتلك قدرات استخبارية وهجومية متفوقة، لكنها لا تستطيع نقل نفسها من الشرق الأوسط.ومن هنا، فإن أي مشروع يقوم على افتراض إمكان عزل إسرائيل نفسها عن محيطها أو إعادة تشكيله وفق إرادتها يصطدم بحقيقة الجغرافيا.والأمر نفسه ينطبق، بصورة مختلفة، على إيران. فطهران، التي تفصلها عن المشرق مسافة تقارب 1500 كيلومتر، تستطيع امتلاك القوة والنفوذ وبناء الشبكات الحليفة، لكنها لا تستطيع تحويل العراق وسوريا ولبنان إلى امتداد جغرافي وسياسي دائم لها، لأن لهذه المجتمعات عمقها الجغرافي، ودولها، وهوياتها، وذاكرتها، وتاريخها، ومصالحها، وتوازناتها الخاصة. وعليه، لا تستطيع قوة أن تلغي الخصائص الجغرافية للإقليم وهوياته التاريخية، أو أن تعيد تشكيل جغرافيته وديموغرافيته وفق إرادتها المنفردة، مهما بلغ تفوقها العسكري.ثانياً: الديموغرافيا التي تصنع القوة والتاريخ والحاضر والمستقبلإذا كانت الجغرافيا حقيقة ثابتة يصعب تغييرها، فإن الديموغرافيا تعمل ببطء، لكنها أكثر عمقاً في صناعة المستقبل.كان المجال العربي في بداية القرن العشرين مختلفاً تماماً عن صورته السياسية الحالية؛ فقد كانت أجزاء واسعة منه ضمن الإمبراطورية العثمانية، فيما خضعت مناطق أخرى للاستعمار أو الحماية الأوروبية، ولم تكن الحدود السياسية للدول العربية المعاصرة قد اكتملت. لذلك ينبغي الحذر عند مقارنة أعداد السكان في عام 1900 والمقدرة بهامش خطأ كبير بنحو 35-37 مليون شخص أو عام 1917 تاريخ وعد بلفور والمقدرة بنحو 40-42 مليون شخص بالأرقام الحالية.لكن الاتجاه التاريخي واضح: فقد ارتفع عدد سكان العالم العربي من نحو 91.5 مليوناً عام 1960 إلى اكثر من 515 مليوناً وفق تقديرات 2026. واللافت أن فلسطين نفسها لم تكن سوى جزء صغير من الكتلة السكانية العربية: كان مجموع سكان فلسطين عام 1915 يقارب 678 ألفاً، منهم نحو 590 ألف عربي و87.5 ألف يهودي. أي أن القضية الفلسطينية لم تكن قضية كتلة سكانية ضخمة قياساً بديموغرافية العالم العربي، بل قضية أرض مغتصبة وحقوق شعب مسلوبة، في موقع جغرافي واستراتيجي وتاريخي وديني بالغ الأهمية، تتقاطع فيه مقدسات الأديان التوحيدية الثلاثة.وهذا التحول لا يعني مجرد ارتفاع عدد السكان، بل يعني أجيالاً فلسطينية جديدة، ومدناً ضخمة، وجامعات، وأكاديميين ومثقفين فلسطينيين في الشتات والمهجر، واقتصادات وطبقات وسطى ورجال أعمال، وشبكات إعلامية ورقمية، ومجتمعات أكثر اتصالاً ببعضها وبالعالم.ومن هنا، فإن مقارنة البيئة البشرية الفلسطينية التي نشأت فيها إسرائيل عام 1948 بالبيئة التي تواجهها اليوم تكشف تغيراً بنيوياً هائلاً.فالقوة العسكرية، إسرائيليةً كانت أم إيرانية، يمكن أن تتغير خلال سنوات، أما التحول الديموغرافي فيتراكم عبر عقود وأجيال.ولا يعني ذلك أن كثرة السكان تتحول تلقائياً إلى قوة عسكرية، وإنما يعني أن حجم المجال البشري الذي تتحرك إسرائيل داخله تغير بصورة جذرية. والأمر نفسه ينطبق على إيران : فهي دولة كبيرة سكانياً وجغرافياً، لكنها لا تستطيع تحويل المجال العربي أو المشرق إلى امتداد طبيعي لها. فالديموغرافيا ليست أرقاماً فقط؛ إنها مجتمعات وهوية ولغة وذاكرة تاريخيّة ومكانية وتقاليد وثقافات ومصالح وتطلعات سياسية.ثالثاً: فلسطين التي رفض الزمن أن يلغيهاربما كان أحد أهم الرهانات التي حكمت بعض التصورات الوهمية الاسرائيلية أن الزمن سيعمل لمصلحة النسيان، وأن انتقال الأجيال القسري سيضعف ارتباط الفلسطينيين بقضيتهم وأرضهم .لكن الأحداث الأخيرة أظهرت شيئاً مختلفاً.