بات الذكاء الاصطناعي اليوم ركيزة أساسية للتقدم التقني المستقبلي، حيث يمتد تأثيره من المدن الذكية وتحسين كفاءة الطاقة إلى الرعاية الصحية والخدمات المالية. ولم يعد دور هذه التكنولوجيا مقتصراً على تطوير المؤسسات فحسب، وإنما باتت تعيد تشكيل القطاعات والمجتمعات المحيطة بها. وباعتبارها ركيزة أساسية لرؤية السعودية 2030، تواصل المملكة الاستثمار في تطوير بنية تحتية متقدمة لمراكز البيانات، بالإضافة إلى بناء منظومة رقمية مزدهرة قائمة على الابتكار وتنمية المهارات بهدف توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي في دعم التنوع الاقتصادي وتعزيز المرونة على المدى الطويل. ومع تسارع مبادرات الذكاء الاصطناعي واتساع نطاقها، يبرز تساؤل بالغ الأهمية حول كيفية تصميم وتشغيل مراكز البيانات الحديثة. وهنا تجدر الإشارة إلى اختلاف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي اختلافاً جذرياً عن البنية التقنية التقليدية، فهي تعمل على نطاق أوسع، وبكثافة معالجة أعلى، واستهلاك طاقة أكبر بكثير. علاوةً على ذلك، لا يمكن دائماً دمج أحمال عمل الذكاء الاصطناعي بكفاءة مع بنى مراكز البيانات الحالية، وإنما بات الأمر يتطلب نوعاً جديداً من البنية التحتية المصممة خصيصاً لتوفير أعلى مستويات الأداء والكفاءة وقابلية التوسع على حد سواء. حلول متكاملة على مستوى الرفوف لطالما اعتمدت مراكز البيانات في السابق على بنى مكونة من خوادم منفصلة يتم تحسينها بصورة فردية قبل ربطها ضمن تجمعات حوسبية. ومع تنامي احتياجات البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، يتجه القطاع بشكل متزايد إلى استكشاف بنى متكاملة على مستوى الرفوف، حيث يتم تصميم قدرات الحوسبة والذاكرة والشبكات والبرمجيات كنظام موحّد ومترابط. ومن أبرز الأمثلة على هذا التوجه حل AMD Helios AI المصمم على مستوى الرفوف، والذي يجمع بين وحدات المعالجة المركزية عالية الأداء، ومسرعات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والشبكات عالية السرعة، إلى جانب مجموعة برمجيات مفتوحة المصدر ضمن منصة متكاملة ومصممة خصيصاً لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. يشير هذا المستوى من التكامل إلى أن كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي لم تعد مرتبطة بالقدرة الحوسبية فقط، بل أصبحت تعتمد بصورة أكبر على كفاءة تدفق البيانات داخل المنظومة. ومع التوسع المستمر في أحجام نماذج الذكاء الاصطناعي وتعقيد بنيتها، تبرز أهمية عوامل متعددة مثل عرض نطاق الذاكرة، وكفاءة الاتصال بين المكونات، وآليات التنسيق على مستوى النظام بأكمله. باختصار، قد يستهلك نقل البيانات طاقة أكبر من عملية الحوسبة نفسها، ولذلك تم تصميم الحلول المعتمدة على مستوى الرفوف لتحقيق أفضل أداء ممكن مقابل استهلاك الطاقة وحجم البيانات المنقولة، بدلاً من التركيز على الأداء النظري فحسب. وتعد هذه المعايير حجر الأساس لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي مستدامة وقابلة للتوسع. وقد بات جلياً اليوم أن قدرات الحوسبة تشهد قفزة نوعية في مستويات كثافة المعالجة والأداء. ففي بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان رف خوادم واحد تحقيق مستويات أداء كانت تتطلب سابقاً عدة مجموعات مترابطة من الخوادم. وقد أدى هذا التطور إلى إحداث تحول جوهري في تصميم مراكز البيانات، بحيث أصبح الرف يمثل الوحدة الأساسية للبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ومن خلال دمج وحدات المعالجة المركزية ووحدات معالجة الرسومات والشبكات والبرمجيات ضمن هيكل موحد على مستوى الرف، تتيح هذه البنية المعمارية واسعة النطاق للمؤسسات تحسين كفاءة نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قابلية التوسع، ورفع كفاءة الأداء الشامل للنظام. كما يساعد هذا التوجه في مواجهة أحد أهم التحديات الحالية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، والمتمثل في كفاءة استهلاك الطاقة. تحسين بنية الذكاء الاصطناعي مما لا شك فيه أن تطوراً بهذا الحجم يحتاج إمدادات كبيرة من الطاقة، وهو ما يشكل أحد أبرز التحديات أمام توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ومع وصول هذه المرافق إلى مستويات تشغيلية تُقاس بالجيجاواط، بات التخطيط لها أقرب إلى تطوير بنية تحتية وطنية للطاقة منه إلى مجرد توسّع تقليدي للقدرات التقنية. وفي الوقت نفسه، تزداد كثافة عمليات الحوسبة بوتيرة متسارعة، وهذا يستوجب بطبيعة الحال تبني حلول جديدة لأنظمة التبريد وتوزيع الطاقة وبنية النظام. ومن هنا تبرز أهمية التوازن المعماري للأنظمة التقنية الحديثة، حيث لم يعد أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد على مكوّن واحد فقط مثل وحدة معالجة الرسومات مثلاً، بل أصبح مرهوناً بالتكامل السلس بين وحدات المعالجة المركزية، والمسرّعات، والشبكات، والذاكرة، والبرمجيات. ويتطلب تحقيق متطلبات الطاقة والأداء الخاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي توظيف محرك الحوسبة المناسب لكل مهمة، سواء كان ذلك عبر وحدة معالجة مركزية، أو وحدة معالجة رسومية، أو مزيج متوازن بينهما. وتتميز وحدات معالجة الرسومات بقدرتها العالية على معالجة العمليات المتوازية المعقدة، مثل تدريب النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) وتنفيذ الاستدلال واسع النطاق بكفاءة عالية، بينما تبقى وحدات المعالجة المركزية عنصراً أساسياً في إدارة تدفق البيانات، وتنظيم سير العمل، والتعامل مع المهام العامة والحساسة لزمن الاستجابة. من ناحية أخرى، تُعد كفاءة استهلاك الطاقة على مستوى المكونات التقنية عاملاً حاسماً لا يقل أهميةً عن الأداء نفسه. وكما ذكرنا آنفاً، أصبح الأداء مقابل استهلاك الطاقة وحجم البيانات المنقولة من أبرز المؤشرات التي تحدد كفاءة حلول الذكاء الاصطناعي الموفّرة للطاقة. ولهذا السبب، تبنت AMD منهجية تصميم ترتكز على تعزيز كفاءة استهلاك الطاقة في جميع منتجاتها، بما يشمل معالجات AMD EPYC™ ووحدات AMD Instinct™ الخاصة بمراكز البيانات. وتهدف هذه الحلول إلى تحقيق أعلى مستويات الأداء مع تقليل استهلاك الطاقة، مما يمنح المؤسسات قدرة أكبر على توسيع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع الحد من استهلاك الطاقة وتحقيق استدامة تشغيلية أفضل. نحو آفاق مفتوحة لمستقبل الذكاء الاصطناعي أخيراً، فيما يتعلق بتسريع تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن المستقبل لا يزال مفتوحاً على آفاق واسعة، حيث يحتاج المطورون إلى منظومة برمجية مفتوحة تضم الأدوات والمكتبات اللازمة للابتكار بالسرعة المطلوبة. ولهذا السبب، تتيح حزمة برمجيات AMD ROCm™ للمطورين والشركات والجهات الحكومية بناء حلول الذكاء الاصطناعي بمرونة أكبر، بما يضمن بقاء استثمارات البنية التحتية قابلة للتكيف مع التطورات التقنية المتسارعة. وتزداد أهمية هذا النهج المفتوح مع توسّع استخدامات الذكاء الاصطناعي خارج مراكز البيانات المركزية. ولتحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي، يجب أن يصبح حاضراً في جميع البيئات التقنية، بدءاً من مراكز البيانات والحوسبة السحابية إلى أطراف الشبكات والأجهزة الطرفية. وبينما نشهد اليوم تقدماً هائلاً في الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيل، يبرز أيضاً مفهوم "الذكاء الاصطناعي المادي" الذي يدمج قدرات التحليل والاستجابة الفورية ضمن الأنظمة المادية الواقعية. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد بيئة رقمية معزولة إلى جزء مدمج داخل الآلات وأجهزة المستخدمين، سواء كانت حواسيب مدعومة بالذكاء الاصطناعي أو روبوتات شبيهة بالبشر. ولتحقيق هذه الرؤية المستقبلية، يجب تصميم بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تجمع بين القدرة على التوسع وسهولة التوزيع، ومدعومة بمنظومة برمجية مفتوحة. خلاصة القول، يتنامى التركيز اليوم على فهم دور الذكاء الاصطناعي في إحداث تحولات جذرية في القطاعات الاقتصادية والصناعية، وكذلك على آلية تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بما يحقق التوازن بين الأداء ومتطلبات الحوسبة وكفاءة استهلاك الطاقة. وتمثل هذه التحولات فرصة استراتيجية مهمة للمملكة العربية السعودية، ذلك أنها تفتح آفاقاً واعدة لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تشمل مراكز البيانات والبنية التحتية الطرفية والأجهزة الذكية، بما يساهم في تسريع وتيرة الابتكار عبر جميع القطاعات في المملكة.