إستراتيجيات الإقناع والتأثير.. حين لا تكفي الحقيقة وحدها – د. علي بن عالي  السعدوني

ليست المشكلة دائمًا في أن تكون على حق، فقد تحمل الحقيقة كاملة ثم تعجز عن إيصال نصفها، وقد يمتلك غيرك حجة أقل منك قوة لكنه يعرف من أين يدخل إلى عقل المتلقي، ومتى يرفع صوته، ومتى يخفضه، وأي كلمة يقدّم، وأي حقيقة يؤخر، وأي صورة يضعها في الواجهة حتى تصبح بقية التفاصيل تابعة لها، فالإقناع ليس مستودعًا للأدلة نفتح أبوابه كلما أردنا الانتصار في نقاش بل هندسة دقيقة للعلاقة بين من يقول، وما يقال، ولمن يقال، وكيف يقال، ومتى يقال، ولذلك قد تكون العبارة صحيحة ولا تقنع، وقد يكون الرقم دقيقًا ولا يؤثر، وقد تكون الفكرة عظيمة ثم تموت لأنها وصلت إلى الناس في ثوب لا يليق بها.

ومن أقدم ما قيل في هذا الباب ما وضعه أرسطو حين بنى الإقناع على ثلاثة أركان شهيرة: المصداقية ، والمنطق والعاطفة وهي ليست تقسيمات فلسفية قديمة انتهى مفعولها بل تكاد تكون حاضرة في كل خطاب سياسي ناجح، وكل إعلان تجاري ذكي، وكل مرافعة قضائية مؤثرة، وكل درس يستطيع صاحبه أن يبقي طلابه مشدودين إليه بل حتى في أحاديثنا اليومية حين نريد من شخص أن يقتنع بفكرة أو يعدل عن موقف.

فإذا قال طبيب متخصص: هذا العلاج لا أنصح به في مثل حالتك، فإن جزءًا كبيرًا من قوة العبارة لا يأتي من تركيبها اللغوي، وإنما من سلطة القائل المعرفية، وهذا هو الإقناع بالمصداقية، وإذا قال الباحث: ارتفعت النسبة من 40% إلى 70% بعد تطبيق البرنامج، فقد انتقل إلى سلطة الدليل والرقم، وهذا هو الإقناع بالمنطق، أما إذا عرضت حملة للسلامة المرورية صورة أب ينتظر ابنه الذي لن يعود بسبب السرعة، فإن الخطاب في هذا لا يحاور العقل وحده بل يوقظ الخوف والحب والفقد، وهذا هو الإقناع بالعاطفة، وأشد الخطابات تأثيرًا هو الذي يعرف كيف يمزج هذه السلطات الثلاث دون أن يشعر المتلقي أنه موضوع داخل مختبر للإقناع.

وثمة إستراتيجية أشد خفاءً يمكن تسميتها استراتيجية التأطير، فأنت لا تغيّر الحقيقة، وإنما تغيّر النافذة التي يُنظر منها إليها، والفرق بين أن تقول: نجح العلاج لدى 90% من المرضى، وأن تقول: فشل العلاج لدى 10% من المرضى ليس فرقًا كبيرًا في المعلومة الرياضية، فالعبارتان تصفان النتيجة نفسها لكنه فرق هائل في الأثر النفسي؛ لأن الأولى تضع النجاح في مركز الصورة، والثانية تجعل الفشل هو أول ما تراه العين، وكذلك حين تقول مؤسسة ما: أنجزنا ثمانية مشروعات من أصل عشرة، فهي تقدم إطار الإنجاز بينما يستطيع الناقد أن يقول: تعثر مشروعان من أصل عشرة، فيقدم إطار التعثر، والحقيقة واحدة لكن البلاغة أعادت توزيع الضوء داخل المشهد.

ومن الاستراتيجيات المؤثرة كذلك قوة المثال الفردي، فالإنسان قد يمر على ألف رقم دون أن يتوقف ثم تهزّه حكاية شخص واحد؛ لأن الأرقام تخاطب العقل من مسافة بينما القصة تدخل من باب التجربة الإنسانية، فإذا قلت إن آلاف الأطفال يواجهون صعوبة في القراءة فقد يتلقى السامع الرقم ببرود لكنك إذا حدثته عن طفل في الصف السادس يقف عاجزًا أمام فقرة قصيرة يتعثر في كلماتها، يخفض رأسه خوفًا من ضحكات زملائه ثم يعود إلى منزله معتقدًا أنه أقل ذكاء منهم فقد تحولت القضية من إحصائية تعليمية إلى إنسان له وجه وصوت وشعور، وفي هذا تكمن بلاغة القصة فهي لا تلغي الرقم، وإنما تمنحه قلبًا.

وتأتي إستراتيجية السؤال بوصفها من أذكى أدوات التأثير؛ لأن العبارة المباشرة تقدم للمتلقي نتيجة جاهزة قد يقاومها بينما السؤال يجعله شريكًا في إنتاج النتيجة، وفرق كبير بين أن تقول: هذا البرنامج لم يحقق أهدافه، وأن تسأل: بعد ثلاث سنوات من تطبيق البرنامج، ما الذي تغير فعلًا في مستوى المستفيدين؟، ففي العبارة الأولى أصدرت حكمًا، أما في الثانية فقد وضعت المتلقي أمام طريق ينتهي غالبًا إلى الحكم نفسه لكنه يصل إليه بقدميه لا بقدميك، وما يصل إليه الإنسان بنفسه يكون أشد رسوخًا مما يُلقى عليه جاهزًا.

ومن طرائق الإقناع القديمة المتجددة التكرار، وليس المقصود به إعادة الجملة بصورة مملة، وإنما إعادة الفكرة في أثواب مختلفة حتى تستقر في الذاكرة، ولذلك تقوم الإعلانات التجارية على أسماء وشعارات وألوان وألحان تتكرر حتى تصبح العلامة التجارية مألوفة قبل أن تصبح مقنعة، والسياسي يكرر مفردة مركزية، والمعلم يكرر مفهومًا بصور متعددة، والخطيب يعيد القضية من منافذ مختلفة حتى يشعر المتلقي بعد حين أن الفكرة التي يسمعها ليست غريبة عنه، فالإنسان يميل في كثير من الأحيان إلى الألفة، وما يتكرر أمامه يصبح أكثر حضورًا في ذاكرته، والحضور المتكرر قد يتحول، إذا غاب الوعي النقدي إلى نوع من القبول.

وهناك استراتيجية الإجماع الاجتماعي، وهي من أكثر الاستراتيجيات حضورًا في زمن المنصات الرقمية، فحين نرى مطعمًا أمامه طابور طويل نفترض أن الطعام يستحق الانتظار، وحين نجد كتابًا يتصدر قوائم المبيعات تزداد رغبتنا في قراءته، وحين يحظى مقطع بملايين المشاهدات ندخل إليه قبل أن نعرف إن كان يستحق دقيقة واحدة من وقتنا، وكأن الإنسان يسأل الآخرين سرًا: ماذا اخترتم حتى أطمئن إلى اختياري؟ ولذلك تستخدم الإعلانات عبارات من قبيل الأكثر مبيعًا واختيار الملايين، فالجمهور في هذه الحالة لا يُستخدم مستهلكًا بل يتحول وجوده نفسه إلى حجة لإقناع جمهور جديد.

أما الندرة فهي استراتيجية أخرى تقوم على خوف الإنسان من ضياع الفرصة أكثر من قيامها على حاجته الحقيقية إليها، ولذلك تقول الإعلانات: بقيت قطعتان، العرض ينتهي الليلة، المقاعد محدودة، فتتحول السلعة فجأة من شيء نستطيع التفكير فيه بهدوء إلى فرصة توشك أن تهرب، وقد يشتري المرء تحت ضغط الزمن ما لم يكن سيشتريه لو مُنح يومين للتفكير، فالندرة لا تضيف شيئًا إلى خصائص المنتج لكنها تضيف شيئًا إلى نفس المتلقي القلق من الفوات.

ومن أرقى الاستراتيجيات وأشدها فاعلية الإقرار الجزئي بحجة الخصم؛ لأن الإنسان يشك في الخطاب الذي يصوّر صاحبه كاملًا وخصمه ناقصًا، فإذا كنت تناقش مشروعًا حكوميًا مثلًا، فإن قولك: حقق المشروع نتائج مهمة لا يجوز إنكارها غير أن النجاح نفسه يرفع سقف السؤال عن الجوانب التي لم تتحقق بعد، أشد إقناعًا من خطاب يبدأ بالهجوم وينتهي به؛ لأنك بهذا الاعتراف تنتزع من الطرف الآخر تهمة التحيز ثم تنتقل إلى النقد وأنت أكثر مصداقية، وهذه طريقة عرفها الجدل والحجاج منذ القدم؛ أن تمنح خصمك ما يستحقه من الحق حتى يصبح اعتراضك عليه أكثر عدلًا وقوة. ومن الاستراتيجيات التي أحب تسميتها بلاغة الصمت، فليس كل تأثير يحتاج إلى الكلام، وقد تكون الوقفة بعد عبارة خطيرة أبلغ من عشر عبارات تليها، وقد يكون حذف التفاصيل أحيانًا أقوى من سردها، ولذلك يعرف المتحدث المتمكن أن الصمت ليس فراغًا بين الكلمات بل كلمة غير منطوقة، والممثل البارع يقنعك بنظرة، والقائد الواثق قد يترك السؤال لحظة قبل الإجابة، والخطيب يهبط بصوته عند موضع فيجبر الجمهور على الاقتراب السمعي منه، فالتأثير لا تصنعه المفردات وحدها بل تصنعه المسافات بينها أيضًا.